تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 142

السورة 2 : الآية 142

سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ

تفسير ابن كثير

{* سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)}

[قيل: المراد بالسفهاء هنا مشركو العرب. قاله الزجاج ¬معاني القرآن 1/ 218.¥.

وقيل: أحبار يهود. قاله مجاهد ¬أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح 8/ 171).¥.

وقيل: المنافقون. قاله السدي ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.

والآية عامة في هؤلاء كلهم ¬وقول الحافظ ابن كثير وافقه جمع من المفسرين والمحدثين كابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 2، والقرطبي في جامعه 2/ 10، والرازي في تفسيره 4/ 12091، والبيضاوي في تفسيره 1/ 86، وابن جزي في التسهيل 1/ 62.¥، والله أعلم] ¬ما بين معقوفتين سقط من (حم) و (عف) والأصل، وأُثبت من (عش) و (ح).¥.

قال البخاري: حدثنا أبو نُعيم، سمع زُهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وإنه صلّى أول صلاة صلّاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلّى معه، [فمَّر] ¬في الأصل بلفظ: "يمر" والتصويب من رواية الصحيح وبقية النسخ.¥ على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّيت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوّل قِبَلَ البيت رجالًا قُتلوا لم ندرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} ¬أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ... } [البقرة: 142] (ح 4486).¥.

انفرد به البخاري من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السّماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا من مات منّا قبل أن نُصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، وقال السفهاء من الناس، وهم أهل الكتاب: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}، فأنزل الله {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ... } إلى آخر الآية ¬سنده حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ابن إسحاق به.¥.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجَّه نحو الكعبة، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] قال: فوجّه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} فأنزل الله: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وسنده حسن.¥.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب قِبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] أي: نحوه، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} فأنزل الله {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ¬أخرجه الطبري في تفسيره وسنده ثابت، وتشهد له الروايات الثلاث السابقة.¥.

وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، [قاله ابن عباس والجمهور، ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على قولين، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده عَلَيْهِ السَّلام ¬ينظر: الجامع لأحكام القرآن 2/ 150.¥. والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه - صلى الله عليه وسلم - المدينة] ¬ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (حم) و (عش).¥، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يُوجه إلى الكعبة التي هي قِبلة إبراهيم، فأُجيب إلى ذلك، وأُمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس، فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلّاها إليها: صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين من رواية البراء، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلّى: أنها الظهر، [وقال: كنت أنا وصاحبي أول من صلّى إلى الكعبة ¬أخرجه النسائي من طريق مروان بن عثمان أن عبيد بن حُنين أخبره عن أبي سعيد بن المعلّى مطولًا (السنن الكبرى ح 10937) وفي سنده: مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى ضعيف (التقريب ص 526).¥.

وذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن تحويل القبلة نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صلّى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة، فسمي: مسجد القبلتين.

وفي حديث نويلة بنت أسلم ¬كذا في نسخة (عش)، وفي (حم): "توليه" والتصويب من الإصابة (4/ 420)، وأسد الغابة (5/ 556)، وما ورد عن ابن عبد البر ذكره من طريق جعفر بن محمود عن جدته أم أبيه نويلة بنت أسلم ... فذكره (الاستيعاب 4/ 418 في حاشية الإصابة). وأخرجه ابن مردويه من طريق إسحاق بن إدريس عن إبراهيم بن

جعفر عن أبيه عن جدته نويلة به، كما سيأتي في تفسير آية (144) من هذا التفسير المبارك. وفي سنده إسحاق بن إدريس وهو الأسوادي البصري متهم بالكذب (انظر: ميزان الاعتدال 1/ 184).¥ أنهم جاءهم الخبر بذلك وهم في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال. ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل و (عف) و (ع)، وأثبت في نسخة (عش) و (حم) و (ح).¥. وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[قد أُنزل عليه الليلة قرآن] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل و (عف) والمثبت من عش (حم) و (ح).¥ وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة ¬أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير باب {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... } [البقرة: 143] (ح 4488)، ومسلم، الصحيح، المساجد، باب تحويل القبلة (ح 526).¥.

وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.

ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] و {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177] أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجّهنا توجّهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجّهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعدّدة، فنحن عبيده وفي تصرُّفه، وخدّامه حيثما وجّهنا توجّهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وأُمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجُّههم إلى الكعبة المبنيّة على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض إذ هي بناية إبراهيم الخليل عَلَيْهِ السَّلام، ولهذا قال: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.

وقد روى الإمام أحمد عن علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن ¬حصين بن عبد الرحمن. كذا في مسند أحمد 41/ 481 (ح 25029)، والنسخ كلها إلا في الأصل فضيل بن عبد الرحمن وهو تصحيف.¥، عن عمر بن قيس ¬عمر بن قيس. كذا في المسند (ح 25029)، وفي كل النسخ ورد بلفظ: "عمرو بن قيس" وهو تصحيف لأن عمر بن قيس ورد ذكره في المسند، وكذا ورد في ترجمته أنه روى عن محمد بن الأشعث (تهذيب الكمال 21/ 485).¥، عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني في أهل الكتاب -: "إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها، وضلّوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين" ¬أخرجه الإمام أحمد (المسند 41/ 481 ح 25029) وسنده صحيح.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 5