تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 142

السورة 2 : الآية 142

سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قوْلِه جل ثناؤُه: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ}.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ}: سيقولُ الجُهالُ من الناسِ، وهم اليهودُ وأهلُ النفاقِ. وإنما سمّاهم اللهُ عز وجل سفهاءَ؛ لأنهم سفِهوا الحقَّ، فتجاهَلتْ أحبارُ اليهودِ، وتعاظمَت جُهّالُهم وأهلُ الغباءِ منهم عن ¬في ت 1، ت 3: "عند".¥ اتباعِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إذ كان من العربِ ولم يكنْ من بني إسرائيل، وتحيَّرَ المنافقون فتبلَّدوا.
وبما قلنا في السفهاءِ أنهم هم اليهودُ وأهلُ النفاقِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال: هم اليهودُ
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ} قال: اليهودُ تقولُه حين ترَك بيتَ المقدسِ ¬تفسير مجاهد ص 215. وأخرجه الثورى في تفسيره ص 50 عن رجل، عن مجاهد. وينظر الفتح 8/ 171.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ}. قال: اليهودُ ¬أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور 1/ 142 - وأخرجه ابن المقرئ في معجمه (717) من طريق وكيع، عن سفيان، عن أبى إسحاق به. وأخرجه البخاريّ (399)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 247 (1323)، والواحدى في أسباب النزول ص 28 من طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وأبى داود في ناسخه وابن المنذر.¥.
وحدِّثتُ عن أحمدَ بنِ يونسَ، عن زهيرٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ}. قال: اليهودُ ¬سيأتي مطولا في ص 620.¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} قال: أهلُ الكتابِ ¬أخرجه النسائي في الكبرى (11001)، والبغوى في الجعديات (2132) من طريق شريك به. وسيأتي مطولا في ص 620.¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اليهودُ ¬تقدم مطولا في ص 450.¥.
وقال آخَرون: السفهاءُ المنافقون.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: نزلَت: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ}: في المنافقين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 247 (1324) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وسيأتي مطولا في ص 640.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه {مَا وَلَّاهُمْ}: أيُّ شيء صرفَهم عن قبلتِهم؟ وهو من قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه. إذا حوَّل وجهَه عنه واستدْبَره، فكذلك قولُه: {مَا وَلَّاهُمْ}: أي شيء حوَّل وجوهَهم؟
وأما قولُه: {عَنْ قِبْلَتِهِمُ} فإن قبلةَ كلِّ شيء ما قابلَ وجهَه، وإنما هي فِعْلةٌ، بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ [وصِفوةِ الشيء] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، من قولِ القائلِ: قابلتُ فلانًا، إذا صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لي قِبلةٌ، وأنا له قِبلةٌ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ صاحبِه.
فتأويلُ الكلامِ إذن إذْ كان ذلك ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ معناه: سيقولُ السفهاءُ من الناسِ لكم أيها المؤمنون باللهِ وبرُسلِه ¬في م: "رسوله"، وفي ت 1، ت 3: "برسوله".¥، إذا حوّلْتم وجوهَكَم عن قبلةِ اليهودِ التي كانت لكم قبلةً، قبلَ أمرِي إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذي كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
فأعلمَ اللهُ جل ثناؤه نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما اليهودُ والمنافقون قائِلون من القولِ عند تحويلِ اللهِ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ قبلتَه وقبلةَ أصحابِه، عن الشامِ إلى المسجدِ الحرامِ، وعلّمَه ما ينبغِى أن يكونَ مِن ردِّه عليهم من الجوابِ، فقال له: إذا قالوا ذلك لكَ يا محمدُ، فقلْ لهم: {لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وكان سببَ ذلك أن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى نَحْوَ بيتِ المقدسِ مدةً سنذكُرُ مبلَغَها فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالي، ثم أرادَ اللهُ تعالى صرْفَ قبلةِ نبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذي ينبغِى أن يكون من مَردِّه ¬في م: "رده".¥ عليهم من الجوابِ.
ذكرُ المدةِ التي صلّى ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "صلاها".¥ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابُه نحوَ بيتِ المقدسِ، وما كان سببُ صلاتِه نحوَه، وما الذي دعا اليهودَ والمنافقين إلى قيلِ ما قالوا عند تحويلِ اللهِ قبلةَ المؤمنين عن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ
اخْتلَفَ أهلُ العلْمِ في المدّةِ التي صلّى ¬¥ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بن أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ -شكَّ محمدُ بنُ أبى محمدٍ- عن ابنِ عباسٍ، قال: لما صُرِفت القبلةُ عن الشامِ إلى الكعبةِ -وصُرِفت في رجبٍ على رأسِ سبعةَ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "تسعة".¥ عشرَ شهرًا من مَقدَمِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينةَ- أتى رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رفاعةُ بنُ قيسٍ، وقَرْدَمُ بن عمرٍو، وكعبُ بنُ الأشرفِ، ونافعُ بنُ أبى نافعٍ -هكذا قال ابنُ حميدٍ، وقال أبو كُريبٍ: ورافعُ بنُ أبى رافعٍ- والحجاجُ بنُ عمرٍو، حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ، والربيعُ ابنُ الربيعِ بنِ أبى ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ الحُقَيقِ، وكِنانةُ [بنُ الربيعِ] ¬زيادة من: م. وهو كذلك في سيرة ابن هشام.¥ بن أبي الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن ق
بلتِك التي كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التي كنتَ عليها نتبِعْك ونصدِّقْك. وإنما يُريدون فتنتَه عن دينِه، فأنزَل اللهُ فيهم: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} إلى قولِه: {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} ¬سيرة ابن هشام 1/ 550، وأخرجه البَيْهَقِيُّ في الدلائل 2/ 575 من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 247، 248 (1327) من طريق سلمة به.¥.
حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال البراءُ: صلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نحوَ بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا. قال: وكان يشتهِى أن يُصرفَ إلى الكعبةِ. قال: فبينا نحن نصلِّى ذات يومٍ، فمرَّ بنا مارٌّ، فقال: ألا هل علِمتم أن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا.
قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟ فسكَت.
وحَدَّثَنَا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبى بكرِ بنِ عياشٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: صلَّينا بعدَ قدومِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينةَ ستةَ ¬في م: "سبعة".¥ عشرَ شهرًا إلى بيتِ المقدسِ ¬أخرجه ابن ماجة (1010)، والدارقطني 1/ 273 من طريق أبي بكر بن عياش به.
وأورد الحافظ في الفتح 1/ 97 الخلاف في هذه المدة، وقال: وشذت أقوال أخري؛ ففي ابن ماجة من طريق إلى بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث: "ثمانية عشر شهرا". وأبو بكر سيء الحفظ، وقد اضطرب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية: "سبعة عشر". وفي رواية: "ستة عشر".¥.
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيي، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ ¬تفسير سفيان ص 52. وأخرجه النسائي (487) عن ابن بشار به. وأخرجه أحمد 30/ 511 (18539)، والبخاريّ (4492)، ومسلم (525)، وابن خزيمة (428) من طريق يحيى به.¥.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا النُّفيليُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا زُهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان أوّلَ ما قدِم المدينةَ نزلَ على أجدادِه أو أخوالِه من الأنصارِ، وأنه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ [أو سبعةَ عشرَ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ شهرًا، وكان يُعْجِبُه أن تكونَ قبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِبَلَ مَكَّةَ. فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ، وكان يُعجِبُه أن يحوَّلَ قِبَلَ البيتِ، وكان اليهودُ قد ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أعجَبَهم هذا ¬¥؛ أن كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ وأهلِ الكتابِ، فلما ولَّى وجْهَه قِبَلَ البيتِ أنكَروا ذلك ¬أخرجه البَيْهَقِيُّ في المعرفة (658) من طريق النفيلى به. وأخرجه ابن سعد 1/ 242، 243، وأحمد 30/ 453، 454 (18496)، والبخاريّ (40، 4486)، وابن منده في الإيمان (167)، والبيهقيُّ 2/ 3 من طريق زهير
به. وينظر مسند الطيالسي (755).¥.
وحَدَّثَنَا عمرانُ بنُ موسي، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين ¬أخرجه سفيان في تفسيره ص 51، ومالك في الموطأ 1/ 196 - ومن طريقه الشافعي في مسنده (190)، والبيهقيُّ في المعرفة (656)، وفي الدلائل 2/ 573 - عن يحيى بن سعيد به. وينظر علل الدارقطني 4/ 365، والتمهيد 23/ 134، وفتح البارى لابن رجب 1/ 180، 181.¥.
وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمان بنُ سعدِ الكاتبُ، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ مالكٍ، قال: صُرِف ¬في م: "صلى".¥ نبيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نحوَ بيتِ المقدسِ تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهرٍ، فبينما هو قائمٌ يصلِّى الظهرَ بالمدينةِ، وقد صلَّى ركعتين نحوَ بيتِ المقدسِ، انصرفَ، بوجهِه إلى الكعبةِ، فقال السفهاءُ: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ¬إسناده ضعيف؛ عثمان بن سعد ضعيف. وأخرجه البزار (420 - كشف) عن عمرو بن على به. وأخرجه ابن خزيمة (434) من طريق أبي عاصم به. وقال الهيثمى: حديث أنس بن مالك في الصحيح أن ذلك في صلاة الصبح. والذي في صحيح مسلم (527) ليس فيه ذكر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.¥.
وقال آخَرون بما حدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا ¬إسناده منقطع؛ ابن أبى ليلى لَمْ يدرك معاذا. وأخرجه أبو داود (507) عن ابن المثنى به. والحديث في مسند الطيالسيّ (567)، وفيه: فصلى سبعة عشر شهرا.¥.
وحَدَّثَنِي أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أن الأنصارَ صلَّت القبلةَ الأُولَى قبلَ قدومِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بثلاثِ حِجَجٍ، وأن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صلَّى القبلةَ الأولَى بعد قُدومِه المدينةَ ستةَ ¬في الأصل: "ثلاثة".¥ عشرَ شهرًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 143 إلى المصنّف.¥. أو كما قال. وكِلا الحديثين يحدِّث قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ.
ذكرُ السببِ الذي كان من أجلِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصلِّى ¬في م: "يصلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ".¥ نحوَ بيتِ المقدسِ، قبل أن يُفرضَ عليه التوجُّهُ شطرَ الكعبةِ
اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
ذِكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُميلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، [عن عكرمةَ، و] ¬سقط من: الأصل، ت 1، ت 2، ت 3.¥ عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: أوَّلُ ما نُسِخ من القرآنِ القبلةُ، وذلك أن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يستقبِلُ صخرةَ بيتِ المقدسِ، وهي قبلةُ اليهودِ، فاستقبلَها النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سبعةَ عشرَ شهرًا، ليؤْمِنوا به ويتَّبِعوه، ويَدعُو بذلك الأمِّيين من العربِ، فقال اللهُ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 142 إلى المصنّف عن عكرمة وحده. وعزاه أيضًا إلى أبي داود في ناسخه عن ابن عباس بلفظه.¥
وحَدَّثَنِي المثنَّى بنُ إبراهيمَ، [قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ}: يعنُون بيتَ المقدسِ.
قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: إن نبيَّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خُيِّرَ بين ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أَنْ يُوجِّهَ وجهَه حيث شاء، فاختارَ بيتَ المقدسِ، لكى يتألَّفَ أهلَ الكتاب، فكانت قبلةً ¬في م: "قبلته".¥ ستةَ عشرَ شهرًا، وهو في ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ ¬ينظر تفسير ابن أبي حاتم 1/ 248 (1327).¥.
وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا معاوية بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قال: لما هاجرَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى المدينةِ، وكان أكثرَ ¬سقط من: م.¥ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ أن يستقْبِلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ عليه السلامُ، وكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزلَ اللهُ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}؟ فأنزَل اللهُ: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ¬تقدم تخريجه في ص 450.¥.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: صلّى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أوَّلَ ما صلَّى إلى الكعبةِ، ثم صُرِف إلى بيتِ المقدسِ، فصلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ قبلَ قدومِه عليه السلامُ ثلاثَ حِجَجٍ، وصلَّى بعدَ قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ.
ذكرُ السببِ الذي من أجلِه قال [من قال] ¬سقط من: الأصل.¥ {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}
اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فرُوى عن ابنِ عباسٍ فيه قولان؛ أحدُهما، ما حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التي كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك. يُريدون فتنتَه عن دينِه ¬تقدم مطولًا في ص 618، 619.¥.
والقولُ الآخرُ: ما ذكَرتُ من حديثِ علىِّ بنِ أبى طلحةَ عنه الذي مضَى قبلُ ¬تقدم في ص 623.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} قال: صلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَين قبلَ قدومِ نبيِّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينةَ، وصلَّى نبيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعدَ قدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه. فقال اللهُ عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ¬سيأتي بتمامه في ص 639، 640.¥.
[وقال آخَرون: بل قائِلو] ¬في م: "وقيل قائل".¥ هذه المقالةِ المنافقون، وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلامِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما وُجِّه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلَفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا ثم ترَكوها وتوجَّهوا ¬بعده في م: "إلى".¥ غيرَها؟! فأنزَل اللهُ في المنافِقين: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ}. الآية كلّها ¬سيأتي بتمامه في ص 640، 641، 668.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)}.
يعنى جل ثناؤُه بذلك: قلْ يا محمدُ -لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابِك: ما ولّاكم عن قبلتِكم من بيتِ القدسِ التي كنتم على التوجُّهِ إليها، إلى التوجُّهِ شطرَ المسجدِ الحرامِ؟ -: للهِ مُلكُ المشرقِ والمغربِ -يَعْني بذلك: مُلكُ ما بينَ قُطْرَىْ مَشرِقِ الشمسِ، وقُطْرَىْ مَغرِبها، وما بينهما من العالَمِ- يَهْدى من يشاءُ من خَلْقِه فيسدِّدُه ويوفِّقُه إلى الطريقِ القويمِ، وهو الصراطُ المستقيمُ -ويَعْني بذلك: إلى قبلةِ إبراهيمَ الذي جعلَه للناسِ إمامًا- ويخذُلُ من يشاءُ منهم فيضِلُّه عن سبيلِ الحقِّ.
وإنما عَنى جل ثناؤُه بقولِه: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: قلْ يا محمدُ: إنّ اللهَ هدانا بالتوجُّهِ شطرَ المسجدِ الحرامِ لقبلةِ إبراهيمَ، وأضلَّكم أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشركِ باللهِ، فخذَلكم عما هدَانا له من ذلك.

تفاسير بلغات أخرى · 5