تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 169

السورة 2 : الآية 169

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



وهذه الأقوالُ التي ذكرناهَا عمَّن ذكرْنَاها عنه في تأويلِ قولِه: {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} قريبٌ معنَى بعضِها من بعضٍ؛ لأنّ كلَّ قائلٍ منهم قولًا في ذلك فإنه أشارَ إلى نَهْي اتباعِ الشيطانِ في آثارِه وأعمالِه، غيرَ أن حقيقةَ تأويلِ الكلمةِ هو ما بَيَّنْتُ من أنها بُعْدُ ما بينَ قدَميه، ثم تُستعملُ في جميعِ آثارِه وطُرُقِه على ما قد بَيَّنْتُ. القول في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)}.
يعني جلّ ثناؤه بقولِه: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ}: الشيطانُ، {بِالسُّوءِ}. والسوءُ الاسمُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الإثم".¥ مثلُ الضُّرِّ من قولِ القائلِ: ساءك هذا الأمرُ يسوءُك سُوءًا. وهو ما يسوءُ الفاعلَ.
وأما الفحشاءُ فهي مصدرٌ مثلُ السرّاءِ والضرّاءِ، وهي كلُّ ما اسْتُفْحِشَ ذِكرُه وقَبُحَ مَسموعُه.
وقيلَ: إنّ السوءَ الذي ذكرَه اللهُ هو معاصِي اللهِ. فإن كان ذلك كذلك، فإنّما سماها اللهُ سوءًا؛ لأنّها تَسوءُ صاحبَها بسوءِ عاقِبتِها له عندَ اللهِ.
وقيل: إنّ الفحشاءَ الزنا. فإنْ كان ذلك كذلك، فإنما [سمِّى بذلك] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يسمى".¥ لِقُبْحِ مَسمُوعِه، ومكرُوهِ ما يُذكرُ به فاعلُه.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ}: أما "السوءُ" فالمعصيةُ، وأما "الفحشاءُ" فالزنا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 281 (1510) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وأما قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} فهو ما كانوا يُحرِّمون من البحائرِ والسوائبِ والوصائلِ والحوامِي، ويَزعُمون أنّ اللهَ حرّمَ ذلك، فقال جلّ ثناؤه لهم: {مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)} [المائدة: 103] وأخبَرهم جلّ ثناؤه في هذه الآيةِ أنّ قِيلَهُم: إن اللهَ حرَّم هذا. من الكذبِ الذي يأمرُهم به الشيطانُ، وأنه قد أحلَّه لهم وطَيَّبه، ولم يحرِّمْ أكلَه عليهم، ولَكِنَّهم يقولونَ على اللهِ ما لا يعلمونَ حقيقتَه، طاعةً منهم للشيطانِ، واتباعًا منهم خُطواتِه، واقتفاءً منهم آثارَ أسلافِهم الضُّلَّالِ، وآبائِهم الجهّالِ، الذين كانوا باللهِ وبما أنزَل على رسلِه جُهّالًا، وعن الحقِّ ومنهاجِه ضُلَّالًا، وانصرافًا ¬في م: "إسرافا". وفي ت 1، ت 2، ت 3: "إصدافا".¥ منهم عمّا أنزلَ الله في كتابِه على رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، فقال جلّ ثناؤه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}.

تفاسير بلغات أخرى · 6