تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)}.
يَعْني بذلك جلّ ثناؤه: وإذا سألك يا محمدُ عبادي عنِّى أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم، أَسْمَعُ دعاءهم، وأُجِيبُ دعوةَ الداعى منهم.
وقد اخْتَلَفوا فيما أُنْزِلتْ فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلت في سائلٍ سأل النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: يا محمدُ، أقريبٌ ربُّنا فَنُناجِيَه، أمْ بعيدٌ فَنُنادِيَه؟ فأَنْزَل اللهُ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية.
حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عَبْدَةَ السِّجِسْتانِىِّ ¬في الأصل: "السختيانى".¥، عن الصُّلْبِ ¬في م، والعظمة: "الصلت". وينظر المؤتلف والمختلف 3/ 1435.¥ بنِ حَكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص 77 (190)، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير 1/ 313 - من طريق محمد بن حميد به، وأخرجه ابن أبي حاتم 1/ 314 (1667)، والدارقطني في المؤتلف 3/ 1435 من طريق جرير به، وزاد الدارقطني بين الصلب وأبيه: عن رجل من الأنصار.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: سأل أصحابُ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أينَ ربُّنا؟ فأنْزَل اللهُ جلّ وعزّ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} الآية ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 73.¥.
وقال آخَرون: بل نزَلت جوابًا لمسألةِ قومٍ سأَلوا النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أي ساعةٍ يدعُون اللهَ فيها؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: لماَّ نزَلت: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] قال: قالوا: في أي ساعةٍ؟ قال: فنزَلت: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} إلى قولِه: {يَرْشُدُونَ} ¬أخرجه الطبراني في الدعاء (10) من طريق سفيان به. وفي (11) من طريق آخر عن ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 194 إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} قالوا: لو علِمْنا أي ساعةٍ ندعو؟ فنزَلت: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: زعَم عطاءُ بنُ أبى رَبَاحٍ أنه بلَغه لمَّا نزَلت: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال الناسُ: لو نَعْلَمُ أي ساعةٍ ندعو؟ فنزَلت: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.
حدّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} قال: ليس مِن عبدٍ مؤمنٍ يدعُو اللهَ إلَّا اسْتَجَاب له، فإن كان الذي يَدْعو به هو له رزقٌ في الدنيا أعطاه إياه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الله".¥، وإن لم يكنْ له رزقًا في الدنيا ذخَره له إلى يومِ القيامةِ، أو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ دفَع به عنه مكروهًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 314 (1668) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: [حدثنا أبو المهنَّا، قال] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن [عبدِ اللهِ] ¬¥ ابنِ صالحٍ، عمَّن حدَّثه، أنه بلَغه أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "ما أُعْطِىَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ومنع".¥ الإجابَةَ؛ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ¬أخرجه البيهقي في الشعب (4527) من طريق الليث به مطولا.¥ [غافر: 60].
ومعنى مُتأوِّلى هذا التأويلِ: وإذا سألك [يا محمدُ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ عبادي عنِّى؛ أي ساعةٍ يدعوننى، فإني منهم قريبٌ في كلِّ وقتٍ أُجِيبُ دعوةَ الداعِى إذا دعانِى.
وقال آخَرون: بل نزَلت جوابًا لقولِ قومٍ قالوا -إذ قال اللهُ لهم: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} -: إلى أين نَدْعوه؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال مجاهدٌ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قالوا: إلى أين؟ فنزلتْ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ¬تقدم في 2/ 457.¥ [البقرة: 115].
وقال آخرون: بل نزَلتْ جوابًا لقومٍ قالوا: كيف ندْعو.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنه لمَّا أنْزَل اللهُ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قال رجالٌ: كيفَ ندعو يا نبىَّ اللهِ؟ فأنْزَل اللهُ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} إلى قولِه: {يَرْشُدُونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 194 إلى المصنف.¥.
وأمَّا قولُه: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي}. فإنه يعنى به: فَلْيَسْتَجِيبوا لي بالطاعةِ. يقالُ منه: استجبتُ له واستجبتُه. بمعنى: أجبتُه. كما قال كعبُ بنُ سعدٍ الغَنَوىُّ ¬تقدم في 1/ 335.¥:
وَدَاعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عندَ ذَاكَ مُجِيبُ
يُرِيدُ: فلم يُجِبْه.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال [أهلُ التأويلِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥؛ مجاهدٌ وجماعةٌ غيرُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني الحَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} قال: فَلْيُطِيعوا لى. قال: الاستجابةُ الطاعةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 315 (1670) من طريق حجاج به.¥
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ عن قولِه: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} قال: طاعةُ اللهِ.
وقال بعضُهم: معنى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي}: فَلْيَدْعُونى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني منصورُ بنُ هارونَ، عن أبى رجاءٍ الخُراسانىِّ، قال: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي}: فَلْيَدْعونى.
وأمَّا قولُه: {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} فإنه يعنى: وَلْيُصَدِّقوا ¬بعده في م: "أي وليؤمنوا بى".¥ -إذا هم استجابوا لي بالطاعة- أنى لهم مِن وراءِ طاعتِهم لي في الثوابِ عليها وإجزالى الكرامةَ لهم عليها.
وأمَّا الذي تأوَّل قولَه: {فَلْيَسْتَجِيبُوا} بمعنى: فَلْيَدْعونى. فإنه كان يَتَأَوَّلُ قولَه: {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} أي: وَلْيُؤْمِنوا بي أنى أَسْتَجِيبُ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني منصورُ بنُ هارونَ، عن أبى رجاءٍ الخُراسانىِّ: {وَلْيُؤْمِنُوا بِي} يقولُ: أنى أَسْتَجِيبُ لهم.
وأمَّا قولُه: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} فإنه يعنى: فَلْيَسْتَجِيبوا لي بالطاعةِ، وَلْيُؤْمِنوا بي فَيُصَدِّقوا على طاعتِهم إيَّأي بالثوابِ منِّى لهم؛ ليَهْتَدوا ¬في م: "وليهتدوا".¥ بذلك مِن فعلِهم [ويَرْشُدوا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيرشدوا".¥.
كما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} يقول: لعلَّهم يَهْتَدون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 315 (1672) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 197 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى هذا القولِ مِن اللهِ، فأنت تَرَى كثيرًا مِن البشرِ يَدْعون اللهَ فلا يُستجابُ لهم دعاءٌ، وقد قال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}؟!
قيل: إن لذلك وجهينِ مِن المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ مَعْنِيًّا بالدعوةِ العملُ بما ندَب اللهُ إليه أو أمَر به، فيكونَ تأويلُ الكلامِ: وإذا سألك عبادي عنى فإني قريبٌ ممَّن أطاعنى وعمِل بما أمَرتُه به؛ أُجِيبُه بالثوابِ على طاعتِه إيَّأي إذا أطاعنى. فيكونُ معنى الدعاءِ مسألةَ العبدِ ربَّه ما وعَد أولياءَه على طاعتِهم بعمَلِه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بعملهم".¥ بطاعتِه، ومعنى الإجابةِ مِن اللهِ التي ضمِنها له الوفاءَ له بما وعَد العاملين له بما أمَرهم به، كما رُوِي عن النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن قولِه: "إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ".
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جريرٌ ¬في م: "جويبر".¥، عن الأعمشِ، عن ذَرٍّ، عن يُسَيْعٍ ¬في م: "سبيع". وينظر تهذيب الكمال 32/ 306.¥ الحَضْرَميِّ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ". ثُمَّ قرَأ: " {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] ¬أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 200، وأحمد 30/ 282، 297، 298، 336، 340، 380 (18436، 18352، 18386، 18391، 18432)، والترمذي (2969، 3247)، والنسائي في الكبرى (11464)، وابن ماجه (3828)، والطبراني في الدعاء (4 - 7)، وأبو نعيم 8/ 120، والبيهقي في الدعوات الكبير (4) من طرق عن الأعمش به.¥.
فأخْبَر -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن دعاءَ اللهِ إنما هو عبادتُه ومسألتُه بالعملِ له والطاعةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك ذُكِر أن الحسنَ كان يقولُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني منصورُ بنُ هارونَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن الحسنِ أنه قال فيها: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. قال: اعْمَلُوا وأبْشِروا، فإنه حقٌّ على اللهِ أن يَسْتَجِيبَ للذينَ آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ ويَزِيدَهم مِن فضلِه ¬أخرجه الطبراني في الدعاء (9) من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 356 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
(*) إلى هنا ينتهى الجزء الرابع من المخطوط الأصل، ويتلوه الجزء الخامس وبأوله خرم ينتهى في أثناء ص 269 وستجد أرقام المخطوط ت 1، بين معقوفين حتى ينتهى هذا الخرم.¥.
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ معناه: أجِيبُ دعوةَ الداعي إذا دعانِ إن شيءتُ، فيكونُ ذلك -وإن كان عامًّا مخرجُه في التلاوةِ- خاصًّا معناه (*).