تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: وقاتِلُوا المشركين الذين يقاتِلونكُم {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. يعني: حتى لا يكونَ شركٌ باللهِ، وحتى لا يُعبدَ دونَه أحدٌ، وتَضْمحِلَّ عبادةُ الأوثانِ والآلهةِ والأندادِ، وتكونَ العبادةُ والطاعةُ للهِ وحدَه دونَ غيرِه من الأصنامِ والأوثانِ.
كما قال قتادةُ فيما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}: حتى لا يكونَ شركٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}: حتى لا يكونَ شِركٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 73.¥.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. قال: الشركُ، {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} ¬تفسير مجاهد ص 223، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 205 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السَّدِّيِّ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. قال: أمّا الفتنةُ فالشِّركُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 327 عقب الأثر (1734) من طريق عمرو به.¥.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. يقولُ: قاتلِوا حتى لا يكونَ شِركٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 327 (1734) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.¥.
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. أي: شِركٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 327 عقب الأثر (1734) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال: ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. قال: حتى لا يكونَ كفرٌ. وقرَأ: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} ¬ينظر التبيان 2/ 146.¥ [الفتح: 16].
حَدَّثَنِي عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. قال: شِركٌ ¬أخرجه البَيْهَقِي في الدلائل 2/ 582 من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
وأما "الدِّينُ" الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فهو العبادةُ والطاعةُ للهِ في أمرِه ونهيِه، مِن ذلك قولُ الأعْشَى ¬ديوانه ص 11.¥:
هُوَ دَانَ الرِّبابَ ¬الرباب: أحياء ضبَّة، وهم تيم وعدي وعُكْل، وقيل: تيم وعدي وعوف وثور وأشيب. التاج (ر ب ب).¥ إذْ كَرِهُوا الدِّيـ ... ــنَ دِرَاكًا بغزْوَةٍ وَصِيالِ
يعني بقولِه: [إذ كرِهوا الدِّينَ] ¬سقط من: الأصل.¥: إذ كرِهوا الطاعةَ وأبَوْها.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}. يقولُ: حتى لا يُعبدَ إلَّا اللهُ، وذلك: لا إلهَ إلَّا اللهُ. عليه قاتل النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإليه دعَا، فقال النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ. ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فإذَا فَعَلُوا ذلك فَقَدْ عَصَمُوا ¬بعده في م، ت 3: "منى".¥ دِماءَهم وأمْوالَهم إلَّا بِحَقِّها، وَحِسابُهم على اللهِ" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 205 إلى المصنّف، بلفظ: حتى لا يعبد إلَّا الله. وينظر تفسير ابن أبي حاتم 1/ 328 عقب الأثر (1735). والمرفوع أخرجه البخاري (25)، ومسلم (22) من حديث ابن عمر.¥.
حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}: أن يقالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقولُ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ" ¬أخرجه الطبراني في الدعاء (1558) من طريق سعيد به. وتقدم أوله في ص 296.¥. ثم ذكرَ مثلَ حديثِ الربيعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)}.
يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: {فَإِنِ انْتَهَوْا}: فإن انتهَى الذين يقاتِلونَكم من الكفارِ عن قتالِكم، ودخَلُوا في ملّتِكم، وأقرُّوا بما أَلْزَمهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ألزمكم".¥ اللهُ تعالى ذكرُه من فرائضِه، وترَكوا ما هم عليه من عبادةِ الأوثانِ، فدَعُوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجِهادَهم، فإنه لا ينبغي أن يُعتدَى إلَّا على الظالمين، وهم المشركون باللهِ، الذين ترَكوا عبادةَ ربِّهم، وعبَدوا غيرَ خالقِهم.
فإن قال قائلٌ: وهل يجوزُ الاعتداءُ على الظالمِ، فيقالَ: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}؟
قيل: إن المعنى في ذلك غيرُ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما ذلك على وجهِ المجازاةِ لما كان من المشركين من الاعتداءِ. يَقولُ: افعَلوا بهم مثلَ الذي فعلُوا بكم. كما يقالُ: إن تعاطيتَ منِّي ظلمًا تعاطيتُه منكَ: والثاني ليس بظلمٍ، كما قال عَمرُو ابنُ شأسٍ الأسديُّ ¬التبيان 2/ 149.¥:
جَزَيْنا ذَوي العُدْوَانِ بالأمسِ قَرْضَهُمْ ... قِصَاصًا سَوَاءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ
وإنما ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "كان".¥ ذلك نظيرُ قولِه: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15]. {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79].
وقد بينَّا وجهَ ذلك ونظائرَه فيما مضَى قبلُ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 312 - 318.¥. وبالذي قلنا في ذلك من التأويلِ قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}: والظالمُ الذي أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ ¬تقدم أوله في ص 296.¥.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}. قال: هم المشركون ¬ينظر ما تقدم في ص 301.¥.
حَدَّثَنِي ابنُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عثمانُ ¬في الأصل: "محمد". ينظر تهذيب الكمال 19/ 473.¥ بنُ غِياثٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ في هذه الآيةِ: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}. قال: هم مَن أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ".
وقال آخرون: معنى قولِه: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}: فلا تُقاتِلْ إلَّا مَنْ قاتلَ.
ذِكرُ مَن قال ذلك ¬أخرجه الطبراني في الدعاء (1556)، وأبو نعيم في الحلية 3/ 334 من طريق عثمان به.¥.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}. يقولُ: لا تُقاتلُوا إلَّا مَن قاتلَكم ¬تفسير مجاهد ص 223، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 328 (1736). وتقدم أوله في ص 291.¥.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}: فإن اللهَ لَا يحبُّ العدوانَ على الظالمين ولا على غيرِهم، ولكن يقولُ: اعتدُوا عليهم بمثلِ ما اعتدَوْا عليكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 328 (1737) من طريق عمرو به.¥.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ في قوله: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}: لا يجوزُ أن يقولَ: {فَإِنِ انْتَهَوْا}. إلَّا وقد علِمَ أنهم لا ينتَهُونَ إلَّا بعضَهم. قال: فكأنه قال: فإن انتهى بعضُهم فلا عدوانَ إلَّا على الظالمين منهم.
فأَضْمرَ كما قال: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] يريدُ: فعليه ما اسْتيسرَ. وكما تقولُ إلى مَن تقصِدُ: أقصِدُ. يعني: إليه.
وكان بعضُهم يُنكِرُ الإضمارَ في ذلك ويتأوّلُه: فإن انْتهَوْا فإنّ اللهَ غفورُ رحيمٌ لمن انتهَى، فلا عُدوانَ إلَّا على الظالمين الذين لَمْ يَنْتَهوا.