تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 204

السورة 2 : الآية 204

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}.
وهذا نعتٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه للمنافقِين، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومن الناسِ مَن يُعجِبُك يا محمدُ ظاهرُ قولِه وعلانيتُه، ويَستشهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه، وهو ألدُّ الخصامِ، جَدِلٌ بالباطلِ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ في الأَخْنَسِ بنِ شَرِيقٍ، قَدِم على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فزعَم أنه يريدُ الإسلامَ، وحلَف أنه ما قَدِم إلا لذلك، ثم خرَج فأفسدَ أموالًا من أموالِ المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} قال: نزَلتْ في الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حليفٌ لبني زُهْرةَ، وأقبَلَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينةِ، فأظهَر له الإسلامَ، فأعجَب النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك منه، وقال: إنما جئتُ أريدُ الإسلامَ، واللَّهُ يعلَمُ أني صادقٌ. وذلك قولُه: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. ثم خرَج من عندِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فمرَّ بزَرْعٍ لقومٍ من المسلمين وحُمُرٍ، فأَحرَقَ الزرعَ، وعقَر الحُمُرَ، فأنزلَ اللَّهُ: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}. وأما {أَلَدُّ الْخِصَامِ}: فأعْوَجُ ¬في الأصل: "فاعوجاج".¥ الخِصامِ، وفيه نزَل: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1]. ونزَلتْ فيه: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} إلى ¬سقط من: الأصل.¥ {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/
364 - 367 (1913، 1917، 1923) وعقب (1930) من طريق عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 238 إلى ابن المنذر دون الآيات في آخره، وقد عزاها السيوطي في الدر المنثور 6/ 250، 392 إلى ابن أبي حاتم.¥ [القلم: 10 - 13].
وقال آخرون: بل نزَل ذلك في قومٍ من أهلِ النفاقِ، تكلَّموا في السَّرِيّةِ التي أُصِيبتْ لرسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بالرَّجِيعِ.
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو ¬في الأصل: "و".¥ عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أُصِيبت هذه السَّرِيةُ، أصحابُ خُبَيْبٍ، بالرَّجيعِ بينَ مكةَ والمدينةِ، قال ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فقال".¥ رجالٌ من المنافقِين: يا ويحَ هؤلاء المقتولِين الذين هَلَكوا هكذا، لا هم قعَدوا في بيوتِهم، ولا هم أدَّوْا رسالةَ صاحبِهم. فأَنزل اللَّهُ في ذلك من قولِ المنافقِين، وما أصاب أولئك النَّفَرَ من الشهادةِ والخيرِ من اللَّهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: أي: بما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ما".¥ يُظهِرُ بلسانِه من الإسلام، {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} أي: من النفاقِ، {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} أي: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجَعَك، {وَإِذَا تَوَلَّى} أي: خرَج من عندِك، {سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} أي: لا يُحِبُّ عملَه ولا يرضاه، {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِث
ْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}. الذين شَرَوْا أنفسَم للَّهِ بالجهادِ في سبيلِه، والقيامِ بحقِّه حتى هلَكوا على ذلك؛ يعني هذه السَّرِيةَ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أُصيبتِ السَّريةُ التي كان فيها عاصمٌ ومَرثدٌ بالرَّجيعِ، قال رجالٌ من المنافقِين. ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ ¬سيرة ابن هشام 2/ 174، 175، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 363 - 369، (1910، 1914، 1918، 1924، 1935، 1941) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 238 إلى ابن المنذر.¥.
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك جميعَ المنافقِين، وعَنَى بقولِه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. اختلافَ سَريرتِه وعَلانيتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ أبي مَعْشَرٍ، قال: أخبرَني أبي أبو مَعْشَرٍ نَجيحٌ، قال: سَمِعْتُ سعيدًا المَقْبُرِيَّ يُذاكرُ محمدَ بنَ كعبٍ، فقال سعيدٌ: إن في بعضِ الكتبِ أن للَّهِ عبادًا ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقُلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ، لَبِسوا لِباسَ ¬في م: "للناس".¥ مُسُوكِ ¬المسوك، جمع المَسْك، وهو الجلد. اللسان (م س ك).¥ الضَّأنِ من اللِّينِ، يَجْتَرُّون الدنيا بالدينِ، قال اللَّهُ: أعليَّ يَجْتَرِئُون، وبي يَغْتَرُّون؟ وعِزَّتي لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ منهم حيرانَ. فقال محمدُ بنُ كعبٍ: هذا في كتابِ اللَّهِ. فقال سعيدٌ: وأين هو من كتابِ اللَّهِ؟ قال: قولُ اللَّهِ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}. فقال سعيدٌ: قد عرَفْتُ في مَن أُنزِلتْ هذه الآيةُ. فقال محمدُ بنُ كعبٍ: إن الآيةَ تَنزِلُ في الرجلِ، ثم تكونُ بعدَه عامّةً ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (361 - تفسير) - ومن طري
قه البيهقي في الشعب (6956) عن أبي معشر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 364 (1912) من طريق حمزة بن جميل الربذي، عن أبي معشر به مرفوعًا.¥.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني الليثُ بنُ سعدٍ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن القُرَظِيِّ، عن نَوْفٍ، وكان يقرأُ الكتبَ، قال: إني لأَجِدُ صفةَ ناسٍ من هذه الأُمّةِ في كتابِ اللَّهِ المنزَّلِ، قومٌ يحتالون الدنيا بالدينِ، ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ، يَلْبَسون ¬بعده في م: "للناس".¥ لباسَ مُسُوكِ الضّأنِ، وقلوبُهم قلوبُ الذئابِ، فعليَّ يَجْتَرِئون، وبي يَغْتَرُّون؟ حلَفْتُ بنفسي لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ فيها ¬في م: "فيهم".¥ حيرانَ. قال القُرَظِيُّ: تَدَبَّرْتُها في القرآنِ فإذا هم المنافقون، فوجَدْتُها: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 359 عن المصنف.¥ [الحج: 11].
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. قال: هو المنافقُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 81، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 364 (1916) عن الحسن به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ}. قال: علانيتُه في الدنيا، {وَيُشْهِدُ اللَّهَ} في الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 364 (1915) من طريق ابن أبي نجيح به.¥.
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}. قال: هذا عبدٌ كان حسنَ القولِ سيِّئَ العملِ، كان ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ يَأْتِي رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فيُحسِنُ له القولَ، {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 363 (1911) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. قال: يقولُ قولًا، في قلبِه غيرُه، واللَّهُ يعلَمُ ذلك.
قال أبو جعفرٍ: وفي قولِه: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} وجهان مِن القراءةِ؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. بمعنى أن المنافقَ الذي يُعْجِبُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قولُه، يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه أن قولَه موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمنٌ باللَّهِ ورسولِه، وهو كاذبٌ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} إلى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}: كان رجلٌ ¬سقط من: الأصل، ت 2، ت 3.¥ يَأتِي إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيقولُ: أَيْ رسولَ اللَّهِ، أَشهدُ أنك جئتَ بالحقِّ والصدقِ من عندِ اللَّهِ. قال: حتى يُعْجَبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقولِه، ثم يقولُ: أما واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، إن اللَّهَ ليَعلمُ أن ما في قلبي مثلُ ما نطَق به لساني. فذلك قولُه: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. قال: هؤلاء المنافقون. وقرَأ قولَ اللَّهِ: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}. حتى بلَغ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]. بما يَشْهَدُون أنك رسولي ¬ينظر تفسير ابن كثير 1/ 359.¥.
وقال السديُّ: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. يقولُ: اللَّهُ يَعلَمُ أني صادقٌ، أني أريدُ الإسلامَ.
حدَّثني بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عنه ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 364 (1917) من طريق عمرو به. وينظر ما تقدم في ص 572.¥.
وقال مجاهدٌ: ويُشهِدُ اللَّهَ في الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ.
حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عنه ¬تقدم تخريجه في ص 575.¥.
وقرأ ذلك آخرون: (وَيَشْهَدُ اللَّهُ على ما في قلبه). بمعنى: واللَّهُ يَشْهَدُ على الذي في قلبِه من النفاقِ، وأنه مُضْمِرٌ في قلبِه غيرَ الذي يُبدِيه بلسانِه، وعلى كذبِه في قيلِه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قلبه".¥. وهو قراءةُ ابنِ مُحَيْصِنٍ ¬قرأ بها أيضًا الحسن، ينظر إتحاف فضلاء البشر ص 94، وابن محيصن هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير. مات سنة ثلاث وعشرين ومائة بمكة، وقال القصاع وسبط الخياط: سنة اثنتين وعشرين. ينظر غاية النهاية 2/ 167.¥. وعلى ذلك المعنى تأوَّله ابنُ عباسٍ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه بذلك فيما مضى في حديثِ أبي كُريبٍ، عن يونسَ بنِ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ الذي ذكَرْناه آنفًا.
والذي نختارُ في ذلك من القراءةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قول القرأة".¥ قراءةُ مَن قرَأ: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. بمعنى: يَسْتشهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.

القولُ في تأويلِ قولِه: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)}.
والأَلَدُّ من الرجالِ: الشديدُ الخصومةِ، يقالُ في "فعَلْتَ" منه: قد لَدِدْتَ يا هذا ولم تكنْ أَلَدَّ، فأنت تَلَدُّ لَدَدًا ولَدادةً. فأما إذا غلَب مَن خاصمَه، فإنما يقالُ فيه: لدَدْتَ يا فلانُ فلانًا فأنتَ تلُدُّه لَدًّا، ومنه قولُ الشاعرِ ¬معاني القرآن للفراء 1/ 123 بتقديم الثاني على الأول، غير منسوبين، والبيت الثاني في اللسان (ل د د).¥:
ثُمَّ [ارْدِ بي وبهما] ¬في م، ت 1: "أردى وبهم"، وفي ت 2، ت 3: "أردى وبهما".¥ مَنْ تُرْدِي
نَلُدُّ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "تلد"، وفي معاني القرآن: "اللد"، وفي اللسان: "ألد".¥ أَقْرانَ الخُصُومِ اللُّدِّ
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه أنه ذو جِدالٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}. أي: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجعَك ¬تقدم مطولًا في ص 573.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}. يقولُ: شديدُ القسوةِ في معصيةِ اللَّهِ، جَدِلٌ بالباطلِ، إذا شيءتَ رأيتَه عالمَ اللسانِ، جاهلَ العملِ، يتكلَّمُ بالحكمةِ، ويعملُ بالخطيئةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 365 (1922) من طريق شيبان، عن قتادة بنحوه.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}. قال: جَدِلٌ بالباطلِ ¬تفسير عبد الرزاق ص 81.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك أنه غيرُ مستقيمِ الخصومةِ ولكنه مُعْوَجُّها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}. قال: ظالمٌ لا يَستقيمُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 365 (1921) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 239 إلى عبد بن حميد.¥.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: "الأَلَدُّ الخصامِ": الذي لا يستقيمُ على خصومةٍ ¬ذكره أبو حيان في البحر المحيط ص 114 بنحوه.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {أَلَدُّ الْخِصَامِ}: أَعْوَجُ الخصامِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 365 (1923) من طريق عمرو به.¥.
قال أبو جعفرٍ: وكلا هذين القولين متقارِبُ المعنى؛ لأنَّ الاعوجاجَ في الخصومةِ من الجدالِ واللَّدَدِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذبٌ في قولِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن الحسنِ، قال: "الأَلَدُّ الخِصامِ": الكاذبُ القولِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 365 (1920) من طريق عاصم، عن الحسن به.¥.
وهذا القولُ يَحتمِلُ أن يكونَ معناه معنى القولَيْن الأَوَّلَيْن، إن كان أراد به قائلُه أنه يُخاصِمُ بالباطلِ من القولِ والكذبِ منه؛ جدَلًا واعْوِجاجًا عن الحقِّ.
وأما الخِصامُ، فهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: خاصَمْتُ فلانًا خِصامًا ومُخاصمةً. وهذا خبرٌ من اللَّهِ تبارك وتعالى عن المنافقِ الذي أخبَر نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أنه يُعجِبُه - إذا تكلَّمَ - قيلُه ومَنْطِقُه، ويَسْتشهِدُ اللَّهَ على أنه مُحِقٌّ في قيلِه ذلك؛ بشدةِ خصمومتِه وجدلِه بالباطلِ والزُّورِ من القولِ.

تفاسير بلغات أخرى · 6