تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويل قولِه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}.
اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى الأمةِ في هذا الموضعِ، وفي الناسِ الذين وصَفهم اللَّهُ بأنهم كانوا أمَّةً واحدةً؛ فقال بعضُهم: هم الذين كانوا بينَ آدمَ ونوحٍ، وهم عَشَرةُ قرونٍ، كلُّهم كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاختلَفوا بعدَ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، [عن قتادةَ] ¬في م، ت 2: "بن منبه".¥، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان بينَ نوحٍ وآدمَ عشَرةُ قرونٍ، كلُّهم على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيينَ مُبَشِّرِين ومُنْذِرين. قال: وكذلك هي في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (كان الناسُ أُمةً واحدةً فاختَلفوا) ¬أخرجه الحاكم 2/ 546 من طريق محمد بن بشار به، وأخرجه البزار (2190 - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 376 (1983) من طريق همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 242 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}. قال: كانوا على الهُدَى جميعًا، فاخْتَلفوا، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}. فكان أولَ نبيٍّ بُعِثَ نوحٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 82، وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 376 (1985) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه أيضًا (1987) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.¥.
فتأويلُ الأُمةِ على هذا القولِ الذي ذَكرناه عن ابنِ عباسٍ، الدِّينُ، كما قال النابغةُ الذُّبْيانيُّ ¬ديوانه ص 51.¥:
حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طائِعُ
يعني ذا الدينِ. فكان تأويلُ الآيةِ على معنى قولِ هؤلاء: كان الناسُ أُمَّةً واحدةً مُجْتمِعةً على مِلةٍ واحدةٍ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ودينٍ واحدٍ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرين ومُنْذِرين.
وأصلُ الأُمَّةِ الجماعةُ تَجْتمِعُ على دينٍ واحدٍ، ثم يُكْتفَى بالخبرِ عن الأمةِ مِن الخبرِ عن ¬سقط من: الأصل.¥ الدينِ؛ لدَلالتِها عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48]. يُرادُ به أهلُ دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ. فوجَّه ابنُ عباسٍ في تَأويلِه قولَه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} إلى أن الناسَ كانوا أهلَ دينٍ واحدٍ حتى اختلَفوا.
وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: كان آدمُ على الحقِّ إمامًا لذُرِّيتِه، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين في ولدِه. ووَجَّهوا معنى الأُمةِ إلى الطاعةِ للَّهِ والدُّعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِه، من قولِ اللَّهِ - عز وجل -: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [النحل: 120]. يعني بقولِه: {أُمَّةً}: إمامًا في الخيرِ يُقْتدَى به، ويُتَّبعُ عليه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}. قال: آدمُ ¬تفسير مجاهد ص 231.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬تفسير سفيان ص 66، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 375 (1981)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 242 إلى وكيع وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}. قال: آدمُ. قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عشَرةُ أنبياءَ، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرِين ومُنذرِين، [يقالُ: فنشَر من آدمَ الناسَ، فبعَث فيهم النَّبِيِّينَ مُبشِّرِين ومنذرِين] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. قال مجاهدٌ: آدمُ أُمةٌ واحدةٌ.
وكأن مَن قال هذا القولَ اسْتَجاز تَسْمِيةَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بتسمية".¥ الواحدِ باسمِ الجماعةِ، لاجْتماعِ خِلالِ ¬في م: "أخلاق"، وفي ت 2: "خلاف".¥ الخيرِ التي ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الذي".¥ تكونُ في الجماعةِ المتفرقةِ في من سمَّاه بالأُمَّةِ. كما يقالُ: فلانٌ أمةٌ [وحدَه. بمعنى أنه] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "واحدة"¥ يَقومُ مَقامَ الأُمةِ. وقد يَجوزُ أن يكونَ سمَّاه بذلك؛ لأنه سَببٌ لاجْتماعِ الأشتاتِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الأسباب".¥ مِن الناسِ على ما دعاهم إليه من خِلالِ (3) الخيرِ، فلما كان آدمُ صلى اللَّهُ عليه سببًا لاجتماعِ مَن اجْتَمع على دينِه مِن ولدِه إلى حالِ اخْتِلافِهم، سمَّاه بذلك أُمةً.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كان الناسُ أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ، يومَ اسْتخرجَ ذُرِّيةَ آدمَ مِن صلبِه، فعرَضهم على آدمَ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}. وعن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: كانوا أمةً واحدةً، حيثُ عُرِضُوا على آدمَ، ففَطَرهم ¬في الأصل: "فطرهم".¥ اللَّهُ ¬زيادة من تفسير ابن أبي حاتم.¥ يومَئذٍ على الإسلامِ، وأقرُّوا له بالعُبودةِ، وكانوا أُمةً واحدةً مُسْلمِين كلَّهم ثم اخْتلَفوا مِن بعدِ آدمَ، فكان أُبيٌّ يقرَأُ: (كان الناسُ أمةً واحدةً فاختلَفوا فبعَث اللَّهُ النبيين مبشرين ومنذرين) إلى (فيما اختلفوا فيه) وأنّ اللَّهَ إنما بعَث الرسلَ، وأنزَل الكتبَ عندَ الاختلافِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 376 (1982، 1984) من طريق أبي جعفر به.¥.
حدّثني يونُسُ، قالَ: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}. قال: حينَ أخْرَجهم مِن ظهرِ آدمَ، لم يكونوا أُمَّةً واحدةً قَطُّ غيرَ ذلك اليومِ، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ}. قال: هذا حين تَفرَّقتِ الأُممُ ¬ينظر تفسير القرطبي 3/ 30، والبحر المحيط 2/ 135.¥.
وتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ نظيرُ تأويلِ ¬بعده في م: "قول".¥ مَن قال بقولِ ابنِ عباسٍ، أن الناسَ كانوا على دينٍ واحدٍ فيما بينَ آدمَ ونوحٍ. وقد بيَّنا معناه هنالك، إلا أن الوقتَ الذي كان الناسُ فيه أُمةً واحدةً مُخالفٌ الوقتَ الذي وَقَّتَه ابنُ عباسٍ.
وقال آخرون بخلافِ ذلك كلِّه، وقالوا: إنما معنى قولِه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}: [كان الناسُ أُمةً واحدةً على الكفرِ باللَّهِ] ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، وفي م: "على دين واحد".¥، فبَعث اللَّهُ النَّبِيين.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}. يقولُ: [كانوا كفارًا] ¬في م: "كان دينا واحدا".¥، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 365 عن العوفي، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 242 إلى المصنف وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس، وهو في تفسير ابن أبي حاتم 2/ 376 (1983) من طريق عكرمة، عن ابن عباس.¥.
وأوْلَى التأويلاتِ في هذه الآيةِ بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ - عز وجل - أخْبرَ عبادَه أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً}. يقولُ: دينًا واحدًا؛ على دينِ آدمَ، فاخْتَلفوا، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}.
وكان الدينُ الذي كانوا عليه دينَ الحقِّ، كما قال أُبيُّ بنُ كعبٍ.
وكما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هي في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (اخْتلَفوا [عنه): عن] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيه على".¥ الإسلامِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 243 إلى المصنف، وابن المنذر.¥.
قال أبو جعفر: فاختلَفوا في دينِهم، فبعَث اللَّهُ عندَ اختلافِهم في دينِهم النَّبِيينَ مُبشرينَ ومُنذرين، وأنزَل معهم الكتابَ ليحكُمَ بينَ الناسِ فيما اختلَفوا فيه، رحمةً منه جل ذِكْرُه بخلقِه واعتذارًا منه إليهم.
وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك الوقتُ الذي كانوا فيه أمةً واحدةً، مِن عهدِ آدمَ إلى عهدِ نوحٍ - عليهما السلامُ -، كما روَى ¬بعده في الأصل: "عن".¥ عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، وكما قاله قتادةُ. [وجائزٌ أن يكونَ عنَى اللَّهُ بالأمةِ آدمَ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك حينَ عرَض على آدمَ خلقَه. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك في وقتٍ غيرِ ذلك، ولا دَلالةَ من كتاب اللَّهِ ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ على أيِّ هذه الأوقاتِ كان ذلك. فغيرُ جائزٍ أن نقولَ ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "يقول".¥ فيه إلا ما قال اللَّهُ - عز وجل - فيه مِن أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً، فبعَث اللَّهُ فيهم - لمَّا اخْتلَفوا - الأنبياءَ والرسلَ. ولا يَضرُّنا الجهلُ بوقتِ ذلك، كما لا يَنفعُنا العلمُ به؛ إذ لم يَكُنِ العلمُ به للَّهِ طاعةً، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فإن دليلَ القرآنِ واضحٌ على أن الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا أُمةً واحدةً، إنما كانوا أُمةً واحدةً على الإيمانِ ودينِ الحقِّ دونَ الكفرِ باللَّهِ والشركِ به، وذلك أن اللَّهَ - جلّ وعزّ - قال في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها "يُونسُ": {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَا
خْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19]. فتَوعَّد جل ذكرُه على الاختلافِ لا على الاجتماعِ، ولا على كونِهم أمةً واحدةً، ولو كان اجتماعُهم قبلَ الاختلافِ كان على الكفرِ، ثم كان الاختلافُ ¬في الأصل: "اختلاف".¥ بعدَ ذلك، لم يَكُنْ إلا بانتقالِ بعضِهم إلى الإيمانِ، ولو كان ذلك كذلك، لكان الوَعدُ أوْلَى بحكمتِه جل ثناؤه في ذلك الحالِ مِن الوَعيدِ؛ لأنها حالُ إنابةِ بعضِهم إلى طاعتِه، ومُحالٌ أن يَتوعَّدَ في حالِ التوبةِ والإنابةِ، ويَتركَ ذلك في حالِ اجتماعِ الجميعِ على الكفرِ والشِّركِ.
وأما قولُه: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ}. فإنه يعني أنه أرسَل رسلًا يُبشِّرون مَن أطاع اللَّهَ بجزيلِ الثوابِ وكريمِ المآبِ.
ويعني بقولِه: {وَمُنْذِرِينَ}: ينذرون مَن عصَى اللَّهَ فكفَر به بشدةِ العقابِ، وسوءِ الحسابِ، والخُلودِ في النارِ، {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}. يعني بذلك: ليَحْكُمَ الكتابُ وهو التوراةُ بينَ الناسِ فيما اخْتلَف المُختلِفون فيه. فأضاف جل ثناؤُه الحُكْمَ إلى الكتابِ، وأنه الذي يَحكُمُ بينَ الناسِ دونَ النَّبِيين والمُرسلين، إذ كان مَن حكَم مِن النَّبِيين والمُرسلين بحُكمٍ ¬في الأصل: "يحكم".¥، إنما يَحكُمُ بما دلَّهم عليه الكتابُ الذي أنزَله اللَّهُ تبارك وتعالى، فكان الكتابُ بدَلالتهِ على ما دلَّ ¬بعده في م: "وصفه".¥ على صِحَّتِه من الحُكْمِ، حاكمًا بينَ الناسِ، وإن كان الذي يَفْصِلُ القضاءَ بينَهم به ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ غيرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ}: وما اخْتَلَف في الكتابِ الذي أنزَله وهو التوراةُ، {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ}، يعني بذلك اليهودَ مِن بني إسرائيلَ، وهم الذين أوتوا التوراةَ والعلمَ بها. والهاءُ في قولِه: {فِيهِ} ¬في م: "أوتوه".¥. عائدةٌ على الكتابِ الذي أنزلَه اللَّهُ، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}. يعني بذلك: مِن بعدِ ما جاءتهم حججُ اللَّهِ وأدلتُه أن الكتابَ الذي اخْتلَفوا فيه وفي أحكامِه مِن عندِ اللَّهِ، وأنه الحقُّ الذي لا يَسَعُهم الاختلافُ فيه، ولا العملُ بخلافِ ما فيه. فأخبر تعالى ذِكْرُه عن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ أنهم خالَفوا حكمَ ¬في م: "الكتاب".¥ التوراةِ، واخْتلَفوا فيه على علمٍ منهم بخطإٍ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ما يَأتُون، مُتَعمدِين الخلافَ على اللَّهِ فيما خالَفوه فيه مِن أمرِه و ¬سقط من: الأصل.¥ حكمِ كتابِه.
ثم أخْبَر جل ثناؤُه أن تَعمُّدَهم الخطيئةَ التي أتَوها ¬في م، ت 1، ت 3: "أنزلها".¥، ورُكوبَهم المعصيةَ التي رَكِبُوها مِن خِلافِهم أمرَه، إنما كان منهم بغيًا بينَهم.
والبغيُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: بَغَى فلانٌ على فلانٍ بغيًا. إذا طَغَى واعتدَى عليه فجاوز حدَّه، ومِن ذلك قيلَ للجُرحِ إذا [اشتدَّ وتورَّم: بغَى يبغِي بَغْيًا] ¬في م: "أمد".¥، وللبحرِ إذا كَثُرَ ماؤُه ففاضَ، وللسحابِ إذا وقَع بأرضٍ فأخْصَبت: بغَى. كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ، وهي زيادتُه وتجاوُزُه حدَّه. فمعنَى قولِه جل ثناؤُه: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}. مِن ذلك، يقولُ: لم يَكُنِ اختلافُ هؤلاءِ المُختلِفين مِن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ في كتابي الذي أنزَلتُه مع نبيٍّ عن جهلٍ منهم به، بل كان اختلافُهم فيه وخلافُ حُكمِه مِن بعدِ ما ثَبَت حجتُه عليهم بغيًا بينهم، طَلَبَ الرياسةِ مِن بعضِهم على بعضٍ، واستذلالًا مِن بعضِهم لبعضٍ.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثم رجَع إلى بني إسرائيلَ في قولِه: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ}. يقولُ: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلمَ، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}. يقولُ: بغيًا على الدنيا، وطَلَبَ مُلْكِها وزُخْرفِها وزينتِها، أيُّهم يكونُ له الملكُ والمَهابةُ في الناسِ، فبغَى بعضُهم على بعضٍ، [وضرَب] ¬في الأصل: "يضرب".¥ بعضُهم رقابَ بعضٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 377 (1990، 1991) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب.¥.
ثم اخْتلَف أهلُ العربيةِ في {مِنْ} التي في قولِه: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ما حكمُها ومعناها؟ وما المعنى [المستثْنى من] ¬في م: "المنتسق في".¥ قولِه: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}؟ فقال بعضُهم: المستثنى ¬سقط من: م.¥ مِن ذلك الذين ¬في م: "للذين".¥ أوتوا الكتابَ، وما بعدَه صلةٌ له. غيرَ أنه زعَم أن معنى الكلامِ: وما اخْتَلف فيه إلا الذين أُوتوه بغيًا بينهم مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ.
وقد أنكَر ذلك بعضُهم فقال: لا مَعْنَى لما قال هذا القائلُ، ولا لتَقْديمِ البَغْيِ قبلَ {مِنْ}؛ لأن {مِنْ} إن ¬في م: "إذا".¥ كان الجالِبُ لها البَغْيَ، فخطأٌ أن يتقدَّمَه ¬في م: "تتقدمه".¥؛ لأن البغيَ مَصْدرٌ، ولا تَتقدَّمُ صلةُ المَصدرِ عليه. وزعَم منكِرُ ذلك أن {الَّذِينَ} مُسْتَثْنًى، وأن {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}. مُسْتَثنًى، [وأن {بَغْيًا} مستثنًى، وأن كلَّ حرفٍ من ذلك مستثنًى باستثناءٍ غيرِ الاستثناءِ الآخرِ] ¬سقط من ت 1، ت 2، ت 3، وفي م: "باستثناء آخر".¥، وأن تأويلَ الكلامِ: وما اخْتَلَف فيه إلَّا الذين أُوتُوه، ما اخْتلَفوا فيه إلا بغيًا، ما اختلفوا فيه ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ إلا مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ. فكأنه كرَّر الكلامَ توكيدًا.
وهذا القولُ الثاني أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن القومَ لم يَخْتلِفوا إلا مِن بعدِ قيامِ الحجةِ عليهم ومجيءِ البيناتِ مِن عندِ اللَّهِ، وكذلك لم يختلِفوا إلا بغيًا. فذلك أشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)}.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: {فَهَدَى اللَّهُ}: فوفَّق اللَّهُ الذين آمنُوا - وهم أهلُ الإيمانِ باللَّهِ وبرسولِه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - المُصدِّقين به وبما جاء به أنه مِن عندِ اللَّهِ - لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه. وكان اختِلافُهم الذي خذَلهم اللَّهُ فيه، وهدَى له الذين آمنوا بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فوفَّقهم لإصابتهِ، الجُمُعةَ؛ ضَلُّوا عنها وقد فُرضَتْ عليهم كالذي فُرضَ علينا، فجعَلوها السبتَ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "نحن الآخِرُون السَّابِقون، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتِيناه مِن بعدِهم، وهذا ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "هو".¥ اليومُ الذي اخْتَلَفوا فيه، فهدانا اللَّهُ له، فلليهودِ غدًا، وللنصارَى بعدَ غدٍ".
حدَّثنا بذلك [ابنُ حُميدٍ] ¬في م: "أحمد بن حميد"، وفي ت 1: "حمد بن حميد".¥، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عياضِ بنِ
دينارٍ الليثي، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسمِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فذكَر الحديثَ ¬أخرجه الحميدي (954، 955)، وأحمد 12/ 260، 361 (7310، 7399)، والبخاريّ (238، 876، 2956، 6887، 7495)، ومسلم (855)، وأبو يعلى (7269)، والنسائي (1366)، وابن خزيمة (1720)، والبيهقي 3/ 170، 171 من طريق الأعرج وطاوس، عن أبى هريرة.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمرٌ، عن الأعْمَشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ}. قال: قال النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "نحن الآخِرون الأوَّلون يومَ القيامةِ، نحن أولُ الناسِ دُخولًا الجنةَ، بَيْدَ أنهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتيناه مِن بعدِهم، فهدانا اللهُ لما اخْتَلَفوا فيه مِن الحقِّ بإذنِه، فهذا اليومُ الذي هدانا اللهُ له، والناسُ لنا فيه تَبَعٌ، غدًا لليهودِ، وبعدَ غدٍ للنصارى" ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 82، ومن طريقه أحمد 13/ 135 (7706)، ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 377 (1992)، وأخرجه أحمد 12/ 363 (7401)، ومسلم (855) من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 242 إلى ابن المنذر.¥.
وكان مما اخْتلَفوا فيه أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ، وهو ما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}. للإسلامِ، واختلفوا في الصلاةِ، فمنهم مَن يُصَلِّى إلى المشرقِ، ومنهم مَن يُصلِّى إلى بيتِ المقدسِ، فهدانا اللهُ للقِبْلةِ. واخْتلَفوا في الصيامِ، فمنهم مَن يَصومُ بعضَ يومٍ، وبعضُهم بعضَ ليلةٍ، وهدانا اللهُ له. واخْتلَفوا في يومِ الجُمعةِ، فأخَذت اليهودُ السبتَ وأخَذت النصارَى الأحدَ، فهدانا اللَّهُ له. واخْتلَفوا في إبراهيمَ، فقالت اليهودُ: كان يهوديًّا. وقالت النصارى: كان نصرانيًّا.
فبَرَّأه اللهُ مِن ذلك، وجعَله حنيفًا مسلمًا، [فهدَى اللهُ أمةَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للحقِّ من ذلك، وقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] الذين يدَّعونه مِن أهلِ الشركِ. واخْتَلفوا في عيسى، فجعَلته اليهودُ لفِريةٍ، وجعلَته النصارى ربًّا، فهدانا اللهُ للحقِّ فيه. فهذا الذي قال اللهُ: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 378 (1994) من طريق يونس، عن ابن وهب عن ابن زيد، عن أبيه.¥.
قَال ¬سقط من: الأصل.¥: فكانت هدايةُ اللهِ جل ثناؤُه الذين آمنوا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به لِما اخْتَلف هؤلاء الأحزابُ مِن بني إسرائيلَ الذين أوتُوا الكتابَ فيه مِن الحقِّ بإِذنِه، أن وَفَّقهم لإصابةِ ما كان عليه مِن الحقِّ مَن كان قبلَ المُختلِفين الذين وصَف اللهُ صِفتَهم في هذه الآيةِ إذ كانوا أُمَّةً واحدةً، وذلك هو دينُ إبراهيمَ الحَنيفِ المسلمِ خليلِ الرحمنِ، فصاروا بذلك أُمةً واحدةً ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ وسطًا، كما وصفَهم به ربُّهم، ليكونوا شهداءَ على الناسِ.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}: فهداهم اللهُ عندَ الاختلافِ، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسلُ قبلَ الاختلافِ، أقاموا على الإخلاصِ لِلَّهِ وحدَه وعبادتِه لا شريكَ له، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، فأقاموا على الأمرِ الأولِ الذي كان قبلَ الاختلافِ، واعْتَزلوا الاختلافَ وكانوا شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ؛ كانوا شهداءَ على قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ صالحٍ، وقومِ شعيبٍ، وآلِ فرعونَ، أن رُسُلَهم قد بَلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلَهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 365 عن الربيع، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 378 (1993) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبى.¥. وهي في ¬زيادة من: م.¥ قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ: [وليكونوا] ¬في م: "لتكونوا".¥ شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ واللهُ يَهْدِى مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ). فكان أبو العاليةِ يقولُ: في هذه الآيةِ المَخْرجُ مِن الشُّبُهاتِ والضلالاتِ والفتنِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 378 (1995) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.
¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}. يقولُ: اختَلف الكفارُ فيه، فهدَى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مِن ذلك. وهي في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فهدَى اللهُ الذين آمنوا لِما اختلَفوا [عنه): عنْ] ¬في م: "فيه على"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "فيه عن".¥ الإسلامِ ¬ينظر ما تقدم في ص 611.¥.
وأما قولُه: {بِإِذْنِهِ}. فإنه يعنى جل ثناؤه: بعلمِه [بهم لِما] ¬في م، ت 1: "بما".¥ هداهم له.
وقد بيَّنَّا معنى الإذنِ إذا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إذ".¥ كان بمعنى العلمِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغنى عن إعادتِه ههنا ¬ينظر ما تقدم في 2/ 360.¥.
وأما قولُه: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. فإنه يعنى به: واللهُ يُسَدِّدُ مَن يَشاءُ مِن خلقِه، فيُرشدُه إلى الطريقِ القويمِ، على الحقِّ الذي لا اعوجاجَ فيه، كما هدَى الذين آمنوا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه بغيًا بينَهم، فسدَّدهم لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيه.
وفى هذه الآيةِ البيانُ الواضحُ على صحةِ ما قاله أهلُ الحقِّ مِن أن كلَّ نعمةٍ على العبادِ في دينِهم أو دنياهم، فمِن اللهِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}. أهداهم للحقِّ أم هداهم للاختلافِ؟ فإن كان هداهم للاختلافِ فإنما أضلَّهم، وإن كان هداهم للحقِّ فكيف قيلَ: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}؟
قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذي ذهَبْتَ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيما".¥ اختلف فيه مِن كتابِ اللهِ الذين أُوتوه، فكفَر بتَبْديلِه بعضُهم، وثبَت على الحقِّ والصوابِ فيه بعضُهم، وهم أهلُ التوراةِ الذين بدَّلوها، فهدَى اللهُ للحقِّ مما بدَّلوا وحرَّفوا الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قال أبو جعفرٍ: فإن أشْكَل ما قُلْنا على ذي غَفْلةٍ، فقال: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ذلك كما قُلْتَ، و {مِنَ} إنما هي في كتابِ اللهِ في {الْحَقِّ}، واللامُ في قولِه: {لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}، وأنت مُحوِّلٌ اللامَ في {الْحَقِّ}، و {مِنَ} في "الاختلافِ"، في التأويلِ الذي تَتأولُه فتجعلُه مقلوبًا؟
قيل: ذلك في كلامِ العربِ موجودٌ مُسْتَفيضٌ، واللهُ تبارك وتعالى إنما خاطَبهم بمَنْطقِهم، فمِن ذلك قولُ الشاعر ¬تقدم في ص 48.¥:
كانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كما ... كانَ الزِّناءُ فَرِيضةَ الرَّجمِ
وإنما الرجمُ فريضةُ الزِّناء، وكما قال الآخرُ ¬في الأصل: "الراجز". وتقدم البيت في ص 48.¥:
إنَّ سِرَاجًا لكرِيمٌ مَفْخَرُهْ ... تَحْلَى ¬في الأصل: "تجلا"¥ به العَينُ إذا ما تجْهَرُهْ
وإنما السِّراجُ الذي يَحْلَى ¬في م: "بسراج".¥ بالعين، لا العينُ بالسراجِ ¬في: "كلها".¥.
وقد قال بعضُهم: إن معنى قولِه: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ} أن أهلَ الكتبِ الأولِ اختلَفوا، فكفَر بعضُهم بكتابِ بعضٍ، وهي كلٌّ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "كأنه".¥ مِن عندِ اللهِ، فهدَى اللهُ أهلَ الإيمانِ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للتصديقِ بجميعِها. وذلك قولٌ، غيرَ أن الأولَ أصحُّ القولين؛ لأن اللهَ إنما أخبَر باختلافِهم في كتابٍ واحدٍ.