تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}.
وفى معنى "اللَّغْوِ"؛ فقال بعضُهم في معناه: لا يُؤَاخِذُكمُ اللهُ بما سبَقَتْكم به ألسنتُكم مِن الأيمانِ على عَجَلةٍ وسُرْعةٍ، فيُوجِبَ عليكم به كَفَّارةً إذا لم تَقْصِدوا الحَلِفَ واليَمينَ. وذلك كقولِ القائلِ: فعَلْتُ هذا واللهِ. أو: أفْعَلُه واللهِ. أو: لا أفْعَلُه واللهِ. على سُبوقِ المتكلمِ بذلك لسانُه بما وصَل به كلامَه مِن اليمين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قال: هى: بلى واللهِ، ولا واللهِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (783 - تفسير)، والبيهقي 10/ 49 من طريق عتاب به، عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزهريّ، عن القاسمِ، عن عائشةَ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 392 عن المصنف.¥.
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ ¬كذا في م من غير ذكر ابن إسحاق، وكذا ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 392 عن المصنف، وفي نسخة من ابن كثير: عن إسحاق. بدلا من: عن سلمة. وتقدمت رواية ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح 1/ 548.¥، عن ابنِ أبي نجيح، عن عطاءٍ، عن عائشةَ نحوَه] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409 (2155) من طريق عطاء به.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن [ابنِ إسحاقَ] ¬في ص: "أبي نجيح"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "أبى إسحاق".¥، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: سألْتُ عائشةَ عن لَغْوِ اليمين، قالت: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ما يَتَراجَعُ به الناسُ ¬أخرجه مالك 2/ 477، والشافعى (2/ 147 - شفاء العى)، وسعيد بن منصور في سننه (781 - تفسير)، والبخاريّ (6663)، والنسائي في الكبرى (11149)، والبيهقي 10/ 48 من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ وعَبْدةُ وأبو معاويةَ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ في قولِ اللَّهِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 408 (2152) من طريق عبدة به.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ بها كلامَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: دخَلْتُ مع عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ على عائشةَ، فقال لها: يا أمَّ المؤمنين، قولُه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}؟ قالت: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ليس مما عقَّدْتُم الأيمانَ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (780 - تفسير) من طريق عبد الملك به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ أبى ليلى، عن عطاءٍ، قال: أتَيْتُ عائشةَ مع عُبَيدِ بنِ عُميرٍ، فسألها عُبَيدٌ عن قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. فقالت عائشةُ: هو قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ما لم يَعْقِدْ عليه قلبَه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: انْطَلَقْتُ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "كنت أنطلق".¥ مع عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ إلى عائشةَ، وهي مُجاورةٌ في ثَبِيرٍ ¬ثبير: جبل بين مكة ومنى. معجم البلدان 1/ 917.¥، فسألها عُبَيدٌ عن لَغْوِ اليَمينِ، فقالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15951)، والشافعى 2/ 147 (شفاء العى)، والبيهقي 10/ 49 عن ابن جريج به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ موسى الحَرَشىُّ ¬في م: "الحرسى". وينظر تهذيب الكمال 26/ 532.¥، قال: ثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ الكِرْمانىُّ، قال: ثنا إبراهيمُ الصائغُ، عن عطاءٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: قالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "هو قولُ الرجلِ في بيتِه: كلَّا واللهِ، وبلى واللهِ" ¬أخرجه أبو داود (3254)، وابن حبان (4333)، والبيهقي 10/ 49 من طريق حسان بن إبراهيم به، وأخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعى- 1/ 419 من طريق أشرس بن بزيغ، عن إبراهيم الصائغ به، قال الحافظ في التلخيص 4/ 167: وصحح الدارقطني الوقف.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزهريّ، عن عروةَ، عن عائشةَ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قالت: هم القومُ يتدارءون في الأمرِ، فيقولُ هذا: لا واللهِ، وبلى واللهِ، وكلا واللهِ. يتدارءون في الأمرِ لا تُعْقَدُ عليه قلوبُهم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 90، وفي مصنفه (15952).¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشَّعبىِّ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: قولُ الرجل: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ به كلامَه، ليس فيه كَفَّارةٌ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (779 - تفسير) من طريق مغيرة به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا المُغيرةُ، عن الشعبىِّ، قال: هو الرجلُ يقولُ: لا واللهِ. وبلى واللهِ. يَصِلُ حديثَه.
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، قال: سأَلْتُ عامرًا عن قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، جَميعًا عن ابن عَوْنٍ، عن الشعبىِّ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، قال: قال أبو قِلابةَ فى: لا واللهِ، وبلى واللهِ: أرْجُو أن يَكونَ لُغةً ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى عبد بن حميد.¥. وقال يعقوبُ في حديثهِ: أرْجُو أن يَكونَ لَغْوًا. وقال ابنُ وَكيعٍ في حديثهِ: أرْجُو أن يَكونَ لُغةً. ولم يَشُكَّ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكيعٍ وهَنَّادٌ، قالوا: ثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ، قال: لا واللهِ، وبلى واللهِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 408 عقب الأثر (2153) معلقًا.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مالكٍ، عن عَطاءٍ، قال: سمِعْتُ عائشةَ تقولُ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
[حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن عطاءٍ مثلَه] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصمٍ الأحْولِ، عن عكرمةَ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو قولُ الناسِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 408 عقب الأثر (2153) عن معلقًا.¥.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ وعكرمةَ، قالا: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرٍو، عن عَطاءٍ، قال: دخَلْتُ مع عُبَيدِ بنِ عُميرٍ على عائشةَ، فسألها، فقالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ ¬أخرجه الشافعى 2/ 147 (شفاء العى) ومن طريقه البيهقي 10/ 49 - عن ابن عيينة به.¥.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن ابنِ أبى ليلى وأشْعَثَ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}، قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبِى وجَريرٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
حدّثنا ابنُ وَكيعٍ وهَنَّادٌ، قالا: ثنا يَعْلَى، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قالت عائشةُ في قولِ اللهِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قالت: هو قولُك: لا واللهِ، وبلى واللهِ، ليس لها عَقْدُ الأيمانِ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال. ثنا أبو الأحْوَصِ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: اللَّغْوُ قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ به كلامَه ما لم يكُ ¬في م: "يشك".¥ شيئًا يَعْقِدُ عليه قلبَه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني عمرٌو، أن سعيدَ بنَ أبى هِلالٍ حدَّثه، أنه سمِع عطاءَ بنَ أبى رَباحٍ يقولُ: سمِعْتُ عائشةَ تقولُ: لَغْوُ اليَمينِ قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. فيما لم يَعْقِدْ عليه قلبَه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عمرٌو: وحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى حُسينٍ النَّوفلىُّ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ بذلك.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: الرجلان يَتَبايَعان، فيقولُ أحدُهما: واللهِ لا أبيعُك بكذا وكذا. ويقولُ الآخرُ؛ واللهِ لا أشْتَرِيه بكذا وكذا. فهذا اللغوُ لا يُؤَاخَذُ به ¬ذكره القرطبى في تفسيره 3/ 100 عن مجاهد.¥.
وقال آخَرون: بل اللغوُ في اليمينِ: اليمينُ التي يَحْلِفُ بها الحالفُ، وهو يَرَى أنه كما يَحْلِفُ عليه، ثم تَبَيَّن غيرُ ذلك، وأنه بخلافِ الذي حلَف عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَني ابنُ نافعٍ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، عن أبى هريرةَ أنه كان يقولُ: لغوُ اليمينِ حَلِفُ الإنسانِ على الشيء يَظُنُّ أنه الذي حلَف عليه، فإذا هو غيرُ ذلك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى المصنف.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}: واللغوُ أن يَحْلِفَ الرجلُ على الشيء يَراه حقًّا وليس بحقٍّ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}: هذا في الرجلِ يَحْلِفُ على أمْرِ إضْرارٍ ¬في ص: "إصرار".¥ أن يَفْعَلَه فلا يَفْعَلُه، فيَرَى الذي هو خيرٌ منه، فأمَر ¬في م، ت 1: "فأمره".¥ اللهُ أن يُكفِّرَ عن يمينِه ويَأْتىَ الذي هو خيرٌ، ومِن اللغوِ أيضًا أن يَحْلِفَ الرجلُ على أمرٍ لا يَأْلُو فيه الصدقَ، وقد أخْطَأ في يمينِه؛ فهذا الذي عليه الكفارةُ، ولا إثمَ عليه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى المصنف، وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا [أبو داودَ] ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "داود".¥، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: خطأٌ غيرُ عمدٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 أبى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو أن تَحْلِفَ على الشيء وأنت يُخَيَّلُ إليك أنه كما حلَفْتَ، وليس كذلك، فلا يُؤَاخِذُه اللهُ ولا كفارةَ، ولكنَّ المُؤَاخَذةَ والكفارةَ فيما حلَف عليه على علمٍ ¬أخرجه البيهقي 10/ 50 من طريق عوف به.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا وَكيعٌ، عن الفضلِ بنِ دَلْهَمٍ، عن الحسنِ، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ لا يَرَى إلا أنه كما حلَف.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ يَرَى أنها كذلك، وليست كذلك.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشيء وهو يَرَى أنه كذلك، فلا يَكونُ كما قال، فلا كفارةَ عليه.
حدَّثنا هَنَّادٌ وأبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكيعٍ، قالوا: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا الثَّورىُّ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمين لا يَرَى إلا أنها كما حلَف عليه، وليست كذلك ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 91، وفي مصنفه (15953)، وأخرجه البيهقي 10/ 50 من طريق الثورى به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيح في قولِ اللهِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: مَن حلَف باللهِ ولا يَعْلَمُ إلا أنه صادقٌ فيما حلَف.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}: حَلِفُ الرجلِ على الشيء وهو لا يَعْلَمُ إلا أنه على ما حلَف عليه فلا يَكونُ كما حلَف؛ كقولِه: إن هذا البيتَ لفلانٍ. وليس له، وإن هذا الثوبَ لفلانٍ. وليس له ¬تفسير مجاهد ص 235.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشيء يَرَى أنه فيه صادقٌ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (777 - تفسير) من طريق مغيرة به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يَحْلفُ على الأمرِ يَرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكونُ كذلك، قال: فلا يُؤاخَذُ بذلك. قال: وكان يُحِبُّ ¬في ت 2: "يجب".¥ أن يُكَفِّرَ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 91، وفي مصنفه (15955) - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409، 4/ 1190 (2158، 6707) - وسعيد بن منصور في سننه (775 - تفسير) عن هشيم به.¥.
حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقىُّ، قال: ثنا الجُعْفىُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: قال إبراهيمُ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: أن يَحْلِفَ على الشيء وهو يَرَى أنه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فذلك اللغوُ لا يُؤاخَذُ به.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ نحوَه، إلا أنه قال: إن حلَفْتَ على الشيء وأنت تَرَى أنك صادقٌ، وليس كذلك.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ ¬في م: "أبو".¥ إدْريسَ، قال: أخْبَرَنا حُصَينٌ، عن أبى مالكٍ أنه قال: اللغوُ: الرجلُ يَحْلِفُ على الأيمانِ وهو يَرَى أنه كما حلَف ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (778 - تفسير) من طريق حصين به.¥.
حدَّثني إسحاقُ ابنُ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشيرٍ، عن خُصيفٍ، عن زِيادٍ، قال: هو الذي يَحْلِفُ على اليمين يَرَى أنه فيها صادقٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضْرمىُّ، قال: ثنا بُكَيْرُ ابن أبي السَّمِيطِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "السمط". وينظر تهذيب الكمال 4/ 236.¥، عن قتادةَ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الخطأُ غيرُ العمدِ؛ الرجلُ يَحْلِفُ على الشيء يَرَى أنه كذلك، وليس كذلك ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 91، وفي مصنفه (15956) عن معمر عن قتادة.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ ويونس، عن الحسنِ، قال: اللغوُ: الرجلُ يَحْلِفُ على الشيء يَرَى أنه كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ.
حدَّثنا هَنَّادٌ وابنُ وكيعٍ، قال هَنَّادٌ: حدَّثنا وَكيعٌ، وقال ابنُ وَكيعٍ: حدَّثني أبى، عن عِمْرانَ بنِ حُدَيْرٍ قال: سمِعْتُ زُرارةَ بنَ أوْفَى، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ لا يَرَى إلا ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أنها كما حلَف ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409 عقب الأثر (2154) معلقًا.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ بَشيرٍ، قال: سُئِل عامرٌ عن هذه الآيةِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}؟ قال: اللغوُ: أن يَحْلِفَ الرجلُ لا يَألُو عن الحقِّ، فيكونَ غيرَ ذلك، فذلك اللغوُ الذي لا يُؤاخَذُ به.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}: فاللغوُ: اليمينُ الخطأُ غيرُ العمدِ؛ أن تَحْلِفَ على الشيء وأنت تَرَى أنه كما حلَفْتَ عليه ثم لا يَكونُ كذلك، فهذا لا كفارةَ عليه ولا مَأْثَمَ فيه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}: أما اللغوُ: فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمين وهو يَرَى أنها كذلك، فلا تَكونُ كذلك، فليس عليه كفارةٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409 عقب الأثر (2154) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: اللغوُ: اليمينُ الخطأُ في غيرِ عمدٍ؛ أن يَحْلِفَ على الشيء وهو يَرَى أنه كما حلَف عليه، وهذا ما ليس عليه فيه كفارةٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409 عقب الأثر (2154) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ، قال: أما اليمينُ التي لا يُؤاخَذُ بها صاحبُها، فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ وهو يَرَى أنه فيها صادقٌ، فذلك اللغوُ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حُصَينٌ، عن أبى مالكٍ مثلَه، إلا أنه قال: الرجلُ يَحْلِفُ على الأمرِ يَرَى أنه كما حلَف عليه فلا يَكونُ كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وهو اللغوُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (784 - تفسير) عن هشيم به مطولًا.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني معاويةُ بن صالحٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، [وعن] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ابنِ ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ أبى طلحةَ -كذا قال [ابنُ أبى جعفرٍ] ¬كذا في النسخ.¥ - قالا: مَن قال: واللهِ لقد فعَلْتُ كذا وكذا. وهو يَظُنُّ أن قد فعَلَه، ثم تبَيَّن له أنه لم يَفْعَلْه، فهذا لغوُ اليمينِ وليس عليه فيه كفارةٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن الحسنِ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الخطأُ غيرُ العمدِ، كقولِ الرجلِ: واللهِ إن هذا لكذا وكذا. وهو يَرَى أنه صادقٌ، ولا يَكونُ كذلك. قال مَعْمَرٌ: وقاله قتادةُ أيضًا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 91، وفي مصنفه (15956).¥.
حدَّثني ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا عمرٌو، قال: سُئِل سعيدٌ عن اللغوِ في اليمينِ، قال سعيدٌ: قال ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "وقال".¥ مكحولٌ: الخطأُ غيرُ العمدِ، ولكنَّ الكفارةَ فيما عقَدَت قلوبُكم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409 عقب الأثر (2154) معلقًا.¥.
حدَّثني ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا عمرٌو، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، أنه قال: اللغوُ الذي لا يُؤاخِذُ اللهُ به أن يَحْلِفَ الرجلُ على الشيء الذي يَظُنُّ أنه فيه صادقٌ، فإذا هو فيه غيرُ ذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وقد عفا اللهُ عنه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: إذا حلَف على اليمينِ وهو يَرَى أنه فيه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يُؤاخَذُ به، وإذا حلَف على اليمين وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذلك الذي يُؤاخَذُ به.
وقال آخَرون: بلِ اللغوُ مِن الأيْمانِ التي يَحْلِفُ بها صاحبُها في حالِ الغضبِ على غيرِ عقدِ قلبٍ ولا عزمٍ، ولكن وُصْلةً للكلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيعٌ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن خالدٍ، عن عطاءٍ، عن وَسيمٍ ¬في م: "رستم". وينظر التاريخ الكبير 8/ 181.¥، عن ابنِ عباسٍ، قال: لغوُ اليمين أن تَحْلِفَ وأنت غَضْبانُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (782 - تفسير) -ومن طريقه البيهقي 10/ 49 - عن خالد، عن عطاء، عن وسيم عن طاوس، عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 410، 4/ 1191 (2161، 6710) من طريق خالد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءٍ، عن طاوسٍ، قال: كلُّ يمينٍ حلَف عليها رجلٌ وهو غَضْبانُ، فلا كفارةَ عليه فيها؛ قولُه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} ¬ينظر تفسير البغوى 1/ 263.¥.
وعلةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثني به أحمدُ بنُ منصورٍ المَرْوَزىُّ، قال: ثنا عمرُ ابنُ يونُسَ اليَمامىُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أبى سليمانَ الزُّهْرىُّ، عن يحيى بنِ أبى كَثيرٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يَمينَ في غضبٍ" ¬أخرجه الطبراني في الأوسط (2029) من طريق أحمد بن منصور، عن عمر بن يونس، عن سليمان، عن يحيى، عن الزهرى، عن عكرمة، عن ابن عباس، وضعفه الحافظ في الفتح 11/ 565.¥.
وقال آخَرون: بل اللغوُ في اليمينِ الحلفُ على فعلِ ما نهَى اللهُ عنه، وتَرْكِ ما أمَر اللهُ بفعلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو الذي يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يَفِى، ويُكَفِّرُ يمينَه؛ قولُه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبي الشَّوارِبِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لغوُ اليمينِ أن يَحْلِفَ الرجلُ على المعصيةِ للهِ، لا يُؤاخِذُه اللهُ بإلغائها ¬في النسخ: "بإيفائها". والمثبت ما تقضتيه الآثار.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ بنحوِه، وزاد فيه، قال: وعليه كفارتُه ¬في م: "كفارة".¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنى عبدُ الأعْلَى ويزيدُ بنُ هارونَ، عن داودَ، عن سعيدٍ بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ أن يُكَفِّرَ عن يمينِه ويأتىَ الذي هو خيرٌ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في هذه الآيةِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}، قال: الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409 (2156) من طريق شعبة به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ، قال: ثنا إسحاقُ، عن عيسى ابنِ بنتِ داودَ بنِ أبى هندٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ إلْياسَ، عن أمِّ أبيه، أنها حلَفَت ألا تُكَلِّمَ ابنةَ ابنِها ابنةَ أبى الجَهْمِ، فأتَت سعيدَ بنَ المسيبِ وأبا بكرٍ وعروةَ بنَ الزبيرِ، فقالوا: لا يمينَ في معصيةٍ، ولا كفارةَ عليها.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها إن ترَكها. قلتُ: فكيف يَصْنَعُ؟ قال: يُكَفِّرُ عن يمينِه ويَتْرُكُ المعصيةَ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (776 - تفسير)، عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409 (2157) من طريق هشيم، عن أبى بشر وداود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى وكيع.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشير، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الحرامِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 91، وأخرجه في مصنفه (15954) عن هشيم به.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال في لغوِ اليمينِ، قال: هي اليمينُ في المعصيةِ. قال: أو لا تَقْرَأُ فتَفْهَمَ، قال اللهُ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89]؟ قال: فلا يُؤاخِذُه بالإلغاءِ ¬في النسخ: "بالإيفاء".¥، ولكن يُؤاخِذُه بالتَّمامِ عليها. قال: وقال: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ}، إلى قولِه: {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن هُشَيْمٍ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها، ويُكَفِّرُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ، عن مسروقٍ في الرجلِ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فقال: أيُكَفِّرُ خُطواتِ الشيطانِ؟ ليس عليه كفارةٌ ¬ذكره البغوى في تفسيره 1/ 263، وأخرجه ابن حزم 8/ 401 من طريق عاصم عن الشعبى من قوله.¥.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن داودَ، عن الشعبىِّ في الرجلِ يَحْلِفُ على المعصيةِ، قال: كفارتُها أن يَتُوبَ منها ¬ذكره البغوى في تفسيره 1/ 263.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن الشعبىِّ أنه كان يقولُ: يَتْرُكُ المعصيةَ ولا يُكَفِّرُ، ولو أمَرْتُه بالكفارةِ لأمَرْتُه أن يُتِمَّ على قولِه ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (373 - تفسير) عن هشيم به.¥.
حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطيّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ قال: كلُّ يمينٍ لا يَحِلُّ لك أن تَفِىَ بها فليس فيها كفارةٌ.
وعلةُ مَن قال هذا القولَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الوليدِ بنِ كثيرٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "مَن نذَر فيما لا يَمْلِكُ فلا نَذْرَ له، ومَن حلَف على معصيةِ اللهِ فلا يَمينَ له، ومَن حلَف على قَطيعةِ رَحِمٍ فلا يَمينَ له" ¬أخرجه أبو داود (2191) عن أبى كريب به، وأخرجه الدارقطني 4/ 15، والحاكم 4/ 300، وابن حزم 8/ 401، والبيهقي 10/ 33 من طريق أبي أسامة به، وأخرجه أحمد 2/ 185 (6732) من طريق عبد الرحمن بن الحارث به، وينظر مسند الطيالسيّ (2373، 2379 - طبعتنا).¥.
حدَّثني علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن حارثةَ بنِ محمدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَن حلَف على يمين قطيعةِ رَحِمٍ أو معصيةٍ للهِ فبِرُّه أن يَحْنَث بها ويَرْجِعَ عن يمينِه" ¬أخرجه ابن ماجه (2110) من طريق حارثة به، وضعفه ابن كثير في تفسيره 1/ 391، والبوصيرى في مصباح الزجاجة 2/ 146.¥.
وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ كلُّ يمينٍ وصَل بها الرجلُ كلامَه على غيرِ قصدٍ منه إيجابَها على نفسِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، قال: لغوُ اليمين أن يَصِلَ الرجلُ كلامَه بالحلفِ؛ واللهِ لَيَأْكُلَنَّ، واللهِ لَيَشْرَبَنَّ، ونحوُ هذا، لا يَتَعَمَّدُ به اليمينَ ولا يُريدُ به حلِفًا، ليس عليه كفارةٌ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائىِّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: لغوُ اليمينِ ما يَصِلُ به كلامَه؛ واللهِ لَتَأْكُلَنَّ، واللهِ لَتَشْرَبَنَّ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هما الرجلان يَتَساوَمان بالشيء، فيقولُ أحدُهما: واللهِ لا أَشْتَرِيه منك بكذا. ويقولُ الآخرُ: واللهِ لا أَبِيعُك بكذا وكذا ¬تقدم تخريجه في ص 19.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أن عروةَ حدَّثه أن عائشةَ زوجَ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالت: أيْمانُ اللغوِ ما كان في الهَزْلِ والمِراءِ والخُصومةِ والحديثِ الذي لا يَعْتَمِدُ ¬كذا في النسخ، وفي مصادر التخريج: "يعقد".¥ عليه القلبُ ¬أخرجه ابن وهب في جامعه -كما في الفتح 11/ 548 - عن يونس به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15952)، وابن أبى عاصم -كما في الفتح- من طريق معمر والزبيرى، عن الزهرى به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 408 (2153) من طريق أبي الأسود عن عروة به.¥.
وعلةُ مَن قال هذا القولَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ موسى الحرشىُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ ميمونٍ المُرادىُّ، قال: ثنا عَوْفٌ الأعْرابىُّ، عن الحسنِ بن أبي الحسنِ، قال: مرَّ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقومٍ يَنْتَضِلون -يعنى: يَرْمُون- ومع النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رجلٌ مِن أصحابِه، فرمَى رجلٌ مِن القومِ، فقال: أصَبْتُ واللهِ، وأخْطَأْتَ. فقال الذي مع النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: حنِث الرجلُ يا رسولَ اللهِ. قال: "كلَّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ، لا كَفارةَ فيها ولا عُقوبةَ" ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 392 عن المصنف، وقال الحافظ في الفتح 11/ 547: وهذا لا يثبت؛ لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد. وأخرجه الطبراني في الصغير 2/ 136، وفي كتاب الرمى -كما في لسان الميزان 6/ 330 - من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وقال الحافظ عن يوسف بن يعقوب بن عبد العزيز -شيخ الطبراني-: لا أعرف حاله، أتى بخبر باطل بإسناد لا بأس به.¥.
وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيْمانِ ما كان مِن يمينٍ بمعنى الدعاءِ مِن الحالفِ على نفسِه إن لم يَفْعَلْ كذا وكذا، أو بمعنى الشركِ والكفرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ المِصْريُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَرْزوقٍ، عن يحيى بنِ أيوبَ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ في قولِ اللهِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو كقولِ الرجلِ: أعْمَى اللهُ بصَرِي إن لم أَفْعَلْ كذا وكذا، أخْرَجَني اللهُ مِن مالى إن لم آتِك غدًا -فهو هذا- ولا يَتْرُكُ اللهُ له مالًا ولا ولدًا. يقولُ: لو يُؤاخِذُكم اللهُ بهذا لم يَتْرُكْ لكم شيئًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409، 411 (2159، 2166) من طريق يحيى بن أيوب به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: ثنى يحيى ابنُ أيوبَ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ بمثلِه ¬¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنى يحيى بن أيوبَ، أن زيدَ بنَ أسلمَ كان يقولُ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}: مثلُ قولِ الرجلِ: هو كافرٌ، وهو مشركٌ. قال: لا يُؤاخِذُه حتى يَكونَ ذلك مِن قلبِه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: اللغوُ في هذا: الحلفُ باللهِ ما كان بالألسُنِ، فجعَله لغوًا، وهو أن يقولَ: هو كافرٌ باللهِ، وهو إذَنْ يُشْرِكُ باللهِ، وهو يَدْعُو مع اللهِ إلهًا. فهذا اللغوُ الذي قال اللهُ في سورةِ "البقرةِ".
وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ ما كانت فيه كفارةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}: فهذا في الرجلِ يَحْلِفُ على أمرِ إضْرارٍ أن يَفْعَلَه فلا يَفْعَلَه، فيَرَى الذي هو خيرٌ منه، فأمَرَه اللهُ أن يُكَفِّرَ يمينَه ويَأْتِيَ الذي هو خيرٌ ¬تقدم تخريجه في ص 20.¥.
حدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: اليمينُ المُكَفَّرَةُ.
وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ هو ما حنِثَ فيه الحالفُ ناسيًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَني مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشيء ثم يَنْساه ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "ينسى".¥. يعنى في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 91، وفي مصنفه (15955)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 409 (2158) عن الحسن بن يحيى به.¥.
قال أبو جعفرٍ: واللغوُ مِن الكلامِ في كلامِ العربِ كلُّ كلامٍ كان مَذْمومًا، وفعلًا لا معنى له مَهْجورًا. يقالُ منه: لغَا فلانٌ في كلامِه يَلْغُو لَغْوًا. إذا قال قَبيحًا مِن الكلامِ، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} [القصص: 55]. وقولُه: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].
ومَسْموعٌ مِن العربِ: لغَيْتُ باسمِ فلانٍ. بمعنى: أُولِعْتُ بذكرِه بالقبيح. فمن قال: لغَيْتُ. قال: ألْغَى لَغًا. وهي لغةٌ لبعضِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ ¬تقدم تخريجه في 3/ 296.¥:
ورَبِّ أَسرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ
عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ
فإذ كان اللغوُ ما وصَفْتُ، وكان الحالفُ باللهِ: ما فعَلْتُ كذا. وقد فعَل، ولقد فعَلْتُ كذا. وما فعَل، واصِلًا بذلك كلامَه على سبيلِ سُبوقِ لسانِه مِن غيرِ تعمُّدِ إثْمٍ في يمينِه، ولكن لعادةٍ قد جرَت له عندَ عَجَلةِ الكلامِ، والقائلُ: واللهِ إن هذا لَفلانٌ. وهو يراه كما قال، أو: واللهِ ما هذا فلانًا. وهو يَراه ليس به، والقائلُ: ليَفْعَلَنَّ كذا واللهِ. أو: لا يَفْعَلُ كذا واللهِ. على سبيلِ ما وصَفْنا مِن عَجَلةِ الكلامِ وسُبوقِ اللسانِ للعادةِ، على غيرِ تعمُّدِ حَلِفٍ على باطلٍ، والقائلُ: هو مُشْرِكٌ، أو هو يَهُودىٌّ، أو نَصْرانيٌّ، إن لم يَفْعَلْ كذا، أو إن فعَل كذا. مِن غيرِ عزمٍ على كفرٍ أو يَهُوديةٍ أو نصرانيةٍ، جميعُهم قائلون هُجْرًا مِن القولِ، وذَميمًا مِن المَنْطِقِ، وحالِفون مِن الأيمانِ بألسنتِهم ما لم تتَعَمَّدْ فيه الإثمَ قلوبُهم، كان معلومًا أنهم لُغاةٌ في أيْمانِهم لا يَلْزَمُهم كفارةٌ في العاجلِ، ولا عقوبةٌ في الآجِلِ؛ لإخبارِ اللهِ تعالى ذكرُه أنه غيرُ مُؤاخِذٍ عبادَه بما لغَوْا مِن أيمانِهم، وأن الذي هو مُؤاخِذُهم به ما تعَمَّدَت فيه الإثمَ قلوبُهم.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "مَن حلَف على يمينٍ فرأي غيرَها خيرًا منها، فلْيَأْتِ الذي هو خيرٌ، ولْيُكَفِّرْ عن يمينِه" ¬أخرجه البخاري (6622، 6722، 7146، 7147)، ومسلم (1652) من حديث عبد الرحمن بن سمرة، وينظر تخريجه في مسند الطيالسي (1448).¥. فأوْجَب الكفارةَ بإتيانِ الحالفِ ما حلَف ألا يَأْتِيَه، مع وجوبِ إتيانِ الذي هو خيرٌ مِن الذي حلَف عليه ألا يَأْتِيَه، وكانت الغرامةُ في المالِ، أو إلزامُ الجزاءِ مِن المجزيِّ ¬في م: "الجازى".¥ أبدانَ الجازين ¬في م: "المجزيين".¥، لا شكَّ عقوبةً كبعضِ العقوباتِ التي جعَلها اللهُ تعالى ذكرُه نَكالًا لخلقِه فيما تَعَدَّوْا مِن حُدودِه، وإن كان يَجْمَعُ جميعَها أنها تَمْحيصٌ وكَفَّاراتٌ لمَن عُوقِبَ بها فيما عُوقِبوا عليه - كان بيِّنًا أن مَن أُلْزِم الكفارةَ في عاجلِ دُنْياه فيما حلَف به مِن الأيمانِ فحنِث فيه، وإن كانت كفارةً لذنبِه ¬في ص، ت 2، ت 3: "لدينه".¥، فقد واخَذَه اللهُ بها بإلزامِه إياه الكفارةَ منها، وإن كان ما عجَّل مِن عقوبتِه إياه على ذلك مُسْقِطًا عنه عقوبتَه في آجِلِه. وإذ كان تعالى ذكرُه قد واخَذَه
بها، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ، وقد واخَذَ بها: هي مِن اللغوِ الذي لا يؤاخَذُ به قائله.
فإذ كان ذلك غيرَ جائزٍ، فبيِّنٌ فسادُ القولِ الذي رُوِى عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال: اللغوُ: الحلِفُ على المعصيةِ. لأن ذلك لو كان كذلك لم يَكُنْ على الحالفِ على معصيةِ اللهِ كفارةٌ بحِنْثِه في يمينِه، وفي إيجابِ سعيدٍ عليه الكفارةَ دليلٌ واضحٌ على أن صاحبَها بها مُؤاخَذٌ؛ لما وصَفْنا مِن أن مَن لزِمه الكفارةُ في يمينِه فليس ممَّن لم يُؤاخَذْ بها.
فإذ كان اللغوُ هو ما وصَفْنا مما أخْبَرَنا اللهُ تعالى ذكرُه أنه غيرُ مُؤاخِذِنا به، وكلُّ يمينٍ لزِمَت صاحبَها بحِنْثِه فيها الكفارة في العاجلِ، و ¬في م: "أو".¥ أوْعَد اللهُ تعالى ذكرُه صاحبَها العقوبةَ عليها في الآجِلِ، وإن كان وضَع عنه كفارتَها في العاجلِ -فهى مما كسَبَتْه قلوبُ الحالفِين، وتعَمَّدَت فيه الإثْمَ نفوسُ المُقْسِمِين، وما عدا ذلك فهو اللغوُ وقد بيَّنَّا وُجوهَه.
فتأويلُ الكلامِ إذن: لا تَجْعَلوا اللهَ أيُّها المؤمنون قُوَّةً ¬في م: "عرضة".¥ لأيْمانِكم، وحُجَّةً لأنفسِكم في أقسامِكم في ألَّا تَبَرُّوا ولا تتَّقُوا ولا تُصْلِحوا بينَ الناسِ، فإن اللهَ لا يُؤاخِذُكم بما لغَتْه ألسنتُكم مِن أيمانِكم، فنطَقَت به مِن قَبيحِ الأيْمانِ وذَميمِها، على غيرِ تعمُّدِكم الإثمَ وقصدِكم بعزائمِ صدورِكم إلى إيجابِ عَقْدِ الأيْمانِ التي حلَفْتُم بها، ولكنه إنما يُؤاخِذُكم بما تعَمَّدْتُم فيه عَقْدَ اليمينِ وإيجابَها على أنفسِكم، وعزَمْتُم على الإتمامِ على ما حلَفْتُم عليه بقصدٍ منكم وإرادةٍ، فيَلْزَمُكم حينَئذٍ إمَّا كفارةٌ في العاجلِ، وإما عقوبةٌ في الآجِلِ ¬في ص: "الآخر".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}.
اخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنى الذي أوْعَد اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} عبادَه أنه مُؤاخِذُهم به؛ بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى قولِه: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}: ما تعَمَّدَت. فقال بعضُهم: المعنى الذي أوْعَد اللهُ عبادَه مُؤاخَذتَهم به هو حَلِفُ الحالفِ منهم على كذبٍ وباطلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا حلَف الرجلُ على اليمينِ وهو يَرَى أنه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يُؤاخَذُ بها، وإذا حلَف وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذاك الذي يُؤاخَذُ به ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 410 (2165) من طريق جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 269 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسْروقىّ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن زائدةَ، عن مَنصورٍ، قال: قال إبراهيمُ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}. قال: أن يَحْلِفَ على الشيء وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذاك الذي يُؤاخَذُ به.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}: أن تَحْلِفَ وأنت كاذبٌ.
حدَّثني المثنى، [قال: ثنا عبدُ اللهِ بنِ صالحٍ] ¬سقط من النسخ، وهو إسناد دائر.¥، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89]: وذلك اليمينُ الصَّبْرُ ¬اليمين الصبر: هي التي ألزم بها صاحبها وحبس عليها، وكانت لازمة له من جهة الحكم. النهاية 3/ 8.¥ الكاذبةُ، يَحْلِفُ بها الرجلُ على ظلمٍ أو قَطيعةٍ، فتلك لا كفارةَ لها إلا أن يَتْرُكَ ذلك الظلمَ أو يَرُدَّ ذلك المالَ إلى أهلِه، وهو قولُه تعالى ذكرُه: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}. إلى قولِه: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77].
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}: ما عقَدَتْ عليه ¬تفسير مجاهد ص 235.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: لا تُؤاخَذُ حتى تُصْعِدَ ¬في م: "تقصد".¥ الأمرَ، ثم تَحْلِفَ عليه باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو، فتُعَقِّدَ عليه يمينَك.
والواجبُ على هذا التأويلِ أن يَكونَ قولُه تعالى ذكرُه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} في الآخِرةِ بما شاء مِن العقوباتِ، وأن تكونَ الكفارةُ إنما تَلْزَمُ الحالفَ في الأيمانِ التي هي لَغْوٌ. وكذلك رُوى عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان لا يَرَى الكفارةَ إلا في الأيمانِ التي تَكونُ لَغْوًا، فأما ما كسَبَتْه القلوبُ، وعقَدَت فيه على الإثم، فلم يَكُنْ يُوجِبُ فيه الكفارةَ. وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهم بذلك فيما مضَى قبلُ ¬ينظر ما تقدم ص 20.¥.
وإذ كان ذلك تأويلَ الآيةِ عندَهم، فالواجبُ على مذهبِهم أن يَكونَ معنى الآيةِ في سورةِ "المائدةِ" ¬الآية 89.¥: {لا يُؤاخِذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم، ولكنْ يُؤاخِذُكم بما عقَّدتُم الأيمانَ، فكفارتُه إطعام عشَرةِ مَساكينَ مِن أوْسطِ ما تُطْعِمون أهْليكم أو كِسوتُهم أو تحريرُ رقبةٍ، فمَن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، ذلك كفارةُ أيْمانِكم إذا حلَفْتُم} ولكن يؤاخِذُكم بما عقَّدْتُم، {واحْفَظوا أيْمانَكم}.
وبنحوِ ما ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ مِن القولِ في ذلك كان سعيدُ بنُ جُبيرٍ والضحاكُ ابنُ مُزاحِمٍ وجماعةٌ أُخَرُ غيرُهم يقولون، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهم بذلك آنفًا.
وقال آخَرونَ: المعنى الذي أوْعَد اللهُ تعالى عبادَه المُؤاخَذةَ بهذه الآيةِ، هو حَلِفُ الحالفِ على باطلٍ يَعْلَمُه باطلًا، وبذلك أوْجَب اللهُ عندَهم الكفارةَ دونَ اللغوِ الذي يَحْلِفُ به الحالفُ وهو مُخطِئٌ في حلفِه، يَحْسَبُ أن الذي حلَف عليه كما حلَف، وليس ذلك كذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}. يقولُ: بما تعَمَّدَت قلوبُكم، وما تعَمَّدَتْ فيه المأْثَمَ، فهذا عليك فيه الكفارةُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 410 عقب الأثر (2163) معلقًا.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه سواءً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 410 عقب الأثر (2163) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
وكأن قائلى هذه المقالةِ وجَّهوا تأويلَ مُؤاخَذةِ اللهِ عبدَه على ما كسَبه قلبُه مِن الأيمانِ الفاجرةِ، إلى أنها مُؤاخَذةٌ منه له بها ¬سقط من: م.¥ بإلزامِه الكفارةَ فيه.
وقال بنحوِ قولِ قتادةَ جماعةٌ أُخَرُ في إيجابِ الكفارةِ على الحالفِ اليمينَ الفاجرةَ، منهم عطاءٌ والحكَمُ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حَجَّاجٌ، عن عطاءٍ والحكمِ أنهما كانا يقولان في من حلَف كاذبًا متعمدًا: يُكَفِّرُ ¬أخرجه ابن حزم 8/ 391 من طريق هشيم، عن الحجاج، عن عطاء وحده، وينظر الاستذكار 15/ 67.¥.
وقال آخَرون: بل ذلك معنيان؛ أحدُهما مُؤَاخَذٌ به العبدُ في حالِ الدنيا بإلزامِ اللهِ إياه الكفارةَ منه، والآخرُ منهما مُؤاخَذٌ به في الآخِرةِ إلا أن يَعْفُوَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}: أما ما كسَبت قلوبُكم، فما عقَدَت قلوبُكم، فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمين يَعْلَمُ أنها كاذبةٌ، إرادةَ أن يَقْضِىَ أمرَه. والأيمانُ ثلاثةٌ، اللغوُ، والعمدُ، والغَموسُ، والرجلُ يَحْلفُ على اليمينِ وهو يُرِيدُ أن يَفْعَلَ، ثم يَرَى خيرًا مِن ذلك، فهذه اليمينُ التي قال اللهُ تعالى ذكرُه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. فهذه لها كفارةٌ.
وكأنَّ قائلَ هذه المقالةِ وجَّه تأويلَ قولِه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} إلى غيرِ ما وجَّه إليه تأويلَ قولِه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. وجعَل قولَه: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} الغَموسَ مِن الأيمانِ التي يَحْلِفُ بها الحالفُ على علمٍ منه بأنه في حلفِه بها مُبْطِلٌ، وقولَه: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} اليمينَ التي يَسْتَأْنِفُ فيها الحِنْثَ أو البِرَّ، وهو في حالِ حلفِه بها عازمٌ على أن يَبَرَّ فيها.
وقال آخرون: بل ذلك هو اعتقادُ الشركِ باللهِ والكفرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَرْزوقٍ، قال: ثنى يحيى بنُ أيوبَ، عن محمدٍ -يعنى ابنَ عَجْلانَ- أن زيدَ بنَ أسْلَمَ كان يَقولُ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}: مثلَ قولِ الرجلِ: هو كافرٌ، هو مُشْركٌ. قال: لا يُؤاخِذُه اللهُ حتى يَكونَ ذلك مِن قلبِه ¬تقدم تخريجه في ص 32.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: اللغوُ في هذا الحلفُ باللهِ ما كان بالألسنِ. فجعَله لغوًا، وهو أن يقولَ: هو كافرٌ بالله، وهو إذن يُشْرِكُ باللهِ، وهو يَدْعُو مع اللهِ إلهًا. فهذا اللغوُ الذي قال اللهُ تعالى في سورةِ "البقرةِ": {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}، قال: بما كان في قلوبكم صدقًا واخِذُك به، فإن لم يَكنْ في قلبِك صدقًا لم يُواخِذْك به، وإن أثِمْتَ ¬تقدم تخريجه في ص 32.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أوْعَد عبادَه أن يُؤاخِذَهم بما كَسَبت قلوبُهم مِن الأيمانِ، فالذي تَكْسِبُه قلوبُهم مِن الأيمانِ هو ما قصَدَتْه وعزَمَت عليه، على علمٍ ومعرفةٍ منها بما تَقْصِدُه وتُريدُه، وذلك يَكونُ منها على وجهين؛ أحدُهما: على وجهِ العزمِ على ما يَكونُ به العازمُ عليه في حالِ عزمِه بالعزمِ عليه آثمًا، وبفعلِه مستحِقًّا المؤاخَذةَ مِن اللهِ عليها، وذلك كالحالفِ على الشيء الذي لم يَفْعَلْه أنه قد فعَله، وعلى الشيء الذي قد فعَله أنه لم يَفْعَلْه، قاصدًا أصْلَ ¬في م: "لقيل".¥ الكذبِ، وذاكرًا أنه قد فعَل ما حلَف عليه أنه لم يَفْعَلْه، أو أنه لم يَفْعَلْ ما حلَف عليه أنه قد فعَل، فيكونُ الحالفُ بذلك -إن كان مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه- في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ، إن شاء واخَذَه به في الآخِرةِ، وإن شاء عفا عنه بتفضلِه، ولا كفارةَ عليه فيها في العاجلِ؛ لأنها ليست مِن الأيمانِ التي يَحْنَثُ فيها، وإنما الكفارةُ تَجِبُ في الأيمانِ بالحِنْثِ فيها، والحالفُ الكاذبُ في يمينِه ليست يمينُه مما يُبْتَدَأُ فيه الحِنْثُ فتَلْزَمَ فيه الكفارةُ.
والوجهُ الآخرُ منهما: على وجهِ العزمِ على إيجابِ عقدِ اليمينِ في حالِ عزمِه على ذلك، فذلك مما لا يُواخَذُ به صاحبُه حتى يَحْنَثَ فيه بعدَ حلفِه، فإذا حنِث فيه بعدَ حلفِه كان مُواخَذًا بما كان اكْتَسَبه قلبُه -مِن الحلفِ باللهِ على إثمٍ وكذِبٍ- في العاجلِ بالكفارةِ التي جعَلها اللهُ كفارةً لذنبِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)}.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: واللهُ غفورٌ لعبادِه فيما لغَوْا مِن أيْمانِهم التي أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه لا يُواخِذُهم بها، ولو شاء واخَذَهم بها، ولما واخَذَهم بها ¬في ص، ت 2، ت 3: "به".¥ فكفَّروها في عاجل الدنيا بالتكفيرِ فيه، ولو شاء واخَذَهم في آجِلِ الآخِرةِ بالعقوبةِ عليه، فساترٌ عليهم فيها، وصافِحٌ لهم بعفوِه عن العقوبةِ فيها وغيرِ ذلك مِن ذنويهم، حليمٌ في تركِه مُعاجَلةَ أهلِ معصيتِه العقوبةَ على مَعاصِيهم.