تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ}.
وهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه عن نبيِّه الذي أخبَر عنه به ¬سقط من: م، س.¥ دليلٌ على أن الملأَ من بني إسرائيلَ الذين قيل لهم هذا القولُ، لم يُقِرُّوا ببعثةِ اللهِ طالوتَ عليهم مَلِكًا إذ أخبرَهم نبيُّهم بذلك، وعرَّفهم فَضيلتَه التي فضَّله اللهُ بها، ولكنهم سألوه الدَّلالةَ على صدقِ ما قال لهم من ذلك وأخبرَهم به.
فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: والله يُؤتى مُلْكَه مَن يَشَاءُ واللهُ واسعٌ عليمٌ. فقالوا له: [انْتِ بآيةٍ على ذلك] ¬في ص، ت 1، ت 3: "مما أتى به ذلك"، وفي ت 2، س: "بما أتى به ذلك".¥ إن كنتَ من الصادقين. قال لهم نبيُّهم: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ}.
وهذه القصةُ، وإن كانت خبرًا من اللهِ تعالى ذكرُه عن الملأ من بني إسرائيل ونبيِّهم، وما كان من ابتدائِهم نبيَّهم بما ابتدَءوا به من مسألتِه أن يسألَ الله لهم أن يبعَثَ لهم مَلِكًا يقاتِلون معه في سبيلِه، [ونبأ] ¬في م: "بناء". وزيادو الواو لضرورة السياق.¥ عما كان منهم من تكذيبِهم نبيَّهم بعدَ علمِهم بنُبوَّتِه، ثم إخلافِهم الموعدَ الذي وعَدوا الله ووَعدوا رسولَه من الجهادِ في سبيلِ اللهِ، بالتخلُّفِ عنه حينَ استُنْهِضوا لحربِ مَن استُنْهِضُوا لحربِه، وفتْحِ اللهِ على القليلِ من الفئةِ، مع تخذيلِ الكثيرِ منهم عن مَلِكِهم، وقُعودِهم عن الجهادِ معه؛ فإنه تأديبٌ لمَن كان بينَ ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من ذَرارِيِّهم وأبنائِهمِ يهودِ قُرَيْظَةَ والنَّضيرِ، وأنهم لن يَعْدُوا في تكذيبِهم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فيما أمَرهم به ونَهاهم عنه، مع علْمِهم بصدقِه، ومَعْرِفتِهم بحقيقةِ نُبوَّتِه، بعدَ ما كانوا يَستَنصرون الله به على أعدائِهم قبلَ رسالتِه، وقبلَ بعثةِ اللهِ إِيَّاه إليهم، وإلى غيرِهم أن يكونوا كأسلافِهم وأوائلِهم الذين كذَّبوا نبيَّهم شَمْويلَ بنَ بالى، مع عِلْمِهم بصدقِه، ومعرفت
ِهم بحقيقةِ نبوَّتِه، وامتناعِهم من الجهادِ مع طالوتَ لمَّا ابتَعَثه اللهُ مَلِكًا عليهم، بعدَ مسألتِهم نبيَّهم ابتعاثَ مَلِكٍ يُقاتِلون معه عدوَّهم، ويجاهِدون معه في سبيلِ ربِّهم، ابتداءً منهم بذلك نبيَّهم، وبعدَ مراجعةِ نبيِّهم شَمْويلَ إياهم في ذلك، وحضٌّ لأهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه من أصحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - على الجهادِ في سبيلِه، وتحذيرٌ منه لهم أن يكونوا في التخلُّفِ عن نبيِّهم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - عندَ لقائِه العدوَّ، ومناهضتِه أهلَ الكفرِ باللهِ وبه، على مِثْلِ الذي كان عليه الملأُ من بني إسرائيلَ في تَخَلُّفهم عن مَلِكهم طالوتَ، إذ زحَف لحربِ عدوِّ اللهِ جالوتَ، وإيثارِهم الدَّعَةَ والخفضَ ¬الخفض: العيش الطيب. اللسان (خ ف ض).¥ على مباشرةِ حَرِّ الجهادِ، والقتالِ في سبيلِ اللهِ، وشَحْذٌ منه لهم على الإقدامِ على مُناجزة أهلِ الكفرِ به الحربَ، وتَرْكِ تهيُّبِ قتالِهم أن قلَّ عددُهم، وكَثُر عددُ أعدائِهم، واشتدَّت شَوكتُهم بقولِه: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِر
ِينَ}. وإعلامٌ منه تعالى ذكرُه عبادَه المؤمنين به أن بيدِه النصرَ والظَّفَرَ والخيرَ والشرَّ.
وأما تأويلُ قولِه: {قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ} فإنه يعنى: للملإِ من بني إسرائيلَ الذين قالوا لنبيِّهم: {ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.
وقولُه: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ}: إن علامةَ مُلْكِ طالوتَ التي سأَلْتُمونيها دَلالةً على صدقي في قوله: إن الله بعَثه عليكم مَلِكًا، وإن كان من غير سِبْطِ المملكةِ {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} وهو التابوتُ الذي كانت بنو إسرائيل إذا لَقُوا عدوًّا لهم قَدَّمُوه أمامَهم، وزحَفوا معه، فلا يَقومُ لهم معه عدوٌّ، ولا يَظهَرُ عليهم أحدٌ ناوَأَهم، حتى منَعوا أمرَ اللهِ، وكَثُر اختلافُهم على أنبيائِهم، فسَلَبهم اللهُ إِيَّاه مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، يَرُدُّه إليهم في كلِّ ذلك، حتى سَلَبَهم آخِرَ مرَّةٍ، فلم يرُدَّه عليهم، [ولن يُرَدَّ] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "ولم يرده".¥ إليهم آخرَ الأبدِ.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في سَببِ مجئِ التابوتِ الذي جعَل اللهُ مَجيئَه إلى بني إسرائيلَ آيةً لصدقِ نبيِّهم شَمْويلَ على قولِه: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا}. وهل كانت بنو إسرائيلَ سُلِبُوه قبلَ ذلك فردَّه اللهُ عليهم حينَ جعَل مجيئَه آيةً لمُلْكِ طالوتَ؟ أولم يكونوا سُلِبوه قبلَ ذلك، ولكنَّ الله ابتَدَأهم به ابتداءً؟ فقال بعضُهم: بل كان ذلك عندَهم من عهدِ موسى وهارونَ يَتَوارثونه، حتى سَلَبهم إياه مُلوكٌ من أهلِ الكفرِ به، ثم ردَّه اللهُ عليهم آيةً لمُلْكِ طالوتَ. وقال في سببِ ردِّه عليهم ما أنا ذاكِرُه، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ قال: كان لعيلى الذي ربي شَمْويلَ ابنان شابان أحدَثا في القُربانِ شيئًا لم يكنْ فيه، كان مِسْوَطُ ¬في ص: "يشرط"، وفي م، س: "شرط"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "بشرط". والمثبت من تاريخ المصنف. والمسوط: خشبة أو غيرها يحرَّك بها ما في القدر وغيرها ليختلط. ينظر اللسان (س و ط). وقربان اليهود هو التقدمة - كما في سفر صموئيل الأول، العهد القديم، أصحاح 3
/ 14 - وكانت من دقيق مع زيت ولبان، يؤخذ قليل من الدقيق المقدم والزيت وكل اللبان ويوقد على المذبح أو يعمل منه قطائف على صاج. كما أشار بذلك الشيخ شاكر في التفسير 5/ 318 نقلا عن (قاموس الكتاب المقدس).¥ القُرْبانِ الذي كانوا يَسُوطونه ¬في النسخ: "يشرطونه". والمثبت من تاريخ المصنف.¥ به كُلَّا بَيْن ¬الكُلَّاب: حديدة معطوفة كالخطاف، أو خشبة في رأسها عُقَّافة منها، أو من حديد. وجمعه كلاليب. ينظر اللسان (ك ل ب).¥، فما أخرَجا كان للكاهنِ الذي يسُوطُه ¬في النسخ: "يستوطنه" والمثبت من تاريخ المصنف.¥، فجعَل ابناه كَلاليبَ، وكانا إذا جاء النساءُ يُصَلِّينَ فِي القُدْسِ يَتَشَبَّثان بهن، فبينا شَمْويلُ نائمٌ قِبَلَ البيتِ الذي كان ينامُ فيه عيلى، إذ سمع صوتًا يقولُ: أشَمْويلُ. فوَثَب إلى عِيلى، فقال: لبَّيك، ما لَكَ دعَوتَني؟ فقال: لا، ارجِعْ فنَمْ. فرجَع فنام، ثم سمِع صوتًا آخَرَ يقولُ: أَشَمُويلُ. فَوَثَب إلى عِيلى أيضًا، فقال: لبيك، ما لَكَ دعوتَنى؟ فقال: لم أفعلْ، ارجِعْ فنَم، فإن سمِعتَ شيئًا فقل: لبَّيك، مكانَك، مُرْنى فأفعلَ. فرجَع فنام، فسمع صوتًا أيضًا يقولُ: أَشَمُويلُ. فقال: لبَّيك، أنا هذا، مُرْنى أَفعَلْ. ق
ال: انطلِقْ إلى عِيلى، فقُلْ له: مَنَعه حُبُّ الولدِ أَن يَرْجُرَ ابنَيْه أَن يُحْدِثا في قُدْسى وقُرْبانى، وأن يَعصِيَانى، فلأنزِعَنَّ منه الكِهانة ومِن وَلدِه، ولأُهلِكنَّه وإياهما. فلما أصبَح سأله عيلى، فأخبرَه، ففزِع لذلك فَزَعًا شديدًا. فسار إليهم عدوٌّ مِمَّن حولَهم، فأمَر ابنَيه أن يخرُجا بالناسِ فيُقاتلا ذلك العدوَّ، فخَرَجا وأخرَجا معهما التابوتَ الذي كان فيه اللَّوْحان وعصا موسى ليُنْصَرُوا به، فلما تهَيَّئوا للقتالِ هم وعدوُّهم، جعَل عيلى يتوقَّعُ الخبرَ؛ ماذا صنَعوا؟ فجاءه رجلٌ يخبِرُه وهو قاعدٌ على كُرسيِّه: إن ابنَيك قد قُتِلا، وإن الناسَ قد انهزَموا. قال: فما فعل التابوتُ؟ قال: ذهَب به العدوُّ. قال: فشَهِق ووقَع على قَفاه من كُرسيِّه فمات. وذهَب الذين سَبَوا التابوتَ حتى وضَعوه في بيتِ آلهتِهم ولهم صَنمٌ يعبُدُونه، فوضَعوه تحتَ الصَّنمِ، والصَّنمُ من فَوقِه، فأصبَح من الغدِ والصَّنمُ تحتَه وهو فوقَ الصَّنَمِ، ثم أخَذوه فوضَعوه فوقه وسمَّروا قدَمَيْه في التابوتِ، فأصبَح من الغدِ قد قُطِعت يدَا الصنمِ ورجلاه، وأصبَح ملقًى تحتَ ¬في ص: "تحته".¥ التابوتِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: قد عَلِمتُم أن إلهَ ب
ني إسرائيل لا يقومُ له شيءٌ، فأخرِجوه من بيتِ آلهِتَكم. فأخرَجوا التابوتَ فوضَعوه في ناحيةٍ من قريتِهم، فأخَذ أهلَ تلك الناحيةِ التي وضَعوا فيها التابوتَ وجَعٌ في أعناقِهم، فقالوا: ما هذا؟ فقالت لهم جاريةٌ كانت عندَهم من سَبْيِ بنى ¬سقط من: ص.¥ إسرائيلَ: لا تزالون ترَون ما تكرَهون ما كان هذا التابوتُ فيكم، فأخرِجُوه من قريتِكم. قالوا: كَذَبْتِ. قالت: إن آيةَ ذلك أن تأتُوا ببقَرَتَين لهما أولادٌ، لم يُوضَعْ عليهما نِيرٌ ¬النيِّر: الخشبة المعترضة التي تكون على عنق الثور بأداتها. تاج العروس (ن ى ر).¥ قطُّ، ثم تضَعوا وراءَهما ¬في م: "وراءهم".¥ العَجَلَ، ثم تضَعوا التابوتَ على العَجَلِ وتُسَيِّروهما، وتحبِسوا أولادَهما؛ فإنهما تنطلِقان به مُذْعِنَتَين، حتى إذا خرَجتا من أرضِكم ووَقَعتا في أرضِ بني إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما. ففعَلوا ذلك، فلما خرَجتا من أرضِهم ووَقَعَتا في أدنى أرضِ بني إسرائيل، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما، ووَضَعَتاه في خَرِبةٍ فيها حَصادٌ ¬في م: "حضار".¥ من بني إسرائيلَ، ففَزِع إليه بنو إسرائيلَ وأقبَلوا إليه، فجعَل لا يدنو منه أحدٌ إلا مات، فقال لهم نبيُّ
هم شَمْوِيلُ: اعترِضُوا، فمن آنَس من نفسه قوَّةً فليَدْنُ منه. فعرَضوا عليه الناسَ، فلم يَقدِرْ أحدٌ يدنو منه إلا رجلان من بني إسرائيل أُذِن لهما بأن يحمِلاه إلى بيتِ أمِّهما، وهي أرْمَلَةٌ، فكان في بيتِ أمِّهما حتى مَلَك طالوتُ، فصَلَح أمرُ بني إسرائيل مع شَمْويلَ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 469 - 471.¥.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العِلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: قال شَمْويلُ لبني إسرائيل لمَّا قالوا له: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ}. قال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، و {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ}: وإن تَمْليكَه من قِبَلِ اللهِ، {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ}، فيَرِدَ عليكم الذي فيه من السكينةِ، وبقية مما ترَك آل موسى وآلُ هارونَ، وهو الذي كنتم تَهْزِمون به مَن لَقِيَكم ¬في ص، س: "لقيتم".¥ من العدوِّ، وتَظْهَرُون به عليه. قالوا: فإن جاءنا التابوتُ، فقد رضِينا وسلَّمنا. وكان العدوُّ الذين أصابوا التابوتَ أسفلَ من الجبلِ، جبل إيلِيَا. فيما بينَهم وبينَ مصرَ، وكانوا أصحابَ أوثانٍ، وكان فيهم جالوتُ، وكان جالوتُ رجلًا قد أُعْطِيَ بسطةً في الجسمِ، وقوةً في البَطْشِ، وشدَّةً في الحربِ، مَذكورًا بذلك في الناس، وكان التابوتُ حينَ اسْتُبِى قد جُعِل في قريةٍ من قُرَى فِلَسْطينَ، يقالُ لها: أزدودَ ¬في ص، ت 2: "أردوذ"، وفي م: "أردن"، وف
ي س، ت 1، ت 3: "أردود"، والمثبت من تفسير البغوي، وينظر تفسير ابن كثير 1/ 446، ونقل الشيخ شاكر عن صاحب قاموس الكتاب المقدس أنها إحدى مدن فلسطين الخمس المتحالفة، وأنها على ثلاثة أميال من البحر المتوسط، بين غزة ويافا.¥. فكانوا قد جعَلوا التابوتَ في كنيسةٍ فيها أصنامُهم، فلما كان من أمر النبيِّ عليه السلام ما كان من وعْدِ بني إسرائيل أن التابوتَ سيأتِيهم، جَعَلت أصنامُهم تُصبِحُ في الكنيسةِ مُنَكَّسَةً على رءوسِها، وبعَث اللهُ على أهلِ تلك القريةِ فَأْرًا ¬في س: "نارًا".¥، تُبَيِّتُ ¬في م: "تثبت".¥
الفَأرةُ الرجلَ، فيُصبِحُ مَيِّتًا قد أكَلَت ¬بعده في م: "ما".¥ في جوفِه من دُبُرِه. قالوا: تعلَمون واللهِ، لقد أصابَكم بلاءٌ ما أصاب أُمَّةً من الأممِ قبلَكم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "قبله".¥، وما نعلَمُه أصابنا إلا مُذْ كان هذا التابوتُ بينَ أظْهُرِنا، مع أنكم قد رأيتُم أصنامَكم تُصْبِحُ كلَّ غداةٍ مُنَكَّسَةً، شيءٌ ¬في ت 2، ت 3، س: "على رءوسها".¥ لم يكُنْ يُصنَعُ بها حتى كان هذا التابوتُ معها، فأخرِجُوه من بين أظْهُرِكم. فدَعَوا بعَجَلةٍ، فحمَلوا عليها التابوتَ، ثم علَّقُوها بثَوْرين، ثم ضَرَبوا على جُنوبِهما، وخرَجَت الملائكةُ بالثَّوْرَين تسوقُهما، فلم يَمُرَّ التابوتُ بشيءٍ من الأرضِ إلا كان قُدْسًا، فلم يَرُعْهم إلا التابوتُ على عجلةٍ يَجُرُّها الثَّوْرَان، حتى وقَف على بني إسرائيل، فكبَّروا وحمِدوا الله، وجَدُّوا في حربِهم واسْتَوسَقوا ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س: "استوثقوا". واستوسقوا: اجتمعوا. اللسان (و س ق).¥ على طالوتَ ¬ذكره البغوي في تفسيره 1/ 300.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: لمَّا قال لهم نبيُّهم: إن الله اصْطَفَى طالوتَ عليكم، وزادَه بَسْطةً في العلمِ والجسمِ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "الآية".¥. أبوا أن يُسَلِّموا له الرِّياسةَ، حتى قال لهم: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} فقال لهم: أرأيتُم إن جاءَكم التابوتُ فيه سكينةٌ مِن ربِّكم وبقيَّةٌ مما ترك آل موسى وآلُ هارونَ تحمِلُه الملائكةُ؟ وكان موسى حينَ ألْقَى الألواحَ تَكسَّرَت ورُفِع منها، فنزَل فجمع ما بَقِى فجعَله في ذلك التابوتِ.
قال ابن جُرَيجٍ: أخبرني يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنه لم يَبْقَ من الألواحِ إلا سُدُسَها. قال: وكانت العمالِقةُ قد سَبَت ذلك التابوتَ - والعمالِقَةُ فِرْقةٌ من عادٍ كانوا بأريحا ¬أريحا: مدينة قديمة جدًّا في غور الأردن شمالى شرقى القدس على مسافة ثمانية عشر ميلًا منها. ينظر دائرة المعارف للبستاني 3/ 277.¥ - فجاءت الملائكةُ بالتابوتِ تحمِلُه بينَ السماءِ والأرضِ، وهم ينظُرُون إلى التابوتِ حتى وضَعَته عندَ طالوتَ، فلما رَأَوا ذلك قالوا: نعم. فسلَّموا له ومَلَّكوه، قال: وكانت الأنبياءُ إذا حضَروا قِتالًا، قدَّموا التابوتَ بين أيديهم ويقولون: إن آدَمَ نزل بذلك التابوتِ وبالرُّكْنِ. وبلَغنى أن التابوتَ وعصا موسى في بُحَيرةِ طَبَرِيَّةَ، وأنهما يَخْرُجان قبل يومِ القيامةِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سَمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: إن أرميا لمَّا خُرِّب بيتُ المَقدسِ، وحُرِّقَتِ ¬في النسخ وتاريخ دمشق: "حرق". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.¥ الكُتُبُ، وقَف في ناحية الجَبلِ، فقال: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ} [البقرة: 259]. ثم ردَّ اللهُ مَن ردَّ من بني إسرائيلَ على رأسِ سبعين سنةً من ¬سقط من: س.¥ حينَ أماته، يَعْمُرونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ، فلما ذهَبَت المائةُ، ردَّ اللهُ إليه روحَه وقد عَمَرَت، فهى على حالِها الأولى. [قال: فجعَل يَنْظُرُ إلى العظام كيف يَلْتَئِمُ بعضُها إلى بعضٍ، ثم نظَر إلى العظامِ تُكْسَى عَصَبًا ولحمًا، {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 259]. فقال: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259]. قال: وكان طعامُه تِينًا فِي مِكْتَلِ، وقُلَّةً فيها ماءٌ. قال: ثم سلَّط الله عليهم الوَصَبَ] ¬سقط من: النسخ. واستدركناه من مصدري التخريج. ومما سيأتي في ص 594.¥، فلما
أراد أن يَرُدُّ عليهم التابوتَ، أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائهم - إمَّا دانيالُ وإما غيرُه -: إن كنتم تُريدون أن يُرْفَعَ عنكم المرضُ، فأَخْرِجُوا عنكم هذا التابوتَ. قالوا: بآيةِ ماذا؟ قال: بآيةِ أنكم تأتون ببقَرَتَين صَعْبَتين ¬صعبتين: صعبتا الانقياد. تاج العروس (ص ع ب).¥ لم تَعْمَلا عملًا قطُّ، فإذا نظَرَنا إليه وضَعَتا أعناقَهما للنِّيرِ حتى يُشَدَّ عليهما، ثم يُشَدُّ التابوتُ على عَجَلٍ، ثم يُعَلَّقُ على البقرتَين، ثم تُخَلَّيان، فتَسيران حيثُ يريدُ اللهُ أن يبلِّغهما. ففَعَلوا ذلك، ووَكَّل الله بهما أربعةً من الملائكةِ يسوقونهما، فسارت البقرتان سيرًا سريعًا، حتى إذا بلَغَتا طَرْفَ القُدْسِ، كَسَرَتا نيرهما، وقَطَعَنا حِبالَهما، وذهَبَتا، فنزل إليهما داودُ ومَن معه، فلما رأي داودُ التابوتَ، حَجَلَ إليه فَرَحًا به. فقلنا لوَهْبٍ: ما: حَجَل إليه؟ قال: شَبيهٌ بالرَّقْصِ. فقالت له امرأتُه: لقد خَفِفْتَ حتى كاد الناسُ يَمْقُتونك لِما صنَعتَ. قال: أتُبَطِّئِينى عن طاعةِ ربِّي، لا تكُونين لي زوجةً بعدَ هذا. ففارقها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 99، 100، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 8/ 28.¥.
وقال آخرون: بل التابوتُ الذي جعله الله آيةٌ لمُلْكِ طالوتَ كان في البَرِّيَّة، وكان موسى - صلى الله عليه وسلم - خلَّفَه عند فتاه يُوشَعَ، فحملَته الملائكة حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} الآية: كان موسى ترَكه عند فتاه يُوشَعَ بن نُونٍ، وهو بالبَرِّيَّةِ، وأقبلت به الملائكةُ تحمِلُه حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ، فأصبح في دارِه ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 169.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الآية. قال: كان موسى فيما ذُكر لنا ترك التابوتَ عند فتاه يُوشَعَ بن نُونٍ وهو في البَرِّيَّةِ، فذُكر لنا أن الملائكةَ حملته من البرِّيَّة حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ، فأصبح التابوتُ في داره ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 467 (2470) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن عباسٍ ووَهَبُ بنُ مُنَبِّهٍ، من أن التابوتَ كان عند عدوٍّ لبني إسرائيل كان سلَبَهموه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه قال مُخْبِرًا عن نبيِّه في ذلك الزمانِ قولَه لقومِه من بني إسرائيل: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} والألفُ واللامُ لا تَدْخُلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المُتخاطبين به، وقد عَرَفه المُخبَرُ والمُخبَرُ، فقد عُلِم بذلك أن معنى الكلام: إن آيَةَ مُلْكِه أن يأتِيَكم التابوتُ الذي قد عَرَفْتُموه، الذي كنتم تَستَنصرون به، فيه سكينةٌ من ربِّكم. ولو كان ذلك تابوتًا من التوابيت غيرَ معلوم عندَهم قَدْرُه، ومَبْلَغُ نَفْعِه قبل ذلك، لقيلَ: إن آيةَ مُلْكِه أن يأتِيَكم تابوتٌ فيه سَكِينةٌ من ربِّكُم.
فإن ظنَّ ذو غفلةٍ أنهم كانوا قد عَرَفوا ذلك التابوت، وقَدْرَ نَفْعِه وما فيه وهو عند موسى ويُوشَعَ، فإن ذلك ما لا يخفى خطؤُه، وذلك أنه لم يَبلُغنا أن موسى لاقَى عدوًّا قطُّ بالتابوتِ، ولا فتاه يُوشَعَ، بل الذي يُعرَفُ من أمر موسى وأمرِ فرعونَ، ما قصَّ اللهُ من شأنهما، وكذلك أمره وأمر الجبَّارين، وأما فتاه يُوشَعُ، فإن الذين قالوا هذه المقالةَ، زعموا أن يُوشَعَ خلفَه في التِّيهِ حتى رُدَّ عليهم ¬في ص، ت 1، س: "عليه".¥ حين ملك طالوتُ، فإن كان الأمرُ على ما وصَفوه، فأيُّ الأحوالِ للتابوتِ الحالُ التي عَرَفوه فيها فجاز أن يقالَ: إن آيَةَ مُلْكه أن يأتيَكم التابوتُ الذي قد عَرَفْتُموه، وعَرَفتم أمره؟ وفي فَسادِ هذا القول بالذي ذكَرنا، أبْيَنُ الدَّلالة على صحةِ القولِ الآخَرِ، إذ لا قولَ في ذلك لأهل التأويل غيرُهما.
وكانت صفةُ التابوتِ فيما بلَغَنا كما حدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرِ والحسنُ بنُ يحيى، قالا: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: سَأَلْنَا وَهْبَ بن مُنبِّهٍ عن تابوتِ موسى ما كان؟ قال: كان نحوًا من ثلاثةِ أذرعٍ في ذراعين ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 100، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 467 (2468) عن الحسن بن يحيى به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: {فِيهِ}: في التابوتِ {سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}.
واختلف أهلُ التأويل في "معنى السكينة"؛ فقال بعضُهم: هي ريحٌ هَفَّافةٌ لها وَجْهُ كوَجْهِ الإِنسان.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جُحَادَةً، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ، قال: السكينةُ ريحٌ هَفَّافةٌ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهيلٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عليٍّ، قال: السكينةُ لها وَجْهٌ كوجهِ الإنسان، ثم هي ريحٌ هَفَّافةٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 100، 101، وأخرجه سفيان بن عيينة - كما في الدر المنثور 1/ 317 - ومن طريقه، والحاكم 2/ 460، والبيهقي الدلائل 4/ 167، وابن عساكر 24/ 441 من طريق سفيان به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عَن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ في قولِه: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}. قال: ريحٌ هَفَّافةٌ لها ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فيها".¥ صورةٌ. قال يعقوبُ في حديثِه: لها ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "كما"، وبعده في ص بياض بقدر كلمة، وبعده في ت 1 بقدر أربع كلمات، وبعده في ت 2 بقدر كلمتين، وبعده في ت 3 بقدر ست كلمات.¥ وَجْهٌ. وقال ابن ¬ليس في: ص، ت 1، ت 3، وليس لابن المثنى أو المثنى ذكر في هذا الإسناد.¥ المثنَّى: كوَجْهِ الإنسانِ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، قال: قال عليٌّ: السكينةُ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ، وهي ريحٌ هَفَّافةٌ.
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، قال: قال عليٌّ: السكينةُ ريحٌ خَجُوجٌ ولها رأسان ¬تقدم تخريجه في 2/ 562.¥.
حدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، قال: سمعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ يُحَدِّثُ عَن عليٍّ نحوَه ¬أخرجه الطبراني في الأوسط (6941) من طريق شعبة به مرفوعًا، وتقدم في 2/ 562.¥.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ وحمادُ بنُ سَلَمَةَ وأبو الأَحْوَصِ، كلُّهم عن سِمَاكٍ، عن خالدِ بن عرعرَةَ، عن عليٍّ نحوَه (4).
وقال آخرون: لها رأسٌ كرأسِ الهِرَّة وجَناحان.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}. قال: أقبَلَت السكينةُ [والصُّرَدُ] ¬مكانه بياض في النسخ، والمثبت من تفسير مجاهد، والصُّرَد: طائر فوق العصفور، أبقع ضخم الرأس، يصطاد العصافير، ويكون في الشجر، نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار له بُرثُن عظيم. تاج العروس (ص ر د).¥ وجبريلُ مع إبراهيمَ من الشامِ. قال ابن أَبي نجيحٍ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: السكينةُ لها رَأْسٌ كرأسِ الهِرَّةِ وجَناحان ¬تفسير مجاهد ص 242، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 4/ 168 دون أوله.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 469 (2476) من طريق ابن أبي نجيح به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: السكينةُ لها جَناحان وذَنَبٌ ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة (801) من طريق سفيان به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثَّوْرِيُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: لها جَناحان وذَنَبٌ مثلُ ذَنَبِ الهِرَّةِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 101، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 24/ 441.¥.
وقال آخرون: بل هي رأسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عَن وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عن بعضِ أهلِ العلمِ من بني إسرائيلَ، قال: السكينةُ رأسُ هِرَّةٍ مَيِّتةٍ، كانت إذا صَرَخت في التابوتِ بصُرَاخِ هِرٍّ أيقَنُوا بالنصرِ وجاءهم الفتحُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 464.¥.
وقال آخرون: إنما هي طَسْتُ من ذهبٍ من الجنةِ، كان يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياءِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيرٍ عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}. قال: طَسْتٌ من ذهبٍ من الجنةِ، كان يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياءِ ¬أخرجه سعيد بن منصور (421 - تفسير) من طريق الحكم بن ظهير به. وأخرجه المصنف في تاريخه 1/ 467، 468 من طريق السديِّ به.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}: السكينةُ طَسْتُ من ذهبٍ، يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياء، أعطاها الله موسى، وفيها وضَع الألواحَ، وكانت الألواحُ - فيما بَلَغنا - من دُرٍّ ¬في س: "زمرد".¥ وياقوتٍ وزبرجدٍ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (420 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 469 (2478) من طريق عيسى بن عمر، عن السديِّ بشطره الأول.¥.
وقال آخرون: السكينةُ رُوحٌ من الله يتكلَّم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا بَكَّارُ بنُ عبدِ الله، قال: سأَلْنا وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، فقلنا له: السَّكينةُ؟ قال: روحٌ من الله يتكلَّمُ، إذا اختلفوا في شيءٍ تكلَّمَ، فأخبَرهم ببيان ما يُريدون ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 100، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 469 (2479) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرٍ، قال: ثنا عبدُ الرزاق، قال: ثنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أَنه سَمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ. فَذَكَر نحوه.
وقال آخرون: السكينةُ ما تعرِفون من الآياتِ فتسكُنون إليها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عَطاءَ بن أبى رباحٍ عن قوله: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} الآية، قال: أمَّا السَّكينةُ، فما تعرفون من الآياتِ تسكُنون إليها ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 469 عقب الأثر (2480) معلقا.¥.
وقال آخرون: السكينةُ الرحمةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن عَمَّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: رَحْمَةٌ من ربِّكم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 470 عقب الأثر (2481) معلقا.¥.
وقال آخرون: السكينةُ هي الوقارُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: وَقارٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 98، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 470 (2482) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 24/ 441 من طريق عبد الرزاق، عن معمر قوله.¥.
وأولى هذه الأقوال بالحقِّ في معنى "السَّكِينَةِ"، ما قاله عطاءُ بن أبى رباحٍ، من الشيء تَسْكُنُ إليه النُّفوسُ من الآياتِ التي تَعرِفونها، وذلك أن السَّكينةَ في كلامِ العربِ الفَعِيلةُ من قولِ القائلِ: سَكَن فلانٌ إلى كذا وكذا. إذا اطمأنَّ إليه وهَدَأت عندَه نَفْسُه، فهو يسكُنُ سُكُونًا وسَكِينةً، مثل قولك: عَزَم فلانٌ على هذا الأمرِ عَزْمًا وعزيمةً، وقضَى الحاكمُ بين القوم قضاءً وقضيَّةٌ. ومنه قولُ الشاعرِ ¬أنشده ابن برى لأبى عُرَيف الكُلَيبى. اللسان (س ك ن).¥:
للهِ قَبْرٌ غالَها ماذا يُجِنُّ؟ ... لقد أجَنَّ سَكِينةً ووَقارَا وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفتُ، فجائزٌ أن يكون ذلك على ما قاله عليُّ بنُ أبى طالبٍ على ما رَوَينا عنه، وجائزٌ أن يكونَ ذلك على ما قاله مجاهدٌ على ما حَكَينا عنه، وجائزٌ أن يكون ما قاله وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وما قاله السُّدِّيُّ؛ لأن كلَّ ذلك آياتٌ كافياتٌ تَسْكُنُ إليهنَّ النُّفوسُ، وتَثْلَجُ بهنَّ الصدورُ، وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفنا، فقد اتَّضَح أن الآيةَ التي كانت في التابوتِ التي كانت النفوسُ تَسكُنُ إليها لمعرفتِها بصِحَّةِ أمْرِها إنما هي مُسَمَّاةٌ بالفعلِ وهي غيرُه، لدَلالة الكلام عليه.
القولُ في تأويلِ قوله: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}.
يعني تعالى ذكرُه بقوله: {وَبَقِيَّةٌ} ¬بعده في ص، ت 1، ت 3: "وبقية".¥: الشيء الباقى، من قولِ القائلِ: قد بقِى من هذا الأمر بَقِيَّةٌ. وهي فَعِيلةٌ منه، نظيرُ السَّكِينَةِ مِن "سَكَن".
وقولُه: {مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. يعني به: مِن تَرِكَةِ آلِ موسى وآلِ هارونَ.
واختلف أهلُ التأويلِ في البَقِيَّةِ التي كانت بَقِيَت من تَرِكتِهم؛ فقال بعضُهم: كانت تلك البقيةُ عصا موسى ورُضَاضَ الألواحِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرِمَةَ، قال: - أحسَبُه عن ابن عباسٍ - أنه قال في هذه الآيةِ: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: رُضَاضُ الألواح ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 470 (2484) من طريق داود به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بِشرٌ، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرِمة. قال داودُ: وأحسبُه عن ابن عباسٍ. مثلَه.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآية: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: عصا موسى ورُضَاضُ الألواحِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 445 عن المصنف.¥.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: فكان في التابوتِ عصا موسى ورُضَاضُ الألواحِ، فيما ذُكِر لنا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: البَقِيَّةُ عصا موسى ورضاضُ الألواح ¬تقدم تخريجه عند عبد الرزاق وابن عساكر في ص 476.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. أما البَقِيَّة فإنها عصا موسى ورُضَاضَةُ الألواح ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 470 عقب الأثر (2484) من طريق عمرو به.
وهو من تمام الأثر المتقدم في صفحة 441، 442.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}: عصا موسى وأمورٌ من التوراة ¬ذكره ابن عطية في تفسيره 2/ 171.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عِكْرمةَ في هذه الآيةِ: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: التوراة ورُضَاضُ الألواحِ والعصا. قال إسحاقُ: قال وكيعٌ: ورُضَاضُه كِسَرُه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن عِكْرِمةَ في قوله: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: رُضَاضُ الألواحِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 470 (2484) معلقا.¥.
وقال آخرون: بل تلك ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "ذلك".¥ البقيَّةُ عصا موسى، وعصا هارونَ، وشيء من الألواح.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيل ¬بعده في النسخ: "عن". والمثبت من مصدري التخريج، وانظر تهذيب الكمال 3/ 69.¥ بن أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ: {أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: كان فيه عصا موسى، وعصا هارونَ، ولَوحان من التوراة، والمنُّ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (422 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 470، من طريق إسماعيل به، وزادا وثياب موسى، وثياب هارون.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ أبى، عن عطيةَ بن سعدٍ في قوله: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: عصا موسى، وعصا هارون، وثيابُ موسى، وثيابُ هارونَ، ورُضَاضُ الألواحِ ¬ذكره ابن عطية في تفسيره 2/ 172.¥.
وقال آخرون: بل هي العصا والنَّعْلان.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: سألتُ الثَّورِيَّ عن قوله: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: منهم من يقولُ: البَقِيةُ قفيزٌ مِن مَنٍّ، ورُضَاضُ ¬في تفسير عبد الرزاق: "رضراض".¥ الألواحِ، ومنهم مَن يقولُ: العصا والنَّعْلان ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 101، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 24/ 441.¥.
وقال آخرون: بل كان ذلك العصا وحدَها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا بَكَّارُ بنُ ¬في النسخ: "عن". وتقدم في صفحة 470، 471. وينظر التاريخ الكبير 2/ 121.¥ عبدِ اللهِ، قال: قلنا لوَهْب بن مُنَبِّهٍ: ما كان فيه؟ - يعني في التابوتِ - قال: كان فيه عصا موسى والسَّكينةُ ¬تقدم تخريجه عند عبد الرزاق في ص 470.¥.
وقال آخرون: بل كان ذلك رُضَاضَ الألواح وما تكسَّر منها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، [قال: حدَّثنا الحُسينُ] ¬سقط من: م.¥، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ، قال ابن عباسٍ في قولِه: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}. قال: كان موسى حينَ ألقَى الألواحَ تَكَسَّرَت ورُفع منها، [فجَعَل الباقى] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فجعله".¥ في ذلك التابوتِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سألتُ عطاءَ بن أبى رَباحٍ عن قوله: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} قال: العلمُ [والتوراة] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "التوراة". والأثر ذكره أبو حيان في البحر المحيط 2/ 262.¥.
وقال آخرون: بل ذلك الجهادُ في سبيل الله.
ذكرُ من قال ذلك
حُدثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ}: يعني بالبَقِيَّةِ القتالَ في سبيل الله، وبذلك قاتلوا مع طالوت، وبذلك أُمروا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 471 (2487) من طريق عبيد بن سليمان به.¥.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن التابوتِ الذي جعَله آيةً لصدقِ قول نبيِّه عليه السلام [الذي قال] ¬سقط من: م.¥ لأُمَّتِه: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا}. أن فيه سَكِينةً منه، وبَقِيةٌ [مِن تَرَكَةِ] ¬في م: "مما تركه".¥ آلِ موسى وآل هارونَ. وجائزٌ أن [تكون تلك] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يكون ذلك".¥ البَقيةُ العصا، وكِسَرَ الألواحِ، والتوراةَ أو بعضَها، والنَّعْلَين، والثيابَ، والجهادَ في سبيل الله. وجائزٌ أن يكونَ بعضَ ذلك، وذلك أمرٌ لا يُدْرَكُ عِلْمُه من جهةِ الاستخراج ولا اللغة ¬في س: "الأمة".¥، ولا يُدْرَكُ علمُ ذلك إلا بخَبرٍ يوجِبُ عنه العِلمَ، ولا خبرَ عندَ أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفة ¬في ص، ت 2، س: "لصفة"، وفي ت 1: "بصفة".¥ التي وصَفنا. وإذ كان كذلك ¬في س: "ذلك".¥، فغير جائزٍ فيه تصويبُ قولٍ وتضعيفُ آخَرَ غيرِه، إذ كان جائزًا فيه ما قلنا من القولِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ}.
اختلَف أهلُ التأويل في صفةِ حَمْلِ الملائكةِ ذلك التابوتَ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: تَحْمِلُه بين السماءِ والأرضِ حتى تَضَعَه بينَ أَظْهُرِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: جاءت الملائكةُ بالتابوتِ تحمِلُه بين السماءِ والأرضِ وهم ينظُرون إليه، حتى وضَعَته عندَ طالوتَ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 469.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: لمَّا قال لهم - يعنى النبيُّ لبني إسرائيل -: {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ}. قالوا: فمَن لنا بأن الله هو آتاه هذا؟ ما هو إلا لهَواكَ فيه. قال: إن كنتم قد كذَّبتمونى واتَّهَمْتمونى فَإِنَّ {آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} الآية. قال: فنزلت الملائكةُ بالتابوتِ نهارًا ينظُرون إليه عيانًا، حتى وضَعوه بين أظهُرِهم، فأقرُّوا غيرَ راضين، وخرَجوا ساخِطين. وقرَأ حتى بلَغ: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} ¬سقط من: م.¥.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا قال لهم نبيُّهم [ما قال لهم] ¬¥: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}. قالوا: فإن كنتَ صادِقًا، فأتِنا بآيةٍ أن هذا مَلِكٌ. قال: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ}. وأصبح التابوتُ وما فيه في دارِ طالوتَ، فَآمَنوا بنبوَّة شمعونَ ¬في ت 1: "شمويل"، وفي تاريخ المصنف: "سمعون".¥، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 467 (2466، 2469) من طريق عمرو بن حماد به. وهو جزء من الأثر المتقدم في ص 450.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ}. قال: تَحمِلهُ حتى تضَعَه في بيتِ طالوتَ ¬تقدم تخريجه عند عبد الرزاق وابن عساكر في ص 476. وأخرج هذا الجزء أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 472 (2490) عن الحسن به.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: تسوقُ الملائكةُ الدوابَّ التي تحملُه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن بعض أشياخهم ¬في م: "أشياخه".¥، قال: تَحمِلُه الملائكةُ على عَجَلةٍ، على بقرةٍ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 99، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 472 عقب الأثر (2490) عن الحسن به.¥.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: وُكِّل بالبقرتَينِ اللَّتين سارَتا بالتابوت أربعةٌ من الملائكة يسوقونهما، فسارَت البقرتان بهما سيرًا سريعًا، حتى إذا بَلَغَنَا طَرَفَ القُدْسِ ذَهَبَنَا ¬تقدم تخريجه في ص 464، 465، وأخرج هذا الجزء أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 470 (2489) عن الحسن به.¥.
وأولى القولَين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: حمَلَت التابوتَ الملائكةُ حتى وضَعَته نهارًا ¬سقط من: م، وفي ص، ت 2: "لها"، وفي ت 1: "أما".¥ في دارِ طالوت ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "وأما". واستظهرها الشيخ شاكر: "قائما".¥ بينَ أظْهُرِ بني إسرائيل. وذلك أن الله تعالى ذكرُه قال: {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ}. ولم يَقُلْ: تأتى به الملائكةُ. وما جرَّتْه البَقَرُ ¬في س: "الملائكة".¥ على عَجَلٍ، وإن كانت الملائكةُ هي سائِقَتَها، فهي غيرُ حاملته؛ لأن الحملَ المعروفُ هو مباشرةُ الحاملِ بنفسِه حَمْلَ ما حمَل، فأما ما حمَله على غيرِه، وإن كان جائزًا في اللغةِ أن يقال ¬بعده في النسخ: "في".¥: حَمَلَه، بمعنى مَعونتِه الحاملَ، أو بأنّ حَمْلّه كان عن سبِبِه، فليس سبيلُه سبيلَ ما باشَر حَمْلَه بنفسِه في تَعارُفِ الناسِ إِيَّاه بينَهم. وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ إلى الأشْهَرِ من اللغاتِ، أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أن لا يكن"، وفي م: "أن لا يكون الأشهر". والمثبت هو الصواب، ورسمه في ص يحتمل ما أثبتناه.¥، ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)}.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك أن نبيَّه شَمْوِيلَ قال لبني إسرائيلَ: إن في مَجِيئِكم التابوتُ فيه سكينةٌ من ربِّكم، وبَقِيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، حامِلَته الملائكةُ {لَآيَةً لَكُمْ} يعنى: لعلامةً لكم ودَلالةً أيُّها الناسُ على صدْقى فيما أخبَرْتُكم، أن الله بعث لكم طالوتَ مَلِكًا، أن كنتم قد كذَّبتمونى فيما أخبَرْتُكم به من تمليك الله إياه عليكم، واتَّهَمْتمونى في خبرى إياكم بذلك، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. يَعْني بذلك: إن كنتم مُصَدِّقيَّ عند مجئ الآية التي سألتُمونيها على صدقى فيما أخبرتكم به من أمر طالوت ومُلكه.
وإنما قلنا: ذلك معناه؛ لأن القومَ قد كانوا كفَروا بالله في تكذيبهم نبيَّهم، وردِّهم عليه قوله: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} بقولهم: هو {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ}. وفي مسألِتهم إيّاه الآيةَ على صِدْقِه. فإذ ¬في م، س: "فإن".¥ كان ذلك منهم كُفْرًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ لهم وهم كفارٌ: لكم في مَجِيءِ التابوتِ آيةٌ إن كنتم من أهلِ الإيمان بالله ورسولِه. وليسوا من أهلِ الإيمانِ بالله ولا برسولِه. ولكنَّ الأمرَ في ذلك على ما وصَفنا من معناه؛ لأنهم سألوا الآية على صدقِ خبرهِ إياهم ليُقِرُّوا بِصِدْقِه، فقال لهم: في مجئِ التابوتِ - على ما وصَفَه لهم - آيةٌ لكم إن كنتم عندَ مجيئِه كذلك مُصَدِّقيَّ بما قلتُ لكم وأخبَرْتكم به.