تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {تِلْكَ الرُّسُلُ}. الذين قصَّ اللهُ قَصَصَهم في هذه السورةِ؛ كموسى بن عِمرانَ، وإبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، وشمويلَ، وداودَ، وسائر مَن ذكَر نبأَهم في هذه السورةِ. يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاءِ رسلي فَضَّلْتُ بعضَهم على بعضٍ، فكَلَّمْتُ بعضَهم، والذي كَلَّمْتُه منهم موسى عليه السلامُ، ورفَعْتُ بعضَهم درجاتٍ على بعضٍ، بالكرامةِ ورفعةِ المنزلةِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}. قال: يقولُ: منهم من كلَّم اللهُ، ورفَع بعضَهم على بعضٍ درجاتٍ. يقولُ: كلَّم اللهُ موسى، وأرسل محمدًا إلى الناسِ كافّةً ¬تفسير مجاهد ص 242، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 483 (2553)، والبيهقي في الأسماء والصفات (419)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 322 إلى عبد بن حميد وآدم بن أبى إياس.¥.
حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
ومما يدلُّ على صحةِ ما قلْنا في ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أُعْطيتُ خمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبلى؛ بُعِثْتُ إلى الأحمرِ والأسودِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ؛ فإِنَّ العَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنى على مَسيرةِ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لي الغَنائمُ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ كان قَبْلى، وقيل لى: سَلْ تُعْطَه. فاخْتبَأتُها شفَاعَةً لأُمَّتِى، فهى نائلَةٌ مِنكم إن شاء اللَّهُ مَن لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا" ¬أخرجه بهذا اللفظ - مع تقديم وتأخير في بعض الروايات - أحمد في المسند 5/ 148، 161، 162 (الميمنية)، والبزار (3461 - كشف)، وابن حبان (6462) من حديث أبى ذر.
وأصله عند البخاريّ (335)، ومسلم (521). من حديث جابر.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ}: وآتيْنا عيسى ابنَ مريمَ الحُججَ والأدلةَ على نبوتِه؛ من إبراءِ الأَكْمَةِ والأَبْرصِ، وإحياءِ الموتى، وما أشبهَ ذلك، مع الإنجيلِ الذي أنزَلْتُه إليه، فبَيَّنْتُ فيه ما فرَضْتُ عليه.
ويعنِى تعالى ذكرُه بقولِه: {وَأَيَّدْنَاهُ}: وقوَّيْناه وأعنَاه. {بِرُوحِ الْقُدُسِ} يعنى: برُوحِ اللهِ، وهو جِبريلُ.
وقد ذكرْنا اختلافَ أهلِ العلمِ في معنى "رُوحِ القُدُسِ"، والذي هو أوْلَى بالصوابِ من القولِ في ذلك فيما مضى قبلُ، فأَغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 2/ 221 وما بعدها.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو أراد اللهُ ما اقْتَتل الذين من بعدِهم ¬بعده في م، س: "من بعد ما جاءتهم البينات".¥. يعنى: من بعدِ الرسلِ الذين وصفَهم بأنه فَضَّل بعضَهم على بعضٍ، ورفَع بعضَهم درجاتٍ، وبعدِ عيسى ابن مريمَ، وقد جاءهم من الآياتِ بما فيه مُزْدَجَرٌ لمن هداه اللهُ ووفَّقَه.
ويَعنى بقولِه: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}. يعنى: من بعدِ ما جاءَهم مِن آياتِ اللَّهِ ما أبانَ لهم الحقَّ، وأَوضحَ لهم السبيلَ.
وقد قيل: إن الهاءَ والميمَ في قولِه: {مِنْ بَعْدِهِمْ}. من ذكرِ موسى وعيسى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} يقولُ: من بعدِ موسى وعيسى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 322، إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ}. يقولُ: من بعدِ موسى وعيسى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 485 (2562) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)}.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولكنِ اختلَف هؤلاءِ الذين مِن بعدِ الرسلِ لَمَّا لم يشأ اللهُ مِنهم تعالى ذكرُه ألَّا يَقْتَتِلُوا، فاقْتَتَلُوا من بعدِ ما جاءتْهم البَيِّنَاتُ من عندِ ربِّهم، بتحريمِ الاقتتالِ والاختلافِ، وبعدِ ثبوتِ الحُجّةِ عليهم بوَحْدانيةِ اللهِ ورسالةِ رسلِه ووَحْي كتابِه، فكفَر باللهِ وبآياتِه بعضُهم، وآمَن بذلك بعضُهم. فأخبَر تعالى ذكرُه أنهم [أَتَوْا ما أَتَوْا] ¬في ص، ت 2، س: "أتوا ما أنزل"، وفي ت 1: "أبوا ما أنزل".¥ من الكفرِ والمعاصى بعدَ علمِهم بقيامِ الحجةِ عليهم بأنَّهم على خطأ، تَعَمُّدًا منهم للكفرِ باللهِ وآياتِه. ثم قال تعالى ذكرُه لعبادِه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا}. يقولُ: ولو أراد اللهُ أن يَحْجُرَهم بعِصْمَتِه وتوفيقِه إيَّاهم عن معصيتِه فلا يَقْتَتِلُوا، ما اقْتَتَلُوا ولا اختلَفوا، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} بأن يُوَفِّقَ هذا لطاعتِه والإيمانِ به، فيُؤْمِنَ به ويُطِيعَه، ويَخْذُلَ هذا فيَكْفُرَ به ويَعْصِيَه.