تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولهِ جلّ ثناؤُه: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا}: فإِن لمْ تَذَرُوا ما بقِىَ من الرِّبا.
واختلفَ القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: {فَأْذَنُوا}؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ: {فَأْذَنُوا} بقصرِ ألفِ ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "الألف"، وفي م، ت 3: "الألف من".¥ {فَأْذَنُوا}، وفتح ذَالِها، بمعنَى: كونوا على علمٍ وإذْنٍ.
وقرأَهُ آخرون - وهي قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الكوفيين -: (فآذِنوا) بمدِّ الألفِ مِن قولِه: (فآذنوا) وكسرِ ذالِها، بمعنى: فآذِنُوا غيركَم: أعْلِموهم وأخْبِرُوهم بأنكم على حَرْبِهم ¬بقصر الألف وفتح الذال قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابن عامر، وكذا روى حفص والمفضل عن عاصم، وبمد الألف وكسر الذال قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وحمزةُ، ومن طريق أبي يوسف الأعشى عن أبي بكر عن عاصم بالوجهين. السبعة لابن مجاهد ص 192.¥.
وأوْلَى القراءتين بالصَّوابِ في ذلك قراءَةُ مَن قرأَ: {فَأْذَنُوا} بقصر ألِفِها وفتحِ ذالِها، بمعنى: اعْلَمُوا ذلكَ واستيقِنوه، وكونوا على إذنٍ مِن اللهِ لكم بذلك.
وإنما اخْتَرْنا ذلكَ لأنَّ الله جل ثناؤُه إنما أمَرَ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أَن يَنْبِذَ إِلَى مَن أَقامَ على شركِه، الذي لا يُقَرُّ على المُقامِ عليه، وأنْ يَقْتُلَ المرتدَّ عن الإسلامِ منهم بكلِّ حالٍ، إلا أنْ يُراجِعَ الإسلامَ، آذَنَه المشركون بأنهم على حزْبِه أو لمْ يُؤذِنُوه، فإذْ كان المأمورُ بذلك لن يَخلُوَ مِن أحدِ أمريْن؛ إما أنْ يكونَ كان مُشركًا مُقيمًا على شركِه الذي لا يُقَرُّ عليه، أو يكونَ كان مسلمًا فارْتدَّ [عن إسلامِهِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥ فَأُذِن بحربٍ، فأيُّ الأمريْن كان، فإِنَّما نُبِذَ إليه بحربٍ، لا أنّه أُمِرَ بالإيذانِ ¬في ص، ت 1، س: "بالإنذار".¥ بها إن عزَم على ذلك؛ لأنَّ الأمرَ إِنْ كان إليه، فأقام على أكْلِ الرِّبا مُستحِلًّا له، ولمْ يُؤْذِنِ المسلمين ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "المسلمون".¥ بالحربِ، لم يَلْزمْهم حَرْبُه، وليس ذلكَ حُكمَه في واحدةٍ من الحالتين، فقد علِم أنه المأذونُ بالحربِ لا الآذِنُ بها. وعلى هذا التأويلِ تأوَّله أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} إلى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}: فمن كان مقيمًا على الرِّبا لا يَنْزِعُ عنه، فحقٌّ على إمامِ المسلمينَ أنْ يَسْتَتِيبَه، فإِنْ نَزَع، وإِلَّا ضرَب عُنقَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 550 (2919) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 366 إلى ابن المنذر.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كلثومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يقالُ يومَ القيامةِ لآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلاحكَ للحرْبِ ¬تقدم تخريجه في ص 39.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}: أَوْعدَهُم اللهُ بالقتلِ كما تَسْمَعونَ، فجعلَهم بَهْرَجًا ¬البهرج: الشيء المباح، يقال: بهرج دمه: أهدره. التاج (بهرج).¥ أينما ثقِفُوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 550 (2922) من طريق شيبان عن قتادة به.¥.
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قَتادةَ مثلَه.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ} قال: أَوْعدَ ¬بعدها إحالة غير واضحة في الأصل.¥ آكلَ الرِّبا بالقتلِ ¬عزاه ابن كثير في تفسيره 1/ 490 إلى المصنف.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ}: فاسْتَيقنوا بحربٍ منِ اللهِ ورسولِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 366 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 550 عقب الأثر (2922) معلقًا عن ابن جريج، عن ابن عباس.¥.
وهذه الأخبارُ كُلُّها تُنبئُ عن أنّ قولَه: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ} إيذانٌ مِن اللهِ لهم بالحربِ والقتلِ، لا أَمْرٌ لهم بإيذانِ غَيْرِهم بذلك ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}.
يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: {وَإِنْ تُبْتُمْ} فتركتُم أَكْلَ الرِّبا، وأَنَبتُم إِلى اللَّهِ عزّ وجلّ {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}. يعْنى ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥: من الديونِ التي لكم على الناسِ دونَ الزَّيادَةِ التي أحدثْتُمُوها ¬في س: "أخذتموها".¥ على ذلك رِبًا منكم.
كما حدَّثنا ابن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}: [والمالُ] ¬في م: "المال".¥ الذي لهم على ظهورِ الرجالِ، جَعَلَ لهم رُءُوسَ أموالهِم حينَ نزَلتْ هذه الآيةُ، فأمّا الرِّبحُ والفضْلُ فليس لهم، لا ينْبغى لهم أنْ يأخُذوا منه شيئًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 551 (2926) من طريق يزيد به.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنى عَمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشيمٌ ¬في الأصل: "هشام".¥، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: وضَعَ اللهُ الرَّبَا، وجعلَ لهم رُءُوسَ أموالِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 550 (2923) من طريق جويبر به بنحوه.¥.
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أَبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ في قولِه: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}. قال: ما كان لهم من دَينٍ، فجعَل لهم أن يأخُذوا رُءُوسَ أموالِهم، لا يزْدادُوا عليه شيئًا.
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدّيِّ: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}: التي ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "الذي".¥ أَسْلَفْتُم، وسَقَطَ الرِّبا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في خُطْبَتِه يومَ الفتْحِ: "أَلَا إِنَّ رَبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ كُلُّه، وأَوّلُ رِبًا أَبْتَدِئُ بِهِ رِبَا العَبَّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ" ¬لم نقف عليه بهذا الإسناد، وأصل الحديث عند مسلم (1218) من حديث جابر رضي الله عنه، وغيره.¥.
وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في خُطْبتِه بِمنى ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥: "إِنَّ كُلَّ ربًا [في الجَاهِليَّةِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥ مَوْضُوعٌ، وأَوَّلُ رِبًا يُوضَعُ رِبَا ¬في ت 2: "ما".¥ العَبَّاسِ".
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)}.
يَعْني بذلك ¬في ص، م، ت 2، س: "بقوله"، وفي ت 1: "قوله".¥: {لَا تَظْلِمُونَ} بأخْذِكم رُءُوسَ أموالِكم التي كانت لكم قبلَ الإِرْباءِ على غُرَمَائِكم منهم، دونَ أَرْباحِها التي زِدْتُمُوها ربًا على ¬زيادة من: م.¥ مَن أخذْتُم ذلك منه مِن غُرَمائِكم، فتأخُذُوا منهم ما ليس لكم أخْذُه، أوْ لمْ يكنْ لكم قبلُ، {وَلَا تُظْلَمُونَ} يقولُ: ولا الغريمُ الذي يُعطِيكم ذلك دونَ الربحِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "الربا".¥ الذي كنتم ألزَمْتمُوه من أجل الزِّيادةِ في الأجلِ، يَبخَسُكم حقًّا لكم عليه، فيمْنعُكموه؛ لأنَّ ما زادَ على رءوسِ أموالِكم لْم يكنْ حقًّا لكم عليه، فيكونَ بمنعِه إيّاكم ذلكَ ظالمًا لكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابن عباسٍ يقولُ فيه وغيرُه مِن أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قالَ ذلك
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ}: فَتُرْبون، {وَلَا تُظْلَمُونَ} فتَنْقَصُون ¬أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 551 (2930) من طريق أبي صالح به.¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}. قال: لا تُنقَصُونَ مِن أموالِكم، ولا تأخُذونَ باطِلًا لا يَحِلُّ لكم.