تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 282

السورة 2 : الآية 282

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)

› {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا <

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}.
يَعْني بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} يعنى: إذا تبايَعْتم بدَيْنٍ أو اشْتَريتم به، أو تعاطَيْتم، أو أخَذتم به، {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ وقَّتُّموه بينكم، وقد يَدْخُلُ في ذلك القَرْضُ والسَّلَمُ في كلِّ ما جاز السَّلَمُ [فيه؛ لأنَّ السَّلمَ] ¬سقط من ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ شراءٌ أُجِّل بِنَقْدٍ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، "بيعه"، وفي س: "معه".¥ يَصيرُ دَينًا على بائعِ ما أسلم إليه فيه. ويَحْتَمِلُ بيعَ الحاضرِ الجائزِ بيعُه من الأملاكِ بالأثمانِ المُؤَجَّلةِ، كلُّ ذلك من الديونِ المُؤَجَّلةِ إلى أجلٍ مُسَمًّى، إذا كانت آجالُها معلومةً بحدٍّ موقوفٍ عليه. وكان ابن عباسٍ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ في السَّلَمِ خاصَّةً.
ذكرُ الروايةِ عنه بذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى الرَّمْليُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: قال ابن عباسٍ في: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}. قال: السَّلَمُ في الحِنْطةِ، في كَيْلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 495) عن سفيان به. وأصله في الصحيحين وغيرهما من رواية سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس. البخاريّ (2239، 2253)، ومسلم (1604).¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ ¬في الأصل: "المخزومي".¥، قال: ثنا يحيى بنُ الصَّامتِ ¬في م: "الصامح".¥، قال: ثنا ابن المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن أبي حيَّانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن ابن عباسٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} قال: نزَلت في السَّلَمِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ ¬عزاه السيوطي في الدر (1/ 370) إلى عبد بن حميد والمصنف.¥.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يزيد". ينظر تهذيب الكمال (10/ 70).¥ بنُ أبي الزرقاءِ، عن سفيانَ، عن أبي حيَّانَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} في السَّلَفِ ¬في ص، م، س: "السلم".¥ في الحِنْطَةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ ¬أخرجه البيهقي (6/ 18) من طريق سفيان به.¥.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حيانَ التَّيْميِّ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} في السَّلفِ في الحنطةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ ¬في م: "حيان".¥.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن أبي حسَّانَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 554) (2948) من طريق هشام الدستوائي به.¥، عن ابن عباسٍ، قال: أشْهَدُ أن السلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مُسَمًّى، أنّ الله عزّ وجلّ قد أحلَّه، وأذِن فيه. ويتلُو هذه الآيةَ: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "تعريفه".¥.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: {بِدَيْنٍ} وقد دلَّ بقولِه: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} عليه، وهل تكونُ مُداينةٌ بغيرِ دَينٍ فاحْتيج إلى أن يقالَ: {بِدَيْنٍ}؟
قيل: إن العربَ لمَّا كان مقولًا عندَها "تدايَنَّا"، بمعنى: تجازَيْنا. وبمعنى: تعاطَيْنا الأخذَ والإعطاءَ بدَيْنٍ - أبان اللهُ جلّ ثناؤه بقولِه: {بِدَيْنٍ} المعنَى الذي قصَد [تعريفَ عبادِه] ¬سقط من: ص، م، س.¥ من قولِه: {تَدَايَنْتُمْ} حُكْمَه، وأَعْلَمهم أنه [عنى به] ¬¥ حُكْمَ الدَّينِ دونَ حكمِ المُجازاةِ.
وقد زعَم بعضُهم أن ذلك تأكيدٌ، كقولِه: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30، ص: 73]، ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضعِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {فَاكْتُبُوهُ}.
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: {فَاكْتُبُوهُ}: فاكْتُبوا الدَّينَ الذي تدايَنتُموه إلى أجلٍ مُسَمًّى، مِن بيعٍ كان ذلك أو قرضٍ.
واخْتَلف أهلُ العلمِ في اكتتابِ الكتابِ بذلك على مَن هو عليه ¬سقط من: الأصل.¥، هل هوـ واجبٌ أو هو نَدْبٌ؟ فقال بعضُهم: هو حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} قال: مَن باع إلى أجلٍ مُسَمًّى أمَره اللهُ أن يَكْتُبَ، صغيرًا كان أو كبيرًا، إلى أجلٍ مُسَمًّى ¬أخرجه ابن أبي حاتم (2/ 555) (2952) من طريق جويبر به بنحوه.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} قال: فمَن ادَّان دَينًا فَلْيَكْتُبْ، ومَن باع فَلْيُشْهِدْ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 496).¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}: فكان هذا واجبًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 555) (2953) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثِله، وزاد فيه: قال: ثم جاءت الرُّخْصةُ والسَّعَةُ، قال: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (2/ 286)، وأبو حيان في البحر المحيط (2/ 343).¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن أبا سليمانَ المَرْعَشِيَّ ¬في الأصل: "المرعش"، وفي ص: "المدعس"، وفي ت 1، س: "المرعس".¥ كان رجلًا صحِب كعبًا، فقال ذاتَ يومٍ لأصحابِه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربَّه فلم يَسْتَجِبْ له؟ قالوا: وكيف يكونُ ذلك؟ قال: رجلٌ باع [بيعًا إلى أجلٍ مسمًّى] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "شيئا".¥، فلم يَكْتُبْ ولم يُشْهِدْ، فلمَّا حلَّ مالُه جحَده صاحبُه، فدعا ربَّه، فلم يَسْتَجِبْ له؛ لأنه قد عصَى ربَّه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 496) عن قتادة به.¥.
وقال آخرون: كان اكتتابُ الكتابِ بالدَّيْنِ فرضًا، فنسَخه قولُه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا الثوريُّ [ومعمرٌ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥، عن ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لا بأسَ إِذا أَمِنْتَه ألا تَكْتُبَ ولا تُشْهِدَ، لقولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قال ابن عُيينةَ: قال ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّعْبيِّ: إلى هذا انتُهِى ¬تفسير عبد الرزاق (1/ 111)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 570) (3042) عن الحسن به.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} حتى بلَغ هذا المكانَ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} قال: رُخِّص في ذلك، فمَن شاء أن يأْتَمِنَ صاحبَه فَلْيَأْتَمِنْه ¬أخرجه البيهقي (10/ 145) من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 373) إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَمرٍو، عن عاصمٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: إن ائْتَمنه فلا يُشْهِدْ عليه ولا يَكْتُبْ.
حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: فكانوا يَرَوْن أن هذه الآيةَ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} نسَخت ما قبلَها من الكتابةِ والشهودِ، رُخْصَةً ورحمةً من اللهِ ¬أخرجه بنحوه الثورى في تفسيره ص 73، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 571) (3046)، وابن الجوزي في النواسخ ص 221 من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال غيرُ عطاءٍ: نسَخت الكتابَ والشهادةَ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} ¬ينظر النواسخ ص 222.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: نسَخ ذلك قولُه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} قال: فلولا هذا الحرفُ لم ينبغِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يبح".¥ لأحدٍ أن يَدَّانَ بدَيْنٍ إلا بكتابٍ وشهداءَ، أو برَهْنٍ، فلمَّا جاءت هذه نسَخت هذا كلَّه، وصار إلى الأمانةِ ¬ينظر تفسير ابن كثير (1/ 496).¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سليمانَ التيميِّ، قال: سألتُ الحسنَ قلتُ: كلُّ مَن باع بيعًا يَنْبَغِى له أَن يُشْهِدَ؟ فقال: أَلم تَرَ أَن اللَّهَ عزّ وجلّ يقولُ: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ¬أخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 220، 221 من طريق سليمان التَّيْمِيِّ به.¥.
[حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} حتى بلَغ هذا المكانَ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} قال: رُخِّص في ذلك، فمَن شاء أن يَأتَمِنَ صاحبَه فَلْيأْتَمِنْه] ¬تقدم هذا الأثر في الصفحة السابقة، وشيخ المصنف هناك المثنى وهنا محمد بن المثنى.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشَّعْبِيِّ في قولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قال: إن أَشْهَدتَ فَحَزْمٌ، وإن لم تُشْهِدْ ففي حِلٍّ وسَعَةٍ ¬أخرجه البيهقي (10/ 145) من طريق داود به.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: قلتُ للشَّعْبيِّ: أرأيتَ الرجلَ يَسْتَدِينُ ¬في الأصل: "يشترى".¥ من الرجلِ الشيءَ، أحتمٌ عليه أن يُشْهِدَ؟ فقال: [ألا ترى] ¬في م، ت 2: "فقرًا" ومكانها بياض في ص، ت 1، ت 3، س.¥ إلى قولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}؟ قد نسَخ ما كان قبلَه.
حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ العُقَيْليُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ ابن ¬بعده في ت 1، س: "فضالة".¥ أبى نَضْرَةَ، [عن أبيه] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س، وينظر الجرح والتعديل (5/ 370).¥، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ أنه قرَأ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} قال: فقرأ إلى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قال: هذه نسَخت ما قبلَها ¬أخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 222 من طريق عمرو بن علي به. وأخرجه البخاري في التاريخ (1/ 232)، وابن ماجه (2365)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 570) (3041)، والنحاس في ناسخه ص 267، 268، والطبراني في الأوسط (1558)، وابن عدى (6/ 2267)، والبيهقي (10/ 145)، والمزي (18/ 428) من طريق محمد بن مروان العقيلي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 373) إلى أبي نعيم.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ}.
يعني بذلك جل ثناؤه: ولْيكتُبْ كتابَ الدَّينِ إلى الأجلِ المسمَّى بينَ الدائنِ والمدِين {كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} الله يعنى: بالحقِّ والإنصافِ في كتابِه الذي يَكْتُبُه بينهما، بما لا يتحيَّفُ ذا الحقِّ حقَّه، ولا يَبْخَسُه، ولا يُوجِبُ له حُجَّةً على مَن عليه دينُه فيه بباطلٍ، ولا يُلْزِمُه ما ليس عليه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} قال: اتَّقَى الله كاتبٌ في كتابِه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 558) (2969) من طريق يزيد بن زريع به.¥.
وأمَّا قولُه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} فإنه يعنى: ولا يَأْبَيَنَّ كاتبُ اسْتُكْتِب ذلك أن يَكْتُبَ بينهم كتابَ الدَّيْنِ، كما علَّمه اللهُ كتابتَه فخصّه بعلمِ ذلك، وحرَمه كثيرًا مِن خَلقِه.
وقد اخْتَلف أهلُ العلمِ في وجوبِ الكتابةِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الكتاب".¥ على الكاتبِ إذا اسْتُكْتِب ذلك، نظيرَ اختلافِهم في وجوبِ الكتابِة ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الكتاب".¥ على الذي له الحقُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزّ وجلّ: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} قال: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 556) (2959) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 370) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} أواجبٌ ألا يَأْبَي أَن يَكْتُب؟ قال: نعم. قال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15560) عن ابن جريج به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} بمثلِه ¬سقط من: الأصل، ص، س.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ وعطاءٍ قولَه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} قالا: إذا لم يَجِدوا كاتبًا فدُعِيتَ، فلا تأبَ أن تَكْتُبَ لهم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 556) عقب الأثر (2960) معلقا.¥.
ذكرُ مَن قال: هي منسوخةٌ
قد ذكَرْنا جماعةً ممن قال: كلُّ ما في هذه الآيةِ من الأمرِ بالكتابةِ والإشهادِ والرهنِ منسوخٌ بالآيةِ التي في آخرِها. وأَذْكُرُ قولَ مَن ترَكْنا ذكرَه هنالك لبعضِ ¬في ص، م: "ببعض"، وفي س: "ببعض".¥ المعاني.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ} قال: كانت عزيمةً فنسَختها: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 370) إلى المصنف.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ}: فكان هذا واجبًا على الكُتَّابِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم (2/ 557) (2965) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 370) إلى ابن المنذر.¥.
وقال آخَرون: هو على الوجوبِ، ولكنه واجبٌ على الكاتبِ في حالِ فراغِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} يقولُ: لا يأبَ كاتبٌ أن يَكْتُبَ إن كان فارغًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 557) (2962) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الله تبارك وتعالى أمَر المتداينينَ إلى أجلٍ مسمًّى باكتتابِ كُتبِ الدَّينِ بينهم، وأمَر الكاتبَ أن يَكْتُبَ ذلك بينهم بالعدلِ، وأمرُ اللهِ فرضٌ لازمٌ، إلا أن تقومَ حُجَّةٌ بأنه إرشادٌ ونَدْبٌ، ولا دَلالَةَ تَدُلُّ على أن أمَره جلّ ثناؤه باكتتابِ الكتبِ في ذلك، وأن تقدُّمَه إلى الكاتبِ ألا يَأْبَى كتابةَ ذلك - ندبٌ وإرشادٌ، فذلك فرضٌ عليهم لا يَسَعُهم تضْيِيعُه، ومَن ضيَّعه منهم كان حرِجًا بتضيِيعِه.
ولا وجهَ لاعتلالِ مَن اعتلَّ بأن الأمرَ بذلك منسوخٌ بقولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}؛ لأن ذلك إنما أَذِن اللهُ تعالى ذكرُه به حيثُ لا سبيلَ إلى الكتابِ أو إلى الكاتبِ، فأمَّا والكتابُ والكاتبُ موجودان، فالفرضُ - إذا كان الدَّينُ إلى أجلٍ مُسَمًّى - ما أمرَ اللهُ تعالى ذكرُه به في قولِه: {فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} وإنما يكونُ الناسخُ ما لم يَجُزْ اجتماعُ حكمِه وحكمِ المنسوخِ في حالٍ واحدةٍ، على السبيلِ التي قد بيَّنَّاها، فأمَّا ما كان أحدُهما غيرَ نافٍ حكمَ الآخَرِ، فليس من الناسخِ والمنسوخِ في شيءٍ.
ولو وجَب أن يكونَ قولُه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ} ناسخًا قولَه: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ}. لوجَب أن يكونَ قولُه: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] ناسخًا الوضوءَ بالماءِ في الحَضَرِ عندَ وجودِ الماءِ فيه، وفي السفرِ الذي فرَضه اللهُ عز وجل بقولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}. وأن يكونَ قولُه في كفَّارةِ الظِّهارِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4] ناسخًا قولَه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]. فيُسْأَلُ القائلُ: إن قولَ اللهِ عزّ وجلّ: {فَإِنْ أَم
ِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ناسخٌ قولَه: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} - الفرقَ ¬في م: "ما الفرق"، وفي ص، ت 1، ت 2، س: "والفرق".¥ بينَه وبينَ قائلٍ في التيممِ وما ذكَرنا قولَه فزعَم أن كلَّ ما أُبِيح في حالِ الضرورةِ لعلَّةِ الضرورةِ، ناسخٌ حكمُه في حالِ الضرورةِ حكمَه في ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "و".¥ كلِّ أحوالِه، نظيرَ قولِه في أن الأمرَ باكتتابِ كتبِ الديونِ والحقوقِ منسوخٌ بقولِه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}.
فإن قال: الفرقُ بينى وبينه أن قولَه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} كلامٌ منقطعٌ عن قولِه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وقد انتهى الحكمُ في السفرِ إذا عُدِم فيه الكاتبُ بقولِه: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وإِنما عنَى بقولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}: إذا تدايَنْتم بدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمًّى فأمِن بعضُكم بعضًا فَلْيُؤَدِّ الذي اؤْتُمِن أمانتَه.
قيل له: وما البرهانُ على ذلك من أصلٍ أو قياسٍ، وقد انقضى الحكمُ في الدَّيْنِ الذي فيه إلى الكَاتبِ ¬في الأصل: "الكتاب".¥ والكتابِ سبيلٌ بقولِه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}؟
وأمَّا الذين زعَموا أن قولَه: {فَاكْتُبُوهُ} وقولَه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ}. على وجهِ النَّدْبِ والإرشادِ، فإنهم يُسْأَلُون البرهانَ على دعواهم في ذلك، ثم يُعارَضون بسائرِ أمرِ اللهِ عزّ وجلّ الذي أمَر في كتابِه، ويُسْأَلُون الفرقَ بينَ ما ادَّعَوْا في ذلك، وأنْكَروه في غيرِه، فلن يقولوا في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِموا في الآخَرِ مثلَه.
ذكرُ مَن قال: العدلُ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ}: الحقُّ
[حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} يقولُ: بالحَقِّ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 556) (5958) من طريق عمرو به.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا}.
يَعْني بذلك: فَلْيَكْتُبِ الكاتبُ، ولْيُمْلِلِ الذي عليه الحقُّ، وهو الغريمٌ المَدِينُ، يقولُ: ليَتَوَلَّ المَدِينُ إملالَ كتابِ ما عليه من دَيْنِ ربِّ المالِ على الكاتبِ، ولْيَتَّقِ ربَّه المُمْلِى الذي عليه الحقُّ، فَلْيَحْذَرْ عقابَه في بخْسِ الذي له الحقُّ مِن حقِّه شيئًا، أن يَنْقُصَه منه ظلمًا، أو يذهبَ به منه تعدِّيًا، فيُؤْخَذَ به حيث لا يَقْدِرُ على قضائِه إلا من حسناتِه، أو أن يَتَحَمَّلَ من سيئاتِه.
كما حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ}: فكان هذا واجبًا {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} يقولُ: لا يَظْلِمْ منه شيئًا ¬تقدم تخريج أوله في ص 73، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 558) عقب الأثر (2971) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا}. قال: لا يَنْقُصْ من حقِّ هذا الرجلِ شيئًا إِذا أَمَلَّ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أملى".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا}: فإن كان المَدِينُ الذي عليه المالُ {سَفِيهًا}. يعني جاهلًا بالصوابِ في الذي عليه أن يُمِلَّه على الكاتبِ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا}. قال: أمَّا السفيهُ فالجاهلُ بالإملاءِ والأمورِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 559) (5973) من طريق أبي حذيفة به.¥.
وقال آخَرون: بل السفيهُ في هذا الموضعِ الذي عناه اللهُ: الطفلُ الصغيرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسىُ بن هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا}: أمَّا السفيهُ فهو الصغيرُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 559) (2974) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا} قال: هو الصبيُّ الصغيرُ، فَلْيُمْلِلْ وليُّه بالعدلِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 237) إلى المصنف.¥.
وأوْلَى التأويلينِ بالآيةِ تأويلُ مَن قال: السفيهُ في هذا الموضعِ الجاهلُ بالإملاءِ وموضعِ صوابِ ذلك من خطئِه. لما قد بيَّنَّا قبلُ من أن معنى السفَهِ في كلامِ العربِ الجهلُ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 302، 2/ 615.¥.
وقد يَدْخُلُ في قولِه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} كلُّ جاهلٍ بصوابِ ما يُمِلُّ من خطئِه، من صغيرٍ وكبيرٍ، وذكَرٍ وأنثى. غيرَ أن الذي هو أوْلَى بظاهرِ الآيةِ أن يكونَ مرادًا بها كلُّ جاهلٍ بموضعٍ خطأَ ما يُمِلُّ وصوابِه، مِن بالِغِى الرجالِ الذين لا يُوَلَّى عليهم، والنساءِ؛ لأنه جل ذكرُه ابْتَدأ الآيةَ بقولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. والصبيُّ ومَن يُوَلَّى عليه لا يجوزُ مداينتُه، وأن الله عزّ وجلّ قد اسْتَثنى مِن الذين أمَرهم بإملالِ كتابِ الدَّينِ معَ السفيهِ الضعيفَ ومَن لا يستطيعُ إملالَه، ففي فصلِه جلّ ثناؤه الضعيفَ مِن السفيهِ ومَن لا يستطيعُ إملالَ الكتابِ، [في الصفةِ] ¬زيادة من: م.¥ التي وصَف بها كلَّ واحدٍ منهم - ما أَنْبَأ عن أن كلَّ واحدٍ من الأصنافِ الثلاثةِ الذين بيَّن صفاتِهم، غيرُ الصنفينِ الآخَرينِ.
وإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن الموصوفَ بالسَّفَهِ منهم دونَ الضعفِ، هو ذو القُوَّةِ على الإملالِ، غيرَ أنه وُضِع عنه فرضُ الإملالِ بجهلِه بموضعِ صوابِ ذلك مِن خطئِه، وأن الموصوفَ بالضعفِ منهم، هو العاجزُ عن إملالِه، وإن كان سديدًا ¬في ص، م، ت 2، س: "شديدا".¥ رشيدًا، إما لعِيِّ لسانِه أو خَرَسٍ به، وأن الموصوفَ بأنه لا يستطيعُ أن يُملَّ، هو الممنوعُ من إملالِه، إمَّا بالحبسِ الذي لا يَقْدِرُ معَه على حضورِ الكاتبِ الذي يَكْتُبُ الكتابَ فيُمِلُّ عليه، وإِمَّا لغَيْبتِه عن موضعِ الإملالِ، فهو غيرُ قادرٍ مِن أجلِ غَيبتِه عن إملالِ الكتابِ، فوضَع اللهُ عزّ وجلّ عنهم فرضَ إملالِ ذلك؛ للعللِ التي وصَفنا إذا كانت بهم، وعذَرهم بتركِ الإملالِ من أجلِها، وأمَر عندَ سقوطِ فرضِ ذلك عنهم ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "عليهم".¥ وليَّ الحقِّ بإملالِه، فقال: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}: يعنى وليَّ الحقِّ.
ولا وجهَ لقولِ مَن زعَم أن السفيهَ في هذا الموضعِ هو الصغيرُ، وأن الضعيفَ هو الكبيرُ الأحمقُ؛ لأن ذلك - إن كان كما قال - يُوجِبُ أن يكونَ قولُه: {أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ} هو العاجزَ من الرجالِ العقلاءِ - الجائزى الأمرِ في أموالِهم وأنفسِهم - عن الإملالِ، إمَّا لعلةٍ بلسانِه، من خَرَسٍ أو غيرِه من العللِ، وإما لغَيبتِه عن موضعِ الكتابِ. وإذا كان كذلك معناه، بطَل معنى قولِه: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}؛ لأن العاقلَ الرشيدَ لا يُوَلَّى عليه في ¬زيادة من: م.¥ مالِه وإن كان أخرسَ أو غائبًا، ولا يجوزُ حكمُ أحدٍ في مالِه إلا بأمرِه، وفي صحةِ معنى ذلك ما يَقْضِى على فسادِ قولِ مَن زعَم أن السفيهَ في هذا الموضعِ هو الطفلُ الصغيرُ، أو الضعيفُ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ الكبيرُ الأحمقُ.
ذكرُ مَن قال في ذلك ما قلناه
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} يقولُ: وليُّ الحقِّ ¬ذكره القرطبي في تفسيره 3/ 388.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} قال: يقولُ: فإن عيِىَ عن ذلك، أملَّ صاحبُ الدَّينِ بالعدلِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 371) إلى المصنف.¥.
ذكرُ مَن قال: عُنِى بالضعيفِ في هذا الموضعِ: الأحمقُ. وبقولِه: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}: وليُّ السفيهِ والضعيفِ
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ}. قال: أُمِر وليُّ السفيهِ أو الضعيفِ أن يُمِلَّ بالعدلِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 559) عقب الأثر (2975) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدَّيّ: أما الضعيفُ فهو الأحمقُ ¬في الأصل: "الحَمِق".
والأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 559) عقب الأثر (2975) معلقًا.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: أمَّا الضعيفُ فالأحمقُ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "القراءتين"، وفي م: "التأويلين".¥.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا}: لا يَعْرِفُ، فيُثْبِتُ لهذا حقَّه، ويَجْهَلُ ذلك، فوليُّه بمنزلتِه، حتى يَضَعَ لهذا حقَّه.
وقد دَلَّلنا على أَوْلَى القولين ¬¥ بالصوابِ في ذلك.
وأمَّا قولُه: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} فإنه يعنى: بالحقِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤه: واسْتَشْهِدوا على حقوقِكم شاهدينِ.
يقالُ: فلانٌ شهيدى على هذا المالِ، وشاهدِى عليه.
وأمَّا قولُه: {مِنْ رِجَالِكُمْ}. فإنه يعنى: من أحرارِكم المسلمين، دونَ عبيدِكم، ودونَ أحرارِكم الكفَّارِ.
كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}. قال: الأحرارُ ¬تفسير سفيان ص 73، ومن طريقه سعيد بن منصور في سننه (456 - تفسير)، والبيهقي (10/ 161)، وأخرجه ابن أبي شيبة (6/ 78) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 560) (2984) من طريق ليث، عن مجاهد وفيه زيادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 371) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا عليُّ بنُ سعيدٍ ¬في الأصل: "معبد".¥، عن هُشَيْمٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬أخرجه سعيد بن منصور (457 - تفسير) - ومن طريقه البيهقي (10/ 161) - عن هشيم به نحوه.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}.
يَعْني بذلك: فإن لم يكونا رجلين فليكُنْ رجلٌ وامرأتان على الشهادةِ عليه ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥.
ورفْعُ "الرجلِ" و "المرأتين" بالردّ على "الكونِ". وإن شيءتَ قلتَ: فإن لم يكونا رجلين فليشهَدْ رجلٌ وامرأتان على ذلك. وإن شيءتَ: فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان يَشْهَدون عليه. وإن قلتَ: فإن لم يكونا رجلين [فهو رجلٌ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فرجل".¥
وامرأتان. كان صوابًا، كلُّ ذلك جائزٌ. ولو كان: [فرجلًا وامرأتين] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "فرجل وامرأتان".¥. نصبًا، كان جائزًا، على تأويلِ: فإن لم يكونا رجلين فاسْتَشْهدوا رجلًا وامرأتين.
وقولُه: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}. يعنى: من العدولِ المُرتَضَى دِينُهم وصلاحُهم.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}. يقولُ: في الدَّينِ، {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} وذلك في الدَّينِ، {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} يقولُ: عدولٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 371 إلى المصنف مقتصرا على آخره، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 561 (2987) من طريق ابن أبي جعفر به مقتصرا على قوله: وذلك في الدين.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}: أَمَرَ اللهُ أَن تُشْهدوا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "يشهدوا".¥ ذَوَى عدلٍ من رجالِكم ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "رجالهم".¥، {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 561 (2986) من طريق إسحاق به.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}.
اختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الحجازِ والمدينةِ وبعضُ أهلِ العراقِ: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} بفتحِ الألفِ مِن {أَنْ}، ونصبِ {تَضِلَّ} و {فَتُذَكِّرَ} ¬وهي قراءة نافع وعاصم وابن عامر والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 194.¥. بمعنى: فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان، كي تُذَكِّرَ إحداهما الأخرى إن ضلَّت. وهو عندَهم من المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ؛ لأن التذكيرَ عندَهم هو الذي يَجبُ أن يكونَ مكانَ {تَضِلَّ}؛ لأن المعنى ما وصَفنا في قولِهم. وقالوا: إنما نصَبنا {فَتُذَكِّرَ}؛ لأن الجزاءَ لمَّا تقدَّم اتَّصل ¬في ص، س، ت 1، ت 2، ت 3: "أن تضل".¥ بما قبلَه، فصار جوابُه مردودًا عليه، كما تقولُ في الكلامِ: إنه ليُعْجِبُني أن يَسألَ السائلُ فيُعْطَى. بمعنى: إنه ليُعْجِبُني أن يُعْطَى السائلُ إن سأل. أو: إذا سأل. فالذي يُعْجِبُك هو الإعطاءُ دونَ المسألةِ، ولكن قولَه: أن يَسألَ. لمَّا تقدَّم اتَّصل بما قبلَه، وهو قولُه: يُعجِبُني ¬في م: "ليعجبني".¥. ففتَحَ "أن" ¬سقط من: الأصل: ص، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ونصَب بها، ثم أتْبَع ذلك قولَه: فيُعْطَى. فنصَبه بنصبِ قولِه: ل
يُعجِبُني أن يسألَ. نَسْقًا عليه، وإن كان في معنى الجزاءِ.
وقرَأ ذلك آخَرون كذلك، غيرَ أنهم كانوا يقرءونه بتسكينِ الذالِ من (تُذْكِرَ) وتخفيفِ كافِها ¬وهي قراءة ابن كثير وأبى عمرو. المصدر السابق.¥.
وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويلِ قراءتِهم إيَّاه كذلك، وكان بعضُهم يُوَجِّهُه إلى أن معناه: فتُصَيِّرُ إحداهما الأخرى ذكرًا باجتماعِهما. بمعنى أن شهادتَها إذا اجْتَمعت وشهادةَ صاحبتِها، جازت كما تجوزُ شهادةُ الواحدِ من الذكورِ في الدَّينِ؛ لأن شهادةَ كلِّ واحدةٍ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "واحد".¥ منهما منفردةً غيرُ جائزةٍ فيما جازت فيه من الدُّيونِ، إلا باجتماعِ اثنتين على شهادةِ واحدٍ، وتصيرُ شهادتُهما حينئذٍ بمنزلةِ شهادةِ واحدٍ من الذكورِ. فكأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما - في قولِ مُتَأَوِّلى ذلك بهذا المعنى - صيَّرتْ صاحبتَها معها ذَكَرًا، وذهَب إلى قولِ العربِ: لقد أذْكَرتُ بفلانٍ أمُّه، أي: ولَدته ذَكَرًا، فهي تُذْكِرُ به، وهي امرأةٌ مُذكِرٌ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "مذكرة".¥، إذا كانت تَلِدُ الذُّكورَ مِن الأولادِ. وهذا قولٌ يُرْوَى عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه كان يقولُه.
حُدِّثتُ بذلك عن أبي عُبيدٍ القاسمِ بن سلَّامِ أنه قال: حُدِّثتُ عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه قال: ليس تأويل قولِه: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}. من الذِّكْرِ بعدَ النسيانِ، إنما هو من الذَّكَرِ، بمعنى أنها إذا شهِدت مع الأخرى صارت شهادتُهما كشهادةِ الذَّكَرِ ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 293، والقرطبي في تفسيره 3/ 397.¥.
وكان ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "قال".¥ آخَرون منهم يُوَجِّهونه إلى أنه بمعنى الذِّكْرِ بعدَ النسيانِ.
وقرَأ ذلك آخرون ¬هو حمزة. ينظر السبعة الموضع السابق.¥: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}. بكسرِ (إن) مِن قولِه: (إِنْ تَضِلَّ)، ورفعِ (تُذَكِّرُ) [وتشديدِ كَافِه] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3 س: "وتشديده كأنه".¥، بمعنى ابتداءِ الخبرِ عمَّا تَفْعَلُ المرأتان إن نسِيت إحداهما شهادتَها [وذكَّرتها] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت: "وذكرها"، وفي م: "تذكرها".¥ الأخرى، من تثبيتِ الذاكرةِ الناسيةَ [وتذكيرِها] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "وتنكيرها".¥ ذلك، وانقطاعِ ذلك عما قبلَه.
ومعنى ذلك ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الكلام".¥ عندَ قارئى ذلك كذلك: واسْتَشْهِدوا شهيدين من رجالِكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجلٌ وامرأتان ممَّن تَرْضَوْن من الشهداءِ، فإنَّ إحداهما إن ضلَّت ذَكَّرتها الأخرى. على استئنافِ الخبرِ عن فعلِهما ¬في ص، م، ت 2، ت 3، س: "فعلها".¥ إن نسِيت إحداهما شهادتَها، مِن تذكيرِ الأخرى منهما صاحبتَها الناسيةَ.
وهذه قراءةٌ كان الأعمشُ يَقْرَؤُها ¬ينظر البحر المحيط 2/ 348.¥ ومَن أخَذها عنه، وإنما نصَب الأعمش (تَضِلَّ)؛ لأنها في محلِ جزمٍ بحرفِ الجزاءِ، وهو (إن). فتأويلُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "تأويله".¥ الكلامِ على قراءتِه: إن تَضْلِلْ. فلمَّا انْدَغَمت إحدى اللاميْنِ في الأخرى، حرَّكَها إلى أخفِّ الحركاتِ، ورفَع ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س: "وقع".¥ (تذكِّرُ) بالتاءِ ¬في م: "بالفاء".¥؛ لأنه جوابُ الجزاءِ بالفاءِ ¬سقط من: م.¥.
والصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ {أَنْ} من قولِه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا}. وبتشديدِ الكافِ من قولِه: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}. ونصبِ الراءِ منه، بمعنى: فإن لم يكونا رجلين، فَلْيَشْهَدْ رجلٌ وامرأتان، كي إن ضلَّت إحداهما ذكَّرتها الأخرى.
وأمَّا نصبُ {فَتُذَكَّرَ} فبالعطفِ على {تَضِلَّ}، وفُتِحت {أَنْ} لحُلُولِها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بحلولها".¥ محلَّ "كى"، وهي في موضعِ جزاءٍ، والجوابُ بعده، اكتفاءً بفتحِها، أعنى بفتح {أَنْ} من "كى"، ونسَق بالثاني، أعنى {فَتُذَكِّرَ} على {تَضِلَّ}؛ ليُعْلَمَ أن الذي قام مقامَ ما كان يَعْمَلُ فيه وهو ظاهرٌ، قد دلَّ عليه وأدَّى عن معناه وعملِه، أعنى ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أي".¥ عن "كى".
وإنما اخترنا ذلك في القراءةِ لإجماعِ الحجَّةِ من قُدَماءِ القَرَأةِ والمتأخرين على ذلك، وانفرادِ الأعمشِ ومَن قرَأ قراءتَه في ذلك بما انْفَرد به عنهم، ولا يجوزُ تركُ قراءةٍ جاء بها المسلمون مستفيضةً بينهم إلى غيرِها.
وأمَّا اختيارُنا {فَتُذَكِّرَ} بتشديدِ الكافِ؛ فلأنه بمعنى ترديدِ ¬في ص، ت 2، ت 3: "تودية"، وفي م: "تأدية"، وفي س: "درية".¥ الذِّكْرِ من إحداهما على الأخرى، وتعريفِها إيَّاها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بإنهاء".¥ ذلك لتَذْكُرَ، فالتشديدُ به أوْلى من التخفيفِ.
وأمَّا ما حُكِى عن ابن عُيَيْنَةَ من التأويلِ الذي ذكَرناه، فتأويلٌ خطأٌ لا معنى له؛ لوجوهٍ شتى: أحدُها: أنه خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ.
والثاني: أنه معلومٌ أنَّ ضلالَ إحدى المرأتين في الشهادةِ التي شهِدت عليها، إنما هو ذهابُها ¬في ص، ت 1، س: "خطابها"، وفي م: "خطؤها".¥ عنها ونسيانُها إيَّاها، كضلالِ الرجلِ في دينِه، إذا تحيَّر فيه فعدَل عن الحقِّ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفةِ، فكيف يجوزُ أن تُصيِّرَها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "تصير".¥ الأخرى ذَكَرًا معها، مع نسيانِها شهادتها وضلالِها فيها، والضالَّةُ منهما في شهادتِها حينئذٍ لا شكَّ أنها إلى التذكيرِ أحوجُ منها إلى الإذكارِ. إلا أن يكونَ أراد أن الذاكرةَ إذا ضعُفت صاحبتُها عن ذكر شهادتِها، شحَذَتها ¬في م: "ستجرئها"، وفي ت 1: "ستجدها". وشحذتها: قوتها. التاج (ش ح ذ).¥ على ذكرِ ما ضعُفت عن ذكرِه فنسِيته، فقوَّتها ¬في ص، ت 1: "فقوته".¥ بالذكرِ، حتى صيَّرتها كالرجلِ في قوَّتِها في ذكرِ ما ضعُفت عن ذكرِه من ذلك، كما يقالُ للشيءِ القويِّ في عملِه: ذَكَرٌ. وكما يقالُ للسيفِ الماضي في ضربتِه: سيفٌ ذَكَرٌ. ورجُلٌ ذَكَرٌ، يُرادُ به ماضٍ في عملِه، قويُّ البطشِ، صحيحُ العزمِ. فإن كان ابن عُيينةَ هذا أراد، فهو مذهبٌ من مذاهبِ تأويلِ ذلك، إلا أنه إذا تُؤوِّل كذلك، صار تأويلُه إلى نحوِ تأويلِنا الذي تَأَو
َّلْناه فيه، وإن خالَفت القراءةُ بذلك المعنى القراءةَ التي اخْتَرناها، بأن تصيرَ ¬في ص: "يعين"، وفي م، ت 1: "تغير".¥ القراءةُ حينئذٍ الصحيحَ ¬في ص، م، ت 2، س: "الصحيحة".¥ بالذي اختار قراءتَه من تخفيفِ الكافِ من قولِه: (فَتُذْكِرَ). ولم نَعْلَمْ أحدًا تأوَّل ذلك كذلك، فنسْتَجِيزَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3 س: "ويستحب".¥ قراءتَه كذلك بذلك المعنى.
فالصوابُ في قراءتِه ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "قوله".¥ إذا كان الأمرُ على ما وصفنا ما اخْتَرْنا ¬في الأصل: "أخبرناه"، وفي س: "أخذناه".¥.
ذكرُ من تأوَّل قولَه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}. نحوَ تأويلنِا الذي قلنا فيه
حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}: علِم اللهُ أن ستكونُ حقوقٌ، فأخَذ لبعضِكم ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "لبعضهم".¥ من بعضٍ الثقةَ، فخُذوا بثقةِ اللهِ، فإنه أطوعُ لربِّكم، وأدرَكُ لأموالِكم، ولعَمْرِي لئن كان تقيًّا لا يَزِيدُه الكتاب إلا خيرًا، وإن كان فاجرًا فبالحَرَى أن يُؤَدِّيَ إذا علم أن عليه شُهودًا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}. يقولُ: أن تنسى إحداهما فتُذَكِّرَها الأخرى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 562 عقب الأثر (2992) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني موسىُ بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا}. يقولُ: تنسى إحداهما الشهادةَ، فَتُذكِّرَها الأخْرَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 562 عقب الأثر (2992) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا}. يقولُ: أن تَنْسَى إحداهما فَتُذَكِّرَها الأخرى ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 562 عقب الأثر (2992) معلقا.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}. قال: [إن أخطأتِ الشهادةَ فذكَّرتها الأُخرى. قال: و (تُذَكِّرُ)، فـ (تُذكِرُ) قال] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥: كلاهما لغةٌ، وهما سواءٌ، ونحن نَقْرَأُ: {فَتُذَكِّرَ}.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي نَهى اللهُ الشهداءَ عن إباءِ الإجابِة إذا دُعوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: معناه: ولا يَأْبَ الشهداءُ أَن يُجيبوا إِذا دُعُوا لِيَشْهَدُوا على الكتابِ والحقوقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}: كان الرجلُ يَطُوفُ في الحِواءِ ¬الحواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، والجمع: أحوية. النهاية 1/ 465.¥ العظيمِ فيه القومُ، فيَدْعُوهم إلى الشهادةِ، فلا يَتْبَعُه أحدٌ منهم. قال: وكان قتادةُ يَتَأَوَّلُ هذه الآيةَ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. ليَشْهَدُوا لرجلٍ على رجلٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى عبد بن حميد.¥.
حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: كان الرجلُ يَطُوفُ في القومِ الكثيرِ، يَدْعُوهم ليُشْهِدَهُم ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "ليشهدوا".¥، فلا يَتْبَعُه أحدٌ منهم، فأنْزَل الله عزّ وجلَّ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 (3001) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: لا تَأْبَ أَن تَشْهَدَ إِذا دُعِيت إلى شهادة ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 110.¥.
وقال آخرون بمثلِ معنى هؤلاءِ، إلا أنهم قالوا: إنما ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ يجِبُ فرضُ ذلك على مَن دُعِى للإشهادِ على الحقوقِ إذا لم يُوجَدْ غيرُه، فأما إذا وجِد غيرُه، فهو في الإجابةِ إلى ذلك مُخَيرٌ، إن شاء أجاب وإن شاء لم يُجِبْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، قال: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: إن شاء شهدِ، وإن شاء لم يَشْهَدْ، فإذا لم يوجَدْ غيرُه شهِد ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 72 من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 (2999) من طريق جابر به¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا للشهادةِ على مَن أراد الداعي إشهادَه عليه، وللقيامِ بما عندَه من الشهادةِ من الإجابةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن الحسنِ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: قال الحسنُ: الإقامةُ والشهادةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}: كان الحسنُ يَقُولُ: جَمَعَت أمرين: لا تَأْبَ إِذا كانت عندَك شهادةٌ أن تَشْهَدَ، ولا تَأبَ إذا دُعيتَ إلى شهادةٍ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 110.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. يَعْنى: مَن احتيج إليه من المسلمين شهِد على شهادةٍ، أو ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "إن".¥ كانت عنده شهادةٌ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥، فلا يَحِلُّ له أن يَأبى إذا ما دُعِى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 (3002)، والبيهقي 10/ 160 من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، عن يُونسَ، عن الحسنِ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: لإقامتِها [ولابتدائِها] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "ولا يبدأ بها"، وفي م: "ولا يبذأ بها"، وفي س: "ولا تبدأ بها".¥، إذا دعَاه ليُشْهِدَه، وإذا دعاه ليُقيمها ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 71 من طريق يونس به.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا للقيامِ بالشهادةِ التي عندَهم للداعى، من إجابتِه إلى القيامِ بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: إذا شهِد.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: إذا كانوا قد شهِدوا قبل ذلك ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 73 من طريق ابن أبي نجيح به.¥.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. يَقُولُ: إذا كانوا قد شهِدُوا ¬في الأصل، ص، م، ت 1: "أشهدوا".
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 73 عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 110 عن سفيان به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: إذا كانت عندَك شهادةٌ فدُعيتَ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (462 - تفسير)، وابن أبي شيبة 7/ 70 عن ابن علية به، ولفظ ابن أبي شيبة: فقد دعيت.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: إذا كانت عندَك ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ شهادةٌ فأقِمْها، فإذا دُعيت لتَشْهَدَ، فإن شيءتَ فاذْهَبْ، وإِن شيءتَ فلا تَذْهَبْ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 عقب الأثر (2999) معلقًا.¥.
حدثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاح، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س: "جرير".¥، قال: قُلْتُ لأبي مِجْلَرٍ: ناسٌ يَدْعُونَنى لأشْهَدَ بينَهم، وأنا أَكْرَهُ أَن أَشْهَدَ بينَهم؟ قال: دَعْ ما تَكْرَهُ، فإذا أُشْهِدْتَ ¬في م: "شهدت".¥ فأجِبْ إذا دُعِيت ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 71، 72 من طريق عمران به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: الشاهدُ بالخيارِ ما لم يُشْهَدْ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 72 عن وكيع به وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 (3000) من طريق جابر به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن عكرمةَ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: لإقامةِ الشهادةِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (460 - تفسير) عن هشيم به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن أبي عامرٍ، عن عطاءٍ، قال: في إقامةِ الشهادةِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (459 - تفسير) عن هشيم به.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا أبو عامرٍ المزنيُّ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: ذلك في إقامةِ الشهادةِ. يعنى قولَه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا أبو حُرَّةً ¬في م، س: "مرة".¥، أخبرَنا عن الحسنِ أنه سأَله سائلٌ قال: أُدْعَى إلى الشهادةِ وأنا أكْرَهُ أن أَشْهَدَ عليها؟ قال: فلا تُحِبْ إِن شيءتَ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (465 - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15562) من طريق أبي حرة به.¥.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةً، قال: سأَلتُ إبراهيم قلتُ: أُدْعَى إلى الشهادةِ وأنا أخافُ أن أنسى؟ قال: فلا تَشْهَدْ إن شيءتَ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15561)، وسعيد بن منصور في سننه (464 - تفسير) عن هشيم به.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن عطاءٍ، قال: للإقامةِ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَريكٍ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: إذا كانوا قد شَهِدوا ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (461 - تفسير) عن شريك به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: هو الذي عندَه الشهادةُ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 72، والبغوى في الجعديات (2181) من طريق شريك به.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. يقولُ: لا يَأْبَ الشاهدُ أن يَتَقدمَ فَيَشْهَدَ إذا كان فارِغًا ¬ذكره أبو حيان في البحر المحيط 2/ 350 بنحوه.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: هم الذين قد شهدوا. قال: ولا يَضُرُّ إنسانًا أن يأبى أن يَشْهَدَ إن شاء. قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ما شأنُه إِذا دُعِى أَن يَكْتُبَ وجَب عليه ألا يأبى، وإذا دُعِى أن يَشْهَدَ لم يَجِبْ عليه أن يشهد إن شاء؟ قال: كذلك يَجِبُ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ، ولا يَجِبُ على الشاهِدِ أَن يَشْهَدَ إِن شاء، الشهداءُ كثيرٌ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15560) عن ابن جريج به مختصرًا.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: إذا شهِد فلا يَأْبَ إِذا دعِى أَن يَأْتِيَ يُؤَدِّي شَهادتَه ويُقيمُها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 562 (2997) من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد، عن زيد بن أسلم بنحوه.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ}. قال: كان الحسنُ يتأوَّلُها: إذا كانت عنده شهادةٌ فدُعِى ليُقيمَها ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - 463) من طريق يونس، عن الحسن بنحوه.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}، قال: إذا كتب الرجلُ شهادَتَه، أو أُشْهِدَ الرجلُ فشهِد، والكاتبُ الذي يَكْتُبُ الكتابَ، إذا دُعُوا إلى مقطعِ الحقِّ، فعليهم أن يُجيبوا، وأن يَشْهَدوا بما أُشْهدُوا عليه ¬ذكره أبو حيان في البحر المحيط 2/ 350.¥.
وقال آخرون: هو أمرٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ الرجلَ والمرأةَ بالإجابة إذا دُعِى ليَشْهَدَ على ما لم يُشْهَدْ عليه من الحقوقِ ابتداءً، لا لإقامةِ الشهادةِ، ولكنه أمرُ ندْبٍ لا فرضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو العالية العبديُّ إسماعيلُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. قال: أمِرت أن تَشْهَدَ، فإن شيءتَ فاشْهَدْ، وإن شيءت فلا تَشْهَدْ.
حدَّثني أبو العاليةِ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، عن محمدِ بن ثابتٍ العبديِّ ¬في النسخ: "العصرى". والمثبت من سنن سعيد بن منصور. وينظر تهذيب الكمال 24/ 554.¥، عن عطاءٍ بمثلِه ¬أخرجه سعيد بن منصور في سنته (458 - تفسير)، وابن أبي شيبة 7/ 72 من طريق محمد بن ثابت به.¥.
وأولى هذه الأقوالِ بالصواب قولُ مَن قال: معنى ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ مِن الإجابةِ إذا دُعُوا لإقامةِ الشهادةِ وأدائِها عندَ ذي سلطانٍ أو حاكمٍ، يَأْخُذُ مِن الذي عليه ما عليه للذي هو له.
وإنما قُلْنا: هذا القولُ بالصوابِ أولى في ذلك مِن سائرِ الأقوالِ غيرِه؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. فإنما أمَرهم بالإجابةِ للدعاءِ للشهادةِ، وقد ألزَمهم اسمَ الشهداءِ، وغيرُ جائزٍ أن يُلْزِمَهم اسمَ الشهداءِ إلا وقد اسْتُشهدوا قبلَ ذلك، فشهِدوا على ما لزِمَهم بشهادتِهم عليه اسمُ الشهداءِ، فأما قبلَ أن يُسْتَشْهَدُوا فيشهَدوا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ [على شيءٍ] ¬في س: "قبل".¥، فغيرُ جائزٍ أن يُقَالَ لهم: شهداءُ، لأن ذلك الاسمَ لو كان يَلْزَمُهم ولمَّا يُسْتَشْهَدُوا على شيءٍ يَسْتَوجِبُون بشهادتِهم عليه هذا الاسمَ، لم يكنْ على الأرضِ أحدٌ له عقلٌ صحيحٌ إلا وهو مُسْتَحِقٌّ أن يُقالَ له ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥: شاهدٌ. بمعنَى أنه سيَشْهَدُ، أو أنه يَصْلُحُ لأنْ يَشْهَدَ، فَإِنْ كان خطأً أن يُسَمَّى بذلك الاسمِ إلا مَن عنده شهادةٌ لغيرِه، أو مَن قد قام بِشهادةٍ فلزِمه لذلك هذا الاسمُ، كان معلومًا أن المعنيَّ بقولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} مَن وصَفْنا صفته، ممن قد اسْتُرعِىَ شهادةً أو شهِد فدُعِى إلى القيامِ بها؛ لأن الذي لم يُسْتَشْه
َدْ ولم يُسْتَرعَ شهادةً قبلَ الإشهادِ، غيرُ مستحقٍّ اسمَ شهيدٍ ولا شاهدٍ؛ لما قد وصَفنا قبلُ.
مع أنّ في دخُولِ الألفِ واللامِ في {الشُّهَدَاءُ} دلالةً واضحةً على أنَّ المعْنِيَّ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "المسمى".¥ بالنهيِ عن تركِ الإجابةِ للشهادةِ، أشخاصٌ معلُومُون قد عُرِفوا بالشهادةِ، وأنهم الذين أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ أهلَ الحقوق باستشهادِهم بقولِه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم إنما أُمِرُوا بإجابةِ داعيهم لإقامةِ شهادتِهم بعدَ ما اسْتُشْهِدُوا فشَهِدوا، ولو كان ذلك أمرًا لمن اعْتُرِض مِن الناسِ، فدُعِى إلى الشهادةِ يَشْهَدُ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فشهد".¥ عليها، لقيل: ولا يَأْبَ شاهدٌ إذا ما دُعِى.
غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن الذي نقولُ به في الذي يُدْعَى لِشهادةٍ يَشْهَدُ عليها إذا كان بموضعٍ ليس به سواه ممّن يَصْلُحُ للشهادةِ، فإن الفرضَ عليه إجابةُ داعِيه إليها، كما فَرْضٌ على الكاتبِ إذا اسْتُكتب بموضعٍ لا كاتبَ به سواه، ففَرْضٌ عليه أن يَكْتُبَ، كما فَرْضٌ على مَن كان بموضعٍ لا أحدَ به سواه يَعْرِفُ الإيمانَ وشرائعَ الإسلامِ، فحضَره جاهلٌ بالإيمان وبفرائضِ اللهِ، فسأله تعليمَه وبيانَ ذلك له أن يُعَلِّمَه وبيِّنَه له. ولم نُوجبْ ما أوجَبْنا على الرجلِ مِن الإجابةِ للشهادةِ إذا دُعى ابتداءً لِيَشهد على ما يُسْتَشهدُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أشهد".¥ عليه بهذه الآيةِ، ولكن بأدلةٍ سواها، وهي ما ذكَرْنا. [وإنَّ] ¬في م: "وقد".¥ فرضًا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فرضنا".¥ على الرجلِ إحياءُ ما قدَر على إحيائِه من حقِّ أخيه المسلمِ.
والشهداءُ جمعُ شهيدٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤه: ولا تَسْأموا أيّها الذين تُداينون الناسَ إلى أجلٍ أن تَكْتُبوا صغيرَ الحقِّ، يعْني قليلَه، أو كبيرَه، يَعْني: أو كثيرَه، {إِلَى أَجَلِهِ}، يعنى ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥: إلى أجلِ الحقِّ، فإن الكتابَ أحْصَى ¬في حاشية الأصل: "في الأم: إحصاء".¥ للأجلِ والمالِ.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ}. قال: هو [الحَقُّ الذي بينَهما] ¬سقط من: م.¥، الدَّينُ.
ومعنى قولِه: {وَلَا تَسْأَمُوا}: لا تَمَلُّوا. يقالُ منه: سئِمتُ فأنا أَسْأَمُ سآمةً وسَأْمةٌ، ومنه قولُ لَبيدٍ ¬ديوانه ص 35.¥:
ولقد سَئِمْتُ مِن الحياةِ وطُولِها ... وسؤالِ هذا الناسِ: كيف لَبيدُ
يعْني: ملَلتُ.
وقولُ زهيرٍ ¬شرح ديوانه ص 29.¥:
سَئِمْتُ تكاليف الحياة ومن يَعِشْ ... ثمانينَ حَوْلًا ¬في ص، ت 1، س: "عاما".¥ لا أبا لَكَ يَسْأَمِ
وقال بعضُ نحويِّي البصريين: تأويلُ قولِه: {إِلَى أَجَلِهِ}: إلى أجلِ الشاهِدِ. ومعْناه: إلى الأجلِ الذي لا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ تجُوزُ شهادتُه فيه.
وقد بينَّا القولَ [في ذلك] ¬في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3، س: "فيه" وينظر ما تقدم في ص 69 وما بعدها.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}.
يعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {ذَلِكُمْ}: اكتتابُ كتابِ الدَّيْنِ إلى أجلِه. ويعنى بقولِه: {أَقْسَطُ}: أعدلُ عندَ اللهِ. يُقال منه: أقسَط الحاكمُ فهو يُقْسِطُ إقساطًا وهو مُقْسِطٌ. إذا عدَل في حكمِه، وأصاب الحقَّ فيه. فإذا جار، قيل: قسَط فهو يَقْسِطُ قُسوطا؛ ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15]. يعنى الجائرين.
وبمثل ما قُلْنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}. يقولُ: أعدلُ عندَ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 564 (3007) من طريق عمرو به.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤه: وأصوبُ للشهادةِ. وأصلُه مِن قولِ القائلِ: أقمتُه مِن عِوَجه. إذا سوَّيتَه فاستوَى.
وإنما كان الكتابُ أعدلَ عندَ اللهِ، وأصوبَ لشهادةِ الشهودِ على ما فيه؛ لأنه يَحْوِى الألفاظَ التي أقرَّ بها البائعُ والمشترى وربُّ الدَّينِ، والمستدينُ على نفسِه، فلا يَقَعُ بين الشهودِ اختلافٌ في ألفاظِهم بِشهاداتِهم؛ لاجتماعِ شهاداتِهم على ما حواه الكتابُ، وإذا اجتمَعت شهاداتُهم على ذلك، كان فصلُ الحكمِ بينَهم أبْيَن لمن احْتُكِم إليه مِن الحكامِ، مع غيرِ ذلك مِن الأسبابِ، وهو أعدلُ عندَ اللهِ؛ لأنه قد أمرَ، به، واتباعُ أمرِ اللهِ لا شكَّ أنه عندَ اللهِ أقسطُ وأعدلُ مِن تركِه والانحرافِ عنه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا}.
يعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {وَأَدْنَى}: وأقربُ، من الدُّنُوِّ وهو القربُ.
ويَعْنى بقولِه: {أَلَّا تَرْتَابُوا}: مِن ألا تَشُكُّوا في الشهادةِ.
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ذلك {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا}. يقولُ: ألا تشكُّوا في الشهادةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 565 عقب الأثر (3012) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وهو "تفتعلوا" ¬في ص، س: "تفعيل"، وفي م: "تفتعل".¥ من الرِّيبةِ.
ومعنى الكلامِ: ولا تمَلُّوا أيُّها القومُ أن تَكْتُبوا الحقَّ الذي لكم قِبَلَ مَن دايَنتُموه مِن الناسِ إلى أجلٍ، صغيرًا كان ذلك الحقُّ [أو كبيرًا] ¬في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2 ت 3: "قليلًا أو كثيرًا"، وكتب مقابله في حاشية الأصل: "كبيرًا".¥، فإن كتابَكم ذلك أعدلُ عندَ اللهِ، وأصوبُ لشهادةِ شهودِكم عليه، وأقربُ لكم ألا تشكُّوا فيما يشهدُ به شهودُكم عليكم مِن الحقِّ والأجلِ إذا كان مكتوبًا.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ [تِجَارَةً حَاضِرَةً] ¬ضبطها في الأصل: "تجارةُ حاضرةٌ". بالرفع، وهي القراءة التي اختارها المصنف كما سيأتي.¥ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا}.
ثم استثنى جلَّ ثناؤه مما نهاهم أن يَسْأَموه من اكتتابِ كتبِ حقوقِهم على غرمائِهم من الحقوقِ التي لهم عليهم، ما وجَب لهم قِبَلَهم من حقٍّ، عن مبايعةٍ بالنقودِ الحاضرةِ يدًا بيدٍ، فرخَّص لهم في تركِ اكتتابِ الكتبِ بذلك؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم، أعنى مِن الباعةِ والمشترين، يَقْبِضُ إذا كان التواجبُ بينهم فيما تبايعوه ¬في ص، م، ت 2، ت 3: "يتبايعونه"، وفي ت 1، س: "يبايعونه".¥ نقدًا ¬في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3 س: "بعد".¥، ما وجَب له قِبَلَ مُبايعيه قبلَ المفارقةِ، فلا حاجةَ بهم في ذلك إلى اكْتِتابِ أحدِ الفريقَين على الفريقِ الآخرِ كتابًا بما وجَب لهم قِبلَهم، وقد تقابَضوا الواجبَ لهم عليهم، فلذلك قال تعالى ذكرُه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}. لا أجلَ فيها ولا تأخيرَ ولا ثُنيا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت: "نساء"، وفي س: "شيا".¥، {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا}. يقولُ: فلا حرجَ عليكم ألا تَكْتُبوها. يعنى التجارةَ الحاضرةَ.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}. يقولُ: معكم بالبلدِ تديرونها ¬في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3: "ترونها".¥، فتأخُذُ وتُعطِى، فليس على هؤلاء جناحٌ ألا يَكْتُبوها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 565 (3015) من طريق عمرو به مختصرا.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} إلى قولِه: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا}. قال: أَمَر اللهُ أَلا تَسْأَموا أن تَكْتُبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجلِه، وأمَر ما كان يدًا بيد أن يُشْهدَ عليه؛ صغيرًا كان أو كبيرًا، ورخَّص لهم ألا يَكْتُبوه ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 566 عقب الأثر (3020) معلقًا.¥.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته قرأةُ الحجازِ والعراقِ وعامةُ القرأةِ: (إلا أن تَكُونَ تجارَةٌ حَاضِرَةٌ) بالرفعِ ¬زيادة من: م. وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 194.¥. وانْفَرد بعضُ قرأةِ الكوفيين بقراءتِه ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3 "فقرأته"، وفي م: "فقرأه".¥ بالنصبِ، [فقرأ: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً}] ¬سقط من: م، س.
وقراءة النصب هي قراءة عاصم. المصدر السابق.¥. وذلك وإن كان جائزًا في العربيةِ، إذ كانت العربُ تَنْصِبُ النكراتِ المَنْعوتاتِ ¬في ص: "المبعوثان"، وفي م، ت 2: "والمنعوتات"، وفي س: "المتبوعات".¥ مع "كان"، وتُضْمِرُ معها في "كان" مجهولًا، فتقولُ: إن كان طعامًا طيبًا فأتِنا به. وتَرْفَعُها فتَقولُ: إن كان طعامٌ طيبٌ فأْتِنا به. فتُتْبِعُ النكرةَ خبرَها بمثلِ إعرابِها - فإن الذي أخْتارُ من القراءةِ، ثم لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بغيرِه، الرفعُ في "التجارة الحاضرة"؛ لإجماع القرأةِ على ذلك، وشذوذِ مَن قرَأ ذلك نَصْبًا عنهم، ولا يُعْتَرَضُ بالشاذِّ على الحُجَّةِ ¬قراءة النصب متواترة كقراءة الرفع.
وقد قال أبو جعفر النحاس: السلامة عند أهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال: أحدهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيأثم من قال ذلك، وكان رؤساء الصحابة رضي الله عنهم ينكرون مثل هذا. البرهان للزركشى 1/ 340.¥. ومما جاء نصبًا ¬بعده في ص: "في ذلك".¥ قولُ الشاعرِ ¬معاني القرآن للفراء 1/ 186.¥:
أعَينيَّ هَلَّا تَبْكيانِ عِفَاقَا ¬عفاق: اسم رجل أكلته باهلة في قحط أصابهم. اللسان (ع ف ق).¥ ... إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا
وقولُ الآخرِ ¬معاني القرآن للفراء 1/ 186، ونسبه سيبويه في الكتاب 1/ 47 إلى عمرو بن شأس، ورواية الشطر الأول مختلفة عما هنا، ونسبه في اللسان (ك و ن) إلى مقاس العائذى باختلاف أيضًا في الشطر الأول، والشطر الثاني بالرفع.¥:
وللَّهِ قَومى أَيُّ قَوْمِ لِحُرَّةٍ ... إذا كان يَوْمًا ذا كواكبَ أَشْنَعا
وإنما تَفْعَلُ العرب ذلك في النكراتِ؛ لما وصَفْنا من إتْباعِ أخبارِ النكِراتِ أسماءها، و"كان" من حكمِها أن يَكونَ معها مرفوعٌ ومنصوبٌ، فإذا رفَعوهما جميعًا ¬في ص: "جميعها"، وفي م: "جميعهما".¥ تذَكَّروا إتْباعَ النكرةِ خبرَها، وإذا نصبوها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "نصبوهما"¥ تذكَّروا صُحبة "كان" مرفوعٍ ومنصوبٍ، ووجَدوا النكرةَ يَتْبَعُها خبرُها، فنصَبوا النكرةَ وأتبعوها خبرها] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥، وأضْمَروا في "كان" مجهولًا؛ لاحتمالها الضميرَ.
وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أن مَن قرَأ ذلك: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً}. إنما قرَأه على معنَى: إلا أن يَكونَ الدَّيْنُ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ تجارةً حاضرةً. فزعَم أنه كان يَلْزَمُ قارئ ذلك أن يَقْرأ: يكون بالياءِ، وأغْفَل موضعَ صوابِ قراءتِه مِن جهةِ الإعرابِ، وألْزَمه غيرَ ما يَلْزَمُه. وذلك أن العربَ إذا ذكروا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "جعلوا".¥ مع "كان" نكرةً مؤنثًا بنعتِها أو خبرِها، أنَّثوا "كان" مرةً، وذكَّروها أخرى، فقالوا: إن كانت جاريةٌ صغيرةٌ فاشترُوها، وإن كان جاريةٌ صغيرةٌ فاشْتَرُوها، [وإن كانت جاريةً صغيرةً فاشترُوها، وإن كان جاريةً صغيرةً فاشترُوها] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥. تُذَكَّرُ "كان" - وإن نُصبت النكرةُ المنعوتةُ أو رُفِعت - أحيانا، وتُؤنَّثُ أحيانا.
وقد زعم بعضُ نحويى البصرةِ أن قولَه: (إلا أنْ تَكونَ تجارَةٌ حاضرةٌ). مرفوعةٌ فيه التِّجارةُ الحاضِرةُ لأنَّ "تكون" بمعنى التَّمامِ، ولا حَاجةَ بها إلى الخَبرِ، بمعنى: إلا أن تُوجد أو تقع أو تحدُثَ. فألزَم نفسه ما لم يكنْ لها لازمًا؛ لأنه إنما ألزَم نفسَه ذلك، إذ لم يكنْ يجدُ لـ "كان" منصُوبًا، ووجَد التجارةَ الحاضرةَ مرفُوعةً، وأغفَلَ جَوازَ قولِه: {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} أن يكون خبرًا لـ"كان"، فيسْتَغْنى بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم.
والذي قال مَن حَكَيْنا قولَه من البصريين غيرُ خطأ في العربيَّةِ، غير أنَّ الذي قلناه بكلامِ العرب أشبهُ، وفي المعنى أصَحُّ، وهو أن يكونَ في قولِه: {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}. وجهان؛ أحدُهما، [أنه في موضع نصبٍ على] ¬سقط من: الأصل.¥ أنه حَلَّ محلَّ خبرِ "كان"، والتجارةُ الحاضرةُ اسمُها. والآخرُ، أنه في موضعِ رَفْعٍ على إتْباعِ التجارةِ الحاضرةِ؛ لأنَّ خبرَ النكرةِ يتبعُها، فيكونُ تأويلُه: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ دائرةٌ بينكم.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}.
يَعْني بذلك جل ثناؤه: وأشْهِدوا على صغيرِ ما تَبايَعْتُم وكبيرِه مِن حقوقِكم؛ عاجلِ ذلك وآجلِه، ونقدِه ونَسائِه، فإنّ إرْخاصى لكم في تركِ اكْتِتابِ الكتبِ بينَكم، فيما كان مِن حقوقٍ تَجْرِى بينكم لبعضِكم مِن قِبَلِ بعضٍ، عن تجارةٍ حاضرةٍ دائرةٍ بينَكم يدًا بيد ونقدًا، ليس بإرخاصٍ منى لكم في تركِ الإشهادِ منكم على مَن بِعْتُموه شيئًا، أو ابْتَعْتُم منه؛ لأن في تركِكم الإشهادَ على ذلك خوفَ المَضَرَّةِ على كلا الفريقَين؛ أما ما على المُشْتَرى فأن يَجْحَد البائعُ البيعَ، وله بينةٌ على مُلْكِه ما قد باع، ولا بينةَ للمشترِى منه على الشراءِ منه، فيكونَ القولُ حينئذٍ قولَ البائعِ مع يمينِه ويُقْضَى له به، فيَذْهَبَ مالُ المشترِى باطلًا. وأما ما على البائعِ يَجْحَدَ المشترِى الشراءَ، وقد زال ملكُ البائعِ عما باع، ووجَب له قِبَلَ المُبتاعِ ثمنَ ما باع، فيُحْلِفَ على ذلك، ويبْطُلَ حقُّ البائعِ قِبَلَ المشترِى مِن ثمنِ ما باعه، فأمَر اللهُ عز وجل الفريقَين بالإشهادِ؛ لئلا يَضِيعَ حقٌّ أحدِ الفريقين قِبَلَ الفريقِ الآخرِ.
ثم اخْتَلَفوا في معنى قولِه: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. أهو أمرٌ مِنَ اللهِ واجبٌ بالإشهادِ عندَ المُبايَعةِ أم هو ندبٌ؟ فقال بعضُهم: هو ندبٌ، إن شاء أَشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ، وسفيانَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "شقيق".¥، عن رجلٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. قالا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "قال".¥: إِن شَاء أَشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألم تَسْمَعْ إلى قولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ¬ينظر ما تقدم في ص 95، 97.¥؟
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا الربيعُ بنُ صبيحٍ، قال: قلتُ للحسنِ: أرأَيْتَ قولَ اللهِ عز وجل: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}؟ قال: إن أشْهَدْتَ عليه فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهد عليه فلا بأسَ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، عن الربيعِ بن صبيحٍ، قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، قولُ اللهِ عز وجل: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. قلتُ: أبيعُ الرجلَ بنَقْدٍ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥، وأنا أَعْلَمُ أنه لا يَنْقُدُنى ¬في م: "ينقد"، وفي س: "ينفذ".¥ شهرين ولا ثلاثةً، أتَرَى بأسًا ألا أُشْهِدَ عليه؟ قال: إن أشْهَدْتَ فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهِدْ فلا بأسَ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن داودَ، عن الشعبيِّ: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. قال: إن شاءوا أَشْهَدوا، وإن شاءوا لم يُشْهِدوا.
وقال آخَرون: الإشهادُ على ذلك واجبٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، [قال: ثنا إسحاقُ] ¬سقط من: الأصل.¥، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا}: ولكن أشْهِدوا عليها إذا تَبايَعْتُم، أمرَ اللهُ ما كان يدًا بيدٍ أن تُشْهدَ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "يشهد"، وفي م: "يشهدوا".¥ عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 566 عقب الأثر (3020) معلقا.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيعٍ حاضرٍ، فإن شاء أشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ، وما كان مِن بيعٍ إلى أجَلٍ، فأمَر اللهُ تبارك وتعالى أن يُكْتَبَ وأَن يُشْهدَ عليه، وذلك في المُقامِ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن الإشهادَ على كلِّ مَبيعٍ ومُشْتَرى حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ؛ لِمَا قد بَيَّنَّا مِن أن كلَّ أمرٍ للهِ ففرضٌ، إلا ما قامَت حُجَّتُه مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له بأنه ندبٌ أو إرشادٌ.
وقد دلَّلْنا على وَهْي ¬سقط من: م، ت 2، ت 3، وفي ص، ت 1: "وهاء".¥ قولِ مَن قال: إنه منسوخٌ بقولِه: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}. فيما مضَى، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في ص 73 - 81.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك نَهىٌ مِنَ اللهِ الكاتبَ الكتابَ بين أهلِ الحقوقِ وشهيدَه أن يُضارَّ أهلَه، فيَكْتُبَ هذا ما لم يُملِله المُمِلُّ، ويَشْهَدَ هذا بما لم يَسْتَشْهِده المستَشْهِدُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الشهيد".¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}: لا يُضَارُ كاتبٌ فيَكْتُب ما لم يُمَلَّ عليه، ولا شهيدٌ بما لم يُسْتَشْهَدْ ¬ذكره البغوي في تفسيره 1/ 352.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةً، عن يونُسَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ} فَيَزِيدَ شيئًا أو يُحَرِّفَ، {وَلَا شَهِيدٌ} قال: لا يَكْتُمِ الشهادةَ، ولا يَشْهَدْ إلا بحقٍّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 (3023) من طريق ابن علية به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدَّثنا سعيدٌ] ¬سقط من: ص، م، ت 2، ت 3، س.¥، عن قَتادةَ، قال: اتَّقَى الله شاهدٌ في شهادتِه، لا يَنْقُصْ منها حقًّا، ولا يَرِدْ ¬في ص، م، ت 1، ت 3: "يزيد".¥ فيها باطلًا، اتَّقَى الله كاتبٌ في كتابِه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا ¬أخرجه البيهقي 10/ 161 من طريق سعيد به نحوه.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فيَكْتُبَ ما لم يُملَل عليه، ولا شَهِيدٌ فيَشْهَدَ بما لم يَشْهَدْ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يستشهد".
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 110، وفي مصنفه (15563)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 (3026).¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ نحوه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فيَكْتُبَ غيرَ الذي أُمْليَ عليه. قال: والكتَّابُ يومَئذٍ قليلٌ، ولا يَدْرُون أيَّ شيءٍ يُكْتَبُ، فيُضَارَّ فيَكْتُبَ غيرَ الذي أُمْلِي عليه فيُبطِلَ حقَّهم. قال: والشهيدُ يُضَارُ فَيُحَوِّلُ شهادتَه، فيُبْطِلُ حقَّهم ¬ذكره الطوسي في التبيان 2/ 376، وابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 298 عن ابن زيد بنحوه.¥.
فأصلُ الكلمةِ على تأويلِ من ذكَرْنا قولَه مِن هؤلاءِ: ولا يُضارِرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ. ثم أُدْغِمَت الراءُ في الراءِ؛ لأنهما من جنسٍ، وحُرِّكَت إلى الفتحِ، وموضعُها جزمٌ؛ لأن الفتحَ أخفُّ الحركاتِ.
وقال آخرون ممَّن تأوَّل هذه الكلمةَ هذا التأويلَ: معنى ذلك: ولا يُضَارِرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ، بالامتناعِ على مَن دعاهما إلى أداءِ ما عندَهما مِن العلمِ والشهادةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. يقولُ: أن يُؤَدِّيا ما قِبْلَهما ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 111 ومصنفه (15564)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 (3024) عن الحسن به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} قال: لا يُضارًا أن يُؤَدِّيا ما عندهما مِن العلمِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. قال: أن يَدْعُوَهما فيقولا: إن لنا حاجةً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 657 (3022)، والبيهقي 10/ 160 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. قالا: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ، {وَلَا شَهِيدٌ}. قالا: إذا كان قد شهِد قِبَلَهُ ¬مصنف عبد الرزاق (15560).¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يُضَارَّ المُسْتَكْتِبُ والمُسْتَشْهدُ الكاتبَ والشهيدَ.
وتأويلُ الكلمةِ على مذهبِهم: ولا يُضارَرْ. على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: كان عمرُ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ ¬في ت 2، س: "يضار".¥ كاتب ولا شهيدٌ) ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 111، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (466 - تفسير)، والبيهقي 10/ 161 من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى سفيان وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أَخْبَرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ، قال: كان ابن مسعودٍ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ) ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى المصنف. وينظر البحر المحيط 2/ 354.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقرؤُها: (ولا يُضارَرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ) ¬وهي شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. النشر 2/ 227، 228.¥. وأنه كان يقولُ في تأويلِها: يَنْطَلِقُ الذي له الحقُّ، فَيَدْعُو كاتبَه وشاهدَه إلى أن يَشْهَدَ، ولعله أن يَكونَ في شُغْلٍ أو حاجةٍ؛ لِيُؤَثِّمَه إن ترَك ذلك حينَئذٍ لشغلِه وحاجتِه. وقال مجاهدٌ: لا يُقَمْ عن شغلِه وحاجتِه، فيَجِدَ في نفسِه أو يحرجَ ¬أخرجه البيهقي 10/ 161 من طريق ابن جريج، عن مجاهد.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}: والضِّرارُ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ وهو عنه غنيٌّ: إن الله قد أمَرَك أَلا تَأبى إذا ما دُعِيتَ. فَيُضَارَّه بذلك، وهو مُكْتَفٍ بغيرِه، فنهاه اللهُ عز وجل عن ذلك وقال: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} ¬أخرجه البيهقي 10/ 160 من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. يقولُ: إنه يكون للكاتبِ أو الشاهدِ حاجةٌ ليس منها بُدٌّ، فيقولُ: خَلُّوا سبيلَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن عكرمةَ في قوله: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. قال: تكونُ به العِلَّةُ، أو يكونُ مَشْغُولًا، يقولُ: فلا يُضارَّه ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 عقب الأثر (3022) معلقًا.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. يقولُ: لا تأتِ الرجلَ فتقولَ: انْطَلِق فاكتُبْ لى، واشْهَدْ لى. فيَقولُ: إن لي حاجةً فالتَمِسْ غيرى.
فيقولُ: اتقِ الله، فإنك قد أمِرتَ أن تَكْتُبَ لى. فهذه المضارَّةُ، ويَقُولُ: دَعْه والْتَمِسْ غيرَه، والشاهدُ بتلك المنزلةِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 عقب الأثر (3022) معلقًا.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. يقولُ: يَدْعُو الرجلُ الكاتبَ أو الشهيدَ، فيَقُولُ الكاتبُ أو الشهيدُ: إن لنا حاجةً. فَيَقُولُ الذي يَدْعُوهما: إن الله عزَّ ذكرُه أمَرَكما أن تُجيبَا في الكتابةِ والشهادةِ. يقولُ اللهُ جل ثناؤُه: لا يضارَّهما ¬في م: "الله أمركما أن تجيبا".¥.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ في قولِه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}: هو الرجلُ يَدْعو الكاتبَ والشاهدَ وهما على حاجةٍ مهمةٍ، فيَقُولان: إِنَّا على حاجةٍ مهمةٍ فاطْلُبْ غيرَنا. فيَقُولُ: [واللهِ لقد أمَركما اللهُ أن تُجِيبا] ¬في الأصل: "غيرها".¥. فأمَره أن يَطْلُبَ غيرَهما ولا يُضارَّهما، يَعْنى: ولا يَشْغَلهما عن حاجتِهما المهمةِ وهو يَجِدُ غيرَهما ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 عقب الأثر (3022) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. يقولُ: ليس يَنْبَغِى أَن تَعْتَرِضَ رجلًا له حاجةٌ فتُضارَّه، فتقولَ له: اكْتُبْ لى. فلا تتْرُكُه حتى يكتبَ لك، وتُفَوِّته حاجتَه، ولا شاهدًا مِن شهودِك وهو مشغولٌ، فتَقُولُ: اذْهَبْ فَاشْهَدْ لى. فتحبِسُه عن حاجتِه وأنت تَحِدُ غيرَه ¬¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. قال: لما نزَلت: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ}. كان أحدُهم يَجِيءُ إلى الكاتب فيَقُولُ: اكْتُبْ لي. فَيَقُولُ: إنى مَشْغولٌ، أو: لي حاجةٌ، فَانْطَلِقُ إلى غيرى. فيَلْزَمُه ويقول: إنك قد أمرت أن تَكْتُبَ لى. فلا يَدَعُه، ويُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، ويأتى الرجلُ فيقولُ: انْطَلِقْ معى فأُشْهِدَك ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥. فيقولُ: انطلقْ إلى غيرِى، فإني مَشْغولٌ، أو: لي حَاجةٌ. فيَلْزَمُه ويَقُولُ: قد أمِرتَ أن تتَّبِعَني. فيُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، فأنزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 عقب الأثر (3022) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى المصنف.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرَنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. يقولُ: إِنَّ لي حاجةً فدَعْنى. فيَقُولُ: لا ¬سقط من: م.¥، اكْتُبْ لى. ولا شهيدٌ كذلك ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 111، وفي مصنفه (15563) عن معمر بنحوه مختصرًا.¥.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا يضارَرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ. بمعنى: ولا يُضَارِرُهما مَن استَكْتَب هذا أو استشهَد هذا؛ بأن يأبى على هذا إلا أن يَكْتُبَ له وهو مشغولٌ بأمرِ نفسِه، ويَأبى على هذا إلا أن يُجِيبَه إلى الشهادةِ، وهو غيرُ فارغٍ، على ما قاله قائلو ذلك، من القول الذي قد ذكَرناه قبلُ.
وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ من غيرِه؛ لأن الخطابَ مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ في هذه الآيةِ مِن مُبْتَدئِها إلى انقضائِها على وجهِ: افعَلوا أو لا تفعَلوا. وإنما هو خطابٌ به لأهلِ الحقوقِ، والمكتوبِ بينَهم الكتابُ، والمشهودِ لهم أو عليهم بالذي تَدايَنوه بينَهم مِن الدُّيونِ. فأمَّا ما كان مِن أمرٍ أو نهيٍ فيها لغيرِهم، فإنما هو على وجهِ الأمرِ والنهيِ للغائبِ غيرِ المخاطَبِ كقولِه: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ}. وكقولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. وما أشبَهَ ذلك. فالواجبُ إذ كان المأمورون فيها مخاطَبين بقولِه: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}. [أن يكونَ بالرَّد على قولِه: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. ولا تضارُّوا كاتبًا ولا شهيدًا، {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥. أشبَهُ منه بأن يَكُونَ مردودًا على الكاتبِ والشهيدِ. ومع ذلك أن الكاتبَ والشهيدَ لو كانا هما المنهييْن عن الضِّرارِ لقيل: وإن يفعلا فإنه فسوقٌ بهما؛ لأنهما اثنان، وأنهما غيرُ مخاطَبَين بقوله: {وَلَا يُضَارَّ}. بل النهيُ بقوله: {وَلَا يُضَارَّ}. نهىٌ للغائبِ
غيرِ المخاطَبِ. فتوجيهُ الكلامِ إلى ما كان نظيرًا لما في سياقِ الآيةِ، أولى من توجيهِه إلى ما كان مُنْعَدِلًا عنه.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}.
يَعْني بذلك تعالى ذكرُه: وإن تُضارُّوا الكاتبَ أو الشاهدَ، وما نُهِيتم عنه مِن ذلك، {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}. يعنى: إثمٌ بكم ومعصيةٌ.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه بنحوِ الذي قلنا فيه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}. يقولُ: إِن تَفْعَلُوا غيرَ الذي آمرُكم به، فإنه فُسوقٌ بكم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى المصنف.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}: والفسوقُ المعصيةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 568 (3029)، والبيهقي 10/ 160 من طريق أبي صالح به.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}: والفسوقُ العصيانُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 568 عقب الأثر (3029) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يُضَارَّ كاتبٌ فيكتبَ غيرَ الذي أمْلَى المُمْلِي، ويضارَّ شهيدٌ، فيحوِّلَ شهادتَه ويُغَيِّرَها، {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}. يَعْنى: فإنه كَذِبٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}: الفسوقُ الكذبُ. قال: هذا فسوقٌ؛ لأنه كذَب الكاتبُ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت، س: "الكاذب".¥ فحوَّل كتابَه فكذَب، وكذَب الشاهدُ فحوَّل شهادتَه، فأخبَرهم اللَّهُ عز وجل أنه كذِبٌ.
وقد دلَّلنا فيما مضَى على أن المعنيَّ بقولِه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. إنما معناه: [لا يُضارَّهما] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت، س: "يضرهما".¥ المستكتِبُ والمستشهِدُ - بما فيه الكفايةُ. فقولُه: {وَإِنْ تَفْعَلُوا}. إنما هو إخبارٌ منه جل ثناؤه مُضَارَّهما بحكمِه فيهما، وأنه بضرَارِهما قد عصى ربَّه وأثِم به، وركِب ما لا يَحِلُّ له، وخرَج عن طاعةِ ربِّه في ذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)}.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ}: وخافوا اللَّهَ أيها المتداينون في الكتّابِ والشهودِ أن تُضارُّوهم، وفي غيرِ ذلك من حدودِه أن تُضَيِّعوها.
ويعنى بقولِه: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}: ويُبَيِّنُ اللَّهُ لكم الواجب لكم وعليكم فاعمَلوا به، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. يعنى: مِن أعمالِكم وغيرِها، يُحْصيها عليكم فيجَازِيكم بها.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}. قال: هذا تعليمٌ علَّمكُموه فخُذوا به.

تفاسير بلغات أخرى · 6