تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: صدَّق الرسولُ، يعني: رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأقرَّ {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} يعنى: بما أُوحِى إليه من عندِ ربِّه من الكتابِ وما فيه من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووَعيدٍ، وأمْرٍ ونهيٍ، وغيرِ ذلك مِن سائرِ ما فيه من المعانِي التي حوَاها.
وذُكِر أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لما نزَلَت هذه الآيةُ عليه قال: "يحقُّ ¬في الأصل: "لحق".¥ له".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: هو {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ}: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لما نَزَلت هذه الآيةُ قال: "ويحقُّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 576 (3071) من طريق يزيد به.¥ له أن يُؤْمِنَ" ¬سقط من: الأصل.¥.
وقد قيل: إنها نزَلَت بعدَ قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}؛ لأن المؤمنين برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن أصحابه شقَّ عليهم ما توَعَّدَ اللهُ به مِن محاسبتِهم على ما أخْفَتْه نفوسُهم، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال لهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لعلكم تقولون: سمِعْنا وعصَيْنا كما قالت بنو إسرائيلَ". فقالوا: [بل نقولُ] ¬¥: سمِعْنا وأطَعْنا. فأَنْزَلَ اللهُ لذلك مِن قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقولِ أصحابِه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}. يقولُ: وصدَّق المؤمنون أيضًا مع نبيِّهم عليه السلامُ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، الآيتين. وقد ذكَرْنا قائلى ذلك قبلُ ¬ينظر ما تقدم ص 130 - 138.¥.
واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَكُتُبِهِ} فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ المدينةِ وبعضُ قرَأَةِ أهلِ العراِق {وَكُتُبِهِ} ¬وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو السبعة لابن مجاهد ص 195، 196.¥ على وجهِ جمعِ الكتابِ، على معنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وجميعِ كتبِه التي أنْزَلَها على أنبيائِه ورسلِه.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وكتابِه) ¬وهي قراءة الكسائي وحمزة. المصدر السابق.¥. بمعنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وبالقرآنِ الذي أنْزَلَه على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وكتابِه) ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (477 - تفسير) من طريق عكرمة، عن ابن عباس.¥. ويقولُ: الكتابُ أكثرُ مِن الكتبِ. وكان ابن عباسٍ يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى نحوِ قولِه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1، 2]. يعني جنسَ الناسِ وجنسَ الكتابِ، كما يقالُ: ما أكثرَ درهمَ فلانٍ ودينارَه. ويُرادُ به جنسُ الدراهمِ والدنانيرِ.
وذلك وإن كان مذهبًا من المذاهبِ معروفًا، فإن الذي هو أَعْجَبُ إليَّ مِن القراءةِ في ذلك أن يُقْرَأَ بلفظِ الجمعِ؛ لأن الذي قبلَه جمعٌ، والذي بعدَه كذلك - أعْنِى بذلك: {وَمَلَائِكَتِهِ} {وَرُسُلِهِ} - فالْحاقُ "الكتبِ" في الجمعِ لفظًا به أعجبُ إليَّ مِن توحيدِه وإخراجِه في اللفظِ به بلفظِ الواحدِ؛ ليكونَ لاحقًا في اللفظِ والمعنى بلفظِ ما قبلَه وما بعدَه وبمعناه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}.
وأما قولُه: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}. فإنه أَخْبَرَ جَلَّ ثناؤُه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك. ففي الكلامِ في قراءةِ مَن قرأَ: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} بالنون، متروكٌ قد استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر عنه، وذلك المتروكُ هو "يقولون".
وتأويلُ الكلامِ: والمؤمنون كلٌّ آمن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، يقولون: لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه. وترَك ذكْرَ "يَقُولُون" لدلالةِ الكلامِ عليه، كما ترَك ذكْرَه في قولِه: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد: 23، 24]. بمعنى: يقولُون: سلامٌ عليكم.
وقد قرَأ ذلك جماعةٌ من المُتقدِّمين: (لا يُفَرِّقُ بينَ أحدٍ من رسلِه) بالياءِ ¬وهي قراءة ابن جبير وابن يعمر وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، ويعقوب، ونص رواة أبي عمرو على أنها بالياء. البحر المحيط 2/ 365. ويعقوب من القراء العشرة الذين تواترت قراءاتهم عند الجمهور.¥، بمعنى: والمؤمنون كلُّهم آمَن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، لا يُفَرِّقُ الكلُّ منهم بينَ أحدٍ من رسلِه، فيُؤْمِنَ ببعضٍ ويَكْفُرَ ببعضٍ، ولكنهم يُصَدِّقون بجميعِهم، ويُقِرُّون أن ما جاءوا به كان مِن عندِ اللهِ، وأنهم دَعَوْا إلى اللهِ وإلى طاعتِه، ويُخالِفون في فعلِهم ذلك اليهودَ الذين أقَرُّوا بموسى وكذَّبوا بعيسى، والنصارى الذين أقَرُّوا بموسى وعيسى وكذَّبوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وجحدوا نبوتَه، ومَن أَشْبَهَهم مِن الأممِ الذين كذَّبوا بعضَ رُسُلِ اللهِ وأَقَرُّوا ببعضٍ.
كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}: كما صنع القومُ - يعنى بني إسرائيلَ - قالوا: فلانٌ نبيٌّ وفلانٌ ليس نبيًّا، وفلانٌ نُؤْمِنُ به وفلانٌ لا نُؤْمِنُ به.
والقراءةُ التي لا نسْتَجِيزُ غيرَها في ذلك عندَنا بالنونِ: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}؛ لأنها القراءةُ التي قامَت حجتُها بالنقلِ المُستفيضِ الذي يَمْتَنِعُ معه التَّشاعُرُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "التشاغر". والتشاعر: التعالم. من "شعر" بمعنى: علم.¥ والتَّواطُؤُ والسهوُ والغَلَطُ، بمعنى ما وصَفْنا من: يقولون: لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه. ولا يُعْتَرَضُ بشاذٍّ مِن القراءةِ على ما جاءَت به الحجةُ نقلًا وراثةً ¬في ص، م، س: "ورواية".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)}.
يَعْني بذلك جل ثناؤُه: وقال الكلُّ مِن المؤمنين: سمِعنا قولَ ربِّنا وأمْرَه إِيَّانا بما أمَرَنا به، ونهيَه عما نهانا عنه {وَأَطَعْنَا}. يعنى: أطَعْنا رَبَّنا فيما أَلْزَمنَا مِن فرائضِه واسْتَعْبَدَنا به مِن طاعتِه، وسلَّمْنا له.
وقولُه: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا}. يعني: وقالوا: غفرانَك ربَّنا. بمعنى: اغْفِرْ لنا ربَّنَا غُفْرَانَك. كما يُقالُ: سبحانَك. بمعنى: نُسَبِّحُك سبحانَك.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى أن الغفرانَ والمغفرةَ السترُ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ على ذنوبِ مَن غُفِر له، وصَفْحُه له عن هَتْكِ سترِه بها في الدنيا والآخرةِ، وعفوُه عن العقوبةِ عليه ¬ينظر ما تقدم 1/ 720، 721.¥.
وأما قولُه: {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}. فإنه يعنى جل ثناؤُه أنهم قالوا: وإليك يا ربَّنا مَرْجِعُنا ومَعادُنا، فاغْفِرْ لنا ذنوبَنا.
فإن قال لنا قائلٌ: فما الذي نصَب: {غُفْرَانَكَ}؟
قيل له: وقوعُه وهو مصدرٌ موقعَ الأمرِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ بالمصادرِ والأسماءِ إذا حلَّت محلَّ الأمرِ وأدَّت عن معنى الأمرِ نصَبَتها، فيقولون: شكرًا للهِ يا فلانُ، وحمدًا له. بمعنى: اشْكُرِ الله واحْمَدْه. والصلاةَ الصلاةَ، بمعنى: صَلُّوا. ويَقُولُون في الأسماءِ: الله الله يا قومِ. ولو رُفِع بمعنى: هو اللهُ، أو هذا اللهُ. ووُجِّه إلى الخبرِ وفيه تأويلُ الأمرِ، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ ¬البيتان في معاني القرآن للفراء 1/ 188، والخصائص 3/ 102، والدرر اللوامع 1/ 146.¥:
إن قومًا منهم عُمَيرٌ وأشبا ... هُ عُمَيْرٍ ومنهمُ السَّفَّاحُ
لجَدِيرون بالوفاءِ إذا قا ... ل أخو النَّجْدةِ السِّلاحُ السلاحُ
ولو كان قولُه: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} جاء رفعًا في القراءةِ لم يكنْ خطأً، بل كان صوابًا على ما وصَفنا.
وقد ذُكر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثناءً مِن الله عليه وعلى أمتِه، قال له جبريلُ - صلى الله عليه وسلم -: إن الله عزَّ وجلَّ قد أحْسَن عليك وعلى أمتِك الثناءَ، فسَلْ ربَّك.