تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 3

السورة 2 : الآية 3

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}. قال: يُصَدِّقون ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 25 إلى المصنف وابن إسحاق.¥.
حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {يُؤْمِنُونَ}: يُصَدِّقون ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 62 عن علي بن أبي طلحة به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {يُؤْمِنُونَ}: يَخْشَوْن ¬في ر: "يخشعون".
والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 62 من طريق أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال الزُّهريُّ: الإيمانُ العملُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 62 عن معمر به.¥.
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن العَلاءِ بنِ المُسَيَّبِ بنِ رافعٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الإيمانُ التصديقُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 25 إلى المصنف مطولا.¥.
ومعنى الإيمانِ عندَ العربِ التصديقُ، فيُدْعَى المُصَدِّقُ بالشيءِ قولًا مؤمنًا به، ويُدْعَى المُصَدِّقُ قولَه بفعلِه مؤمنًا، ومِن ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17]. يعني: وما أنت بمُصَدِّقٍ لنا في قولِنا. وقد تَدْخُلُ الخشيةُ للَّهِ في معنى الإيمانِ الذي هو تَصديقُ القولِ بالعملِ.
والإيمانُ كلمةٌ جامعةٌ للإقرارِ باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، وتصديقِ الإقرارِ بالفعلِ. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ وأشبهُ بصفةِ القومِ أن يَكُونوا موصُوفِين بالتصديقِ بالغيبِ قولًا واعتقادًا وعملًا؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه لم يَحْصُرْهم مِن معنى الإيمانِ على معنًى دونَ معنًى، بل أجْمَل وصفَهم به، مِن غيرِ خُصوصِ شيءٍ مِن مَعانِيه أخْرَجَه من صفتِهم بخبرٍ ولا عقلٍ.
القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: {بِالْغَيْبِ}.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {بِالْغَيْبِ}. قال: بما جاء منه. يعني مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - {بِالْغَيْبِ}: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنَّةِ وأمرِ النارِ، وما ذكرَ اللَّهُ تبارك وتعالى في القرآنِ، لم يكنْ تصديقُهم بذلك - يعني المؤمنين من العربِ - مِن قِبَلِ [أصلِ كتابٍ] ¬في ص: "أهل الكتاب".¥ أو عِلْمٍ كان عندَهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 63 عن السدي به مختصرًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 35، 36 (65، 68) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله مختصرًا.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 25 إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وإلى الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له ... فذكره مختصرًا.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، قال: الغيبُ القرآنُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 36 (69) من طريق أبي أحمد الزبيري به.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. قال: آمَنوا بالجنةِ والنارِ والبَعْثِ بعدَ الموتِ وبيومِ القيامةِ، وكلُّ هذا غيبٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 25 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بِنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}: آمَنوا باللَّهِ وملائكتِه ورسلِه واليومِ الآخرِ وجنتِه ونارِه ولقائِه، وآمَنوا بالحياةِ بعدَ الموتِ، فهذا غيبٌ كلُّه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 25 إلى المصنف وابن أبي حاتم عن أبي العالية. وهو عند ابن أبي حاتم 1/ 36 (67) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 63 كذلك.¥.
وأصلُ الغيبِ كلُّ ما غاب عنك مِن شيءٍ، وهو مِن قولِك: غاب فلانٌ يَغِيبُ غَيْبًا.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعيانِ القومِ الذين أنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه هاتين الآيتَيْن مِن أولِ هذه السورةِ فيهم، وفي نعتِهم وصفتِهم التي وصَفهم بها مِن إيمانِهم بالغيبِ وسائرِ المعاني التي حوَتْها الآيتان مِن صفاتِهم غيرَه؛ فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصةً، دونَ غيرِهم مِن مؤمني أهلِ الكتابينِ ¬في ص، م: "الكتاب".¥.
واستَدَلُّوا على صحةِ ¬في ر: "حقيقة".¥ قولِهم ذلك وحقيقةِ تأويلِهم بالآيةِ التي تَتْلُو هاتين الآيتين، وهو قولُ اللَّهِ - عز وجل -: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}. قالوا: فلم يَكُنْ للعربِ كتابٌ قبلَ الكتابِ الذي أنْزَله اللَّهُ - عز وجل - على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، تَدِينُ بتصديقِه والإقرارِ والعملِ به، وإنما كان الكتابُ لأهلِ الكتابَيْن غيرِها. قالوا: فلما قصَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبأَ الذين يُؤْمِنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ وما أُنْزِل مِن قبلِه، بعدَ اقْتِصاصِه نبأَ المؤمنين بالغيبِ - علِمْنا أن كلَّ صِنْفٍ منهم غيرُ الصنفِ الآخَرِ، وأن المؤْمنين بالغيبِ نوعٌ غيرُ النوعِ المُصَدِّقِ بالكتابَيْن اللذَّيْن أحدُهما مُنَزَّلٌ على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، والآخرُ منهما على مَن قَبلَه [مِن رسلِ] ¬في ص: "رسول"، وفي ت 2: "من رسول".¥ اللَّهِ - عزّ وجلّ -.
قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، صحّ ما قلْنا مِن أن تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. إنما هو ¬في ص، ت 2: "هم".¥: الذين يُؤْمِنون بما غاب عنهم من الجنةِ والنارِ، والثوابِ والعقابِ، والبعثِ، والتصديقِ باللَّهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، وجميعِ ما كانت العربُ لا تَدِينُ به في جاهليَّتِها، مما ¬في م: "بما".¥ أوْجَب اللَّهُ جلَّ ثناؤُه على عبادِه الدَّيْنُونةَ به، دونَ غيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أما {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} فهم المؤمنون مِن العربِ، {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنةِ والنارِ، وما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، لم يكُنْ تصديقُهم بذلك مِن قِبَلِ أصلِ كتابٍ أو علمٍ كان عندَهم {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ ¬ينظر ص 242.¥.
وقال بعضُهم: بل نزَلَتْ هذه الآياتُ الأربعُ في مؤمني أهلِ الكتابِ خاصةً؛ لإيمانِهم بالقرآنِ عندَ إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إياهم فيه عن الغُيوبِ التي كانوا يُخْفُونها بينَهم ويُسِرُّونها، فعلِموا عندَ إظهارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك منهم في تنزيلِه أنه مِن عندِ اللَّهِ - جلَّ وعز -، فآمَنوا بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وصدَّقوا بالقرآنِ وما فيه مِن الإخبارِ عن الغيوبِ التي لا عِلْمَ لهم بها؛ لِما استقرَّ عندَهم بالحُجَّةِ التي احْتَجَّ اللَّهُ تبارك وتعالى بها عليهم في كتابِه، مِن الإخبارِ فيه عمَّا كانوا يَكْتُمونه مِن ضَمائرِهم - أن جميعَ ذلك مِن عندِ اللَّهِ.
وقال بعضُهم: بل الآياتُ الأربعُ مِن أولِ هذه السورةِ أُنْزِلَت على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بوصفِ جميعِ المؤمنين الذين ذلك صفتُهم، مِن العربِ، والعجمِ، وأهلِ الكتابَيْن سِواهم، وإنما هذه صفةُ صِنْفٍ مِن الناسِ، والمؤمنُ بما أنْزَل اللَّهُ على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وما أُنْزِل مِن قبلِه هو المؤمنُ بالغيبِ.
قالوا: وإنما وصَفهم اللَّهُ بالإيمانِ بما أُنْزِل إلى محمدٍ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، بعدَ تقَضِّي وصفِه إياهم بالإيمانِ بالغيبِ؛ لأن وصفَه إياهم بما وصَفهم به مِن الإيمانِ بالغيبِ كان مَعْنِيًّا به أنهم يُؤْمنون بالجنةِ والنارِ والبعثِ وسائرِ الأمورِ التي كلَّفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه الإيمانَ بها ¬في ر، ت 2: "به".¥، مما لم يَرَوْه ولم يَأْتِ بعدُ مما هو آتٍ، دونَ الإخبارِ عنهم أنهم يُؤْمنون بما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ومَن قبلَه مِن الرسلِ ومن ¬سقط من: م.¥ الكتبِ.
قالوا: فلما كان معنى قولِه: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}. غيرَ موجودٍ في قولِه: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. كانت الحاجةُ مِن العبادِ إلى معرفتِهم صفتَهم بذلك ليَعْرفوهم، نظيرَ حاجتِهم إلى معرفتِهم بالصفةِ التي وُصِفوا بها مِن إيمانِهم بالغيبِ؛ ليَعْلَموا ما يَرْضَى اللَّهُ مِن أفعالِ عبادِه، ويُحِبُّه مِن صفاتِهم، فيَكُونوا به ¬أي بهذا الوصف.¥، إن وفَّقهم له ربُّهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرِو بنِ العباسِ ¬في ص: "العاص".¥ الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مَيْمونٍ المَكِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن سورةِ البقرة في نعتِ المؤمنين، وآيتان ¬في ت 2: "اثنان"، وغير منقوطة في ص.¥ في نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشْرةَ في المنافقين ¬تفسير مجاهد ص 195، من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 23 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر. وينظر ما سيأتي في ص 276.¥.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 23 إلى وكيع. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 67 عن الثوري به.
وهو في تفسير الثوري ص 41 من قوله.¥.
وحدَّثني [المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ] ¬في ص: "ابن المثنى".¥، قال: حدَّثنا موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬أخرجه النحاس في القطع والائتناف ص 115 من طريق شبل به.¥.
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن فاتحةِ هذه السورةِ - يعني سورةَ البقرةِ - في الذين آمنوا، وآيتان ¬في ص، ت 2: "اثنان".¥ في قادةِ الأحْزابِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 24 إلى المصنف.¥.
وأولى القولين عندي بالصوابِ، وأشبهُهما بتأويلِ الكتابِ، القولُ الأولُ، وهو أن الذين وصَفَهم اللَّهُ تعالى ذِكرُه بالإيمانِ بالغيبِ، وما وصَفَهم به جلَّ ثناؤُه في الآيتين الأوَّلَتَيْن ¬في ت 1، ت 2: "الأوليين".¥، غيرُ الذين وصَفهم بالإيمانِ بالذي أُنْزِل على محمدٍ والذي أُنْزِل على ¬في ر، م، ت 2: "إلى".¥ مَن قبلَه مِن الرسلِ؛ لما ذكَرْتُ مِن العللِ قبلُ لمن قال ذلك.
ومما يَدُلُّ أيضًا مع ذلك على صحةِ هذا القولِ، أنه جَنَّس - بعدَ وصفِ المؤمنين بالصفتَيْن اللتين وصَف، وبعدَ تَصْنيفِه كلَّ صنفٍ منهما على ما صنَّف الكفارَ - جنسين، فجعَل أحدَهما مطبوعًا على قلبِه، مختومًا عليه، مأْيوسًا مِن إيمانِه، والآخرَ منافقًا يُرائي بإظهارِ الإيمانِ في الظاهرِ، ويَسْتَسِرُّ النفاقَ في الباطنِ، فصيَّر الكفارَ جنسين، كما صيَّر المؤمنين في أولِ السورةِ جنسين، ثم عرَّف عبادَه نعتَ كلِّ صنفٍ منهم وصفتَهم، وما أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم مِن ثوابٍ أو عقابٍ، وذمَّ أهلَ الذمِّ منهم، وشكَر سعْيَ أهلِ الطاعةِ منهم.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}.
وإقامتُها أداؤُها بحدودِها وفروضِها والواجبِ فيها، على مَن فُرِضَت عليه، كما يقالُ: أقام القومُ سُوقَهم. إذا لم يُعَطِّلوها مِن البيعِ والشراءِ فيها. وكما قال الشاعرُ ¬المحرر الوجيز 1/ 146.¥:
أقَمْنا لأهلِ العراقَيْن ¬العراقين: البصرة والكوفة.¥ سُوقَ الضِّـ ... ــرابِ فخاموا ¬في ص: "فجأمرا"، وفي م: "خاسوا".
وخاموا في الحرب: جبنوا. اللسان (خ ي م).¥ وولَّوْا جميعَا
وكما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}. قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفَرضِها ¬في ص، م: "بفروضها".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 74 (74) من طريق سلمة بن الفضل به.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} قال: إقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ، والتِّلاوةُ، والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 27 إلى المصنف.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا جُوَيْبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}: يعني الصلاةَ المفروضةَ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {الصَّلَاةَ}.
وأما الصلاةُ في كلامِ العربِ فإنها الدعاءُ، كما قال الأعْشَى ¬ديوانه ص 293.¥:
لها حارسٌ لا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها ... وإن ذُبِحَت ¬يذكر الخمر في دنها، يقال: ذبحت الدن: أي بزلته. اللسان (ذ ب ح).¥ صلَّى عليها وزَمْزَما ¬الزمزمة: تراطن العلوج عند الأكل وهم صموت، لا يستعملون اللسان ولا الشفة في كلامهم، لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها. اللسان (ز م م).¥
يعني بذلك: دعا لها. وكقولِه ¬في ص، م، ت 2: "قول". والبيت في ديوان الأعشى ص 35.¥ الآخرِ أيضًا:
وقابَلَها الرِّيحَ في دَنِّها ¬الدن: وعاء ضخم للخمر ونحوها.¥ ... وصلَّى على دَنِّها وارْتَسَمْ ¬ارتسم الرجل: كبَّر ودعا. اللسان (ر س م).¥
وأرَى أن الصلاةَ المفروضةَ سُمِّيَت صلاةً؛ لأن المُصَلِّيَ مُتَعَرِّضٌ لاستنجاحِ ¬في ص: "لاستخراج"، وفي ر، ت 2: "استنجاح".¥ طَلِبتِه مِن ثوابِ اللَّهِ بعملِه، مع ما يَسْألُ ربَّه فيها مِن حاجاتِه، تَعَرُّضَ الداعي بدعائِه ربَّه استنجاحَ حاجاتِه وسُؤْلِه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)}.
اخْتَلَف المُفَسِّرون في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زِيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. قال: يُؤْتُون الزكاةَ احتسابًا لها ¬في ر، م، ت 2: "بها".
والأثر في سيرة ابن هشام 1/ 530، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 37 (77) من طريق سلمة به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى ¬في ص: "ابن المثنى".¥، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. قال: زكاةَ أموالِهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 65 عن علي بن أبي طلحة به.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}. قال: كانت النفقاتُ قُرْبانًا ¬في م: "قربات".¥ يَتَقَرَّبون بها إلى اللَّهِ على قدرِ مَيْسورِهم وجُهْدِهم، حتى نزَلَت فرائضُ الصدقاتِ؛ سبعُ آياتٍ في سورةِ "براءة"، مما يُذْكَرُ فيهن الصدقاتُ، هن المُثْبَتاتُ الناسخاتُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 27 إلى المصنف.¥.
وقال بعضُهم بما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعنِ مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: هي نفقةُ الرجلِ على أهلِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الزكاةُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 65 عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 27 إلى المصنف عن ابن مسعود دون آخره. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 38 (78) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.¥.
وأولى التأويلاتِ بالآيةِ وأحقُّها بصفةِ القومِ، أن يَكونوا كانوا لجميعِ اللازمِ لهم في أموالِهم مُؤَدِّين؛ زكاةً كان ذلك أو نفقةَ مَن لزِمته نفقتُه مِن أهلٍ وعِيالٍ وغيرِهم، ممَّن تَجِبُ عليهم نفقتُه بالقَرابةِ والمِلْكِ وغيرِ ذلك؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناوُه عمَّ وصْفَهم، إذ وصَفهم بالإنفاقِ مما رزَقهم، فمدَحهم بذلك مِن صفتِهم، فكان معلومًا أنهم ¬في ص، م: "أنه".¥ إذ لم يَخْصُصْ مدْحَهم ووصْفَهم بنوعٍ مِن النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها دونَ نوعٍ، بخبرٍ ولا غيرِه - أنهم مَوْصوفون بجميعِ معاني النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها، مِن طيبِ ما رزَقهم ربُّهم مِن أموالِهم وأمْلاكِهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.

تفاسير بلغات أخرى · 6