تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}.
قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ التأويلِ في معنى "البِرِّ" الذي كان المخاطَبون بهذه الآيةِ يَأْمُرون الناسَ به، ويَنْسَوْن أنفسَهم، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن كلَّ طاعةٍ للهِ فهي تُسَمَّى بِرًّا.
فرُوِي عن ابنِ عباسٍ ما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. أي: تَنْهَوْن الناسَ عن الكفرِ بما عندَكم مِن النبوةِ والعهدِ مِن التوراةِ، وتَتْرُكون أنفسَكم وأنتم تَكْفُرون بما فيها مِن عَهْدي إليكم في تصديقِ رسولي، وتَنْقُضون مِيثاقي، وتَجْحَدون ما تَعْلَمون مِن كتابي ¬سيرة ابن هشام 1/ 534، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 101، 102 (473، 476، 479) من طريق سلمة به.¥.
وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ}. يقولُ: أتَأْمُرُون الناسَ بالدخولِ في دينِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وغيرِ ذلك مما أُمِرْتُم به مِن إقام الصلاةِ [وإيتاءِ الزكاةِ] ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 64 إلى المصنف، وسيأتي تمامه في ص 616، 617.¥.
وقال آخَرون بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثني عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدّثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}. قال: كانوا يَأْمُرُون الناسَ بطاعةِ اللهِ وهم يَعْصُونه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (478) من طريق عمرو به.¥.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}. قال: كان بنو إسرائيلَ يَأْمُرون الناسَ بطاعةِ اللهِ وبتَقْواه وبالبرِّ ويُخالِفون، فعيَّرهم اللهُ جلّ ثناؤه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 44. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 101 (477) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ}: أهلُ الكتابِ والمنافِقون كانوا يَأْمُرون الناسَ بالصومِ والصلاةِ، ويَدَعُون العملَ بما يَأْمُرون به الناسَ، فعيَّرهم اللهُ جلّ ثناؤه بذلك، فمن أمَر بخيرٍ فلْيَكُنْ أشدَّ الناسِ فيه مُسارَعةً ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 121 عن ابن جريج.¥.
وقال آخَرون بما حدَّثني به يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ هؤلاء اليهودُ كان إذا جاء الرجلُ يَسْأَلهم ما ليس فيه حقٌّ ولا رِشْوةٌ ولا شيء، أمَروه بالحقِّ، فقال اللهُ جلّ ثناؤه لهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 121 عن ابن زيد.¥.
وحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ الجَرْمِيُّ، قال: حدَّثنا مَخْلَدُ ابنُ الحسينِ، عن أيوبَ السَّخْتِيانيّ، عن أبي قِلَابةَ في قولِ اللهِ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ}. قال: قال أبو الدَّرْداءِ: لا يَفْقَهُ الرجلُ كلَّ الفقهِ حتى يمقُتَ الناسَ في ذاتِ اللهِ، ثم يَرْجِعَ إلى نفسِه فيَكونَ لها أشدَّ مَقْتًا ¬أخرجه معمر في جامعه (20473)، وابن أبي شيبة 13/ 306، والخطابي في العزلة ص 82، وأبو نعيم في الحلية 1/ 211، والبيهقي في الأسماء والصفات (619) من طريق أيوب به بنحوه. وزاد معمر في أوله: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا كثيرة. وأبو قلابة لم يدرك أبا الدرداء، قال الحافظ في الفتح 13/ 383: رجاله ثقات إلا أنه منقطع.¥.
قال أبو جعفرٍ: وجميعُ الذي قال في تأويلِ هذه الآيةِ مَن ذكَرْنا قولَه متقاربُ المعنى؛ لأنهم وإن اخْتَلَفوا في صفةِ "البِرِّ" الذي كان القومُ يَأمُرون به غيرَهم الذين وصَفَهم اللهُ جل ثناؤه بما وصَفَهم به، فهم مُتَّفِقون في أنهم كانوا يَأْمُرُون الناسَ بما للهِ فيه رضًا مِن القولِ والعملِ، ويُخالِفون ما أمَروهم به مِن ذلك إلى غيرِه بأفعالِهم.
فالتأويلُ الذي يَدُلُّ على صحتِه ظاهرُ التِّلاوةِ إذن: أتَأْمُرون. الناسَ بطاعةِ اللهِ وتَتْركون أنفسَكم تَعْصِيه؟ فهلَّا تَأْمُرونها بما تَأْمُرُون به الناسَ مِن طاعةِ ربِّكم جلَّ وعز؟ مُعَيِّرَهم بذلك ومقبِّحًا [لهم قبيحَ] ¬في الأصل: "لهم قبح"، وفي م "إليهم".¥ ما أتَوْا به ¬في ص: "منه".¥.
ومعنى نسيانِهم أنفسَهم في هذا الموضعِ نظيرُ النسيانِ الذي قال جل ثناؤُه: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]. بمعنى: ترَكوا طاعةَ اللهِ فترَكهم اللهُ مِن ثوابِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {تَتْلُونَ الْكِتَابَ}.
قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه: {تَتْلُونَ الْكِتَابَ}: تَدْرُسون وتَقْرَءون.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ}. يقُولُ: تَدْرُسون الكتابَ بذلك ¬تقدم أوله في ص 614.¥.
ويعنى بـ {الْكِتَابَ}: التَّوْراةَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)}.
قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}: أفلا تَفْقَهون وتَفْهَمون قُبْحَ ما تَأْتون مِن معصيتِكم ربَّكم التي تأْمُرون الناسَ بخِلافِها وتَنْهَونهم عن رُكوبِها، وأنتم راكبُوها، وأنتم تَعْلَمون أن الذي عليكم مِن حقِّ اللهِ وطاعتِه في اتباعِ محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والإيمانِ به وبما جاء به، مثلُ الذي على مَن تَأْمُرونه باتِّباعِه.
كما حدَّثنا به محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. يقولُ: أفلا تَفقهون. فنهاهم عن هذا الخُلُقِ القَبيحِ ¬تقدم أوله في ص 614.¥.
وهذا يَدُلُّ على صحةِ ما قلْنا مِن أمرِ أحْبارِ يهودِ بني إسرائيلَ غيرَهم باتِّباعِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأنهم كانوا يَقُولون: هو مَبعوثٌ إلى غيرِنا. كما ذكَرْنا قبلُ.