تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 48

السورة 2 : الآية 48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}.
وتأويلُ قولِه: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا. وجائزٌ أيضًا أن يَكونَ تأويلُه: واتَّقُوا يومًا لا تَجْزِيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، كما قال الراجز ¬الرجز في الكامل للمبرد 1/ 34.¥:
قد صبَّحَتْ صبَّحَها السلامُ
بكَبِدٍ خالَطَها سَنامُ
في ساعةٍ يُحَبُّها الطَّعامُ
وهو يعنى: يُحَبُّ فيها الطعامُ. فحُذِفَت الهاءُ الراجعةُ على "اليومِ"؛ إذ فيه اجتزاءٌ بما ظهَر مِن قولِه: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ} الدالِّ على المحذوفِ منه - عما حُذِف، إذ كان معلومًا معناه.
وقد زعَم قومٌ مِن أهلِ العربيةِ أنه لا يَجوزُ أن يَكونَ المحذوفُ في هذا الموضعِ إلا الهاءَ.
وقال آخَرون: لا يجوزُ أن يكونَ المحذوفُ إلا "فيه".
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على جَوازِ حذفِ كلِّ ما دل الظاهرُ [من الكلام] ¬سقط من: ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ عليه ¬ينظر ما تقدم في ص 139.¥.
وأما المعنى في قولِه: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}. فإنه تحذيزٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه الذين خاطَبَهم بهذه الآيةِ، عقوبته أن تَحِلَّ بهم يومَ القيامةِ، وهو اليومُ الذي لا تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا يَجْزِى فيه والدٌ عن ولدِه، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والدِه شيئًا.
وأما تأويلُ قولِه {لَا تَجْزِي نَفْسٌ}. فإنه يعنى: لا تُغْنى.
كما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}: أما {تَجْزِي} فتُغْنِى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 104 (498) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وأصلُ الجزاءِ في كلامِ العربِ القَضاءُ والتَّعْويضُ، يقالُ: جزَيْتُه قَرْضَه ودَيْنَه، أَجْزِيه جَزاءً. بمعنى: قضَيْتُه دَيْنَه. ومِن ذلك قيل: جزَى اللهُ فلانًا عنى خيرًا أو شرًّا. بمعنى: أثابه عنى، وقضاه عنى ما لزِمنى له بفعلِه الذي سلَف منه إلىَّ.
وقد قال قومٌ مِن أهلِ العلمِ بلغةِ العربِ: يُقالُ: أجْزَيْتُ عنه كذا. إذا أعَنْتَه عليه، وجزَيْتُ عنك فلانًا. إذا كافَأْتَه.
وقال آخَرون منهم: بل: جزَيْتُ عنك: قضَيْتُ عنك، وأجْزَيْتُ: كفَيْتُ.
وقال آخَرون منهم: بل هما بمعنًى واحدٍ، يُقالُ: جزَتْ عنك شاةٌ وأجْزَتْ، وجزَى عنك درهمٌ وأجْزَى، ولا تَجْزِى عنك شاةٌ ولا تُجْزِى. بمعنًى واحدٍ. إلا أنهم ذكَروا أنَّ: جزَت عنك، ولا تُجْزِى عنك، مِن لغةِ أهلِ الحجازِ، وأن: أجْزَأ وتُجْزِئُ، مِن لغةِ غيرِهم. وزعَموا أن تميمًا خاصَّةً مِن بينِ قبائلِ العربِ تقولُ: أجْزَأَتْ عنك شاةٌ، وهي تُجْزِئُ عنك.
وزعَم آخَرون أن "جَزَى" بلا همزٍ: قضَى، و"أجْزَأ" بالهمزِ: كافَأ.
فمعنى الكلامِ إذن: واتَّقُوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا تُغْنى عنها غِنًى.
فإن قال قائلٌ: وما معنى: لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا ¬سقط من ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، ولا تُغْنى عنها غِنًى؟
قيل: هو أن أحدَنا اليومَ ربما قضَى عن ولدِه أو والدِه أو ذي الصَّداقةِ والقَرابةِ دَيْنَه، وأما في الآخرةِ -فإنه فيما أتَتْنا به الأخبارُ، عنها- يَسُرُّ الرجلَ أن يَبْرُدَ ¬برد لي حقى على فلان: وجب ولزم وثبت. تاج العروس (ب ر د).¥ له على ولدِه أو والدِه حقٌّ، وذلك أن قضاءَ الحقوقِ في القيامةِ مِن الحسناتِ والسيئاتِ.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدىُّ، قالا ¬في ر، م: "قال".¥: حدَّثنا المُحاربيُّ، عن أبى خالدٍ الدالانىِّ ¬في م: "الدولابي".¥ يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن زيدِ بنِ أبى أُنَيْسةَ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ المقبريّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا كانت عندَه لأَخيه مَظْلِمَةٌ في عِرْضٍ -قال أبو كُرَيْبٍ ¬في م: "بكر".¥ في حديثِه: أو مَالٍ- جاءَه ¬في م، ت 1، ت 2: "أو جاه".¥ فاسْتَحَلَّهُ قبلَ أَن يُؤْخَذَ منه وليس ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، فإِن كانت له حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِن حَسَنَاتِه، وإن لم تكنْ لَه حَسَنَاتٌ حَمَلُوا عليه من سَيِّئَاتِهم" ¬أخرجه الترمذي (2419) عن نصر بن عبد الرحمن به. وأخرجه الترمذي أيضا، وأبو يعلى (6539) من طريق المحاربي به. وأخرجه الطيالسيّ (2440، 2446)، وأحمد 15/ 377، 16/ 337 (9615، 10573)، والبخاريّ (2449) من طريق سعيد المقبريّ به.¥.
وحدَّثني أبو عثمانَ المُقَدَّميّ، قال: حدَّثنا الفَرَويّ ¬في ر، م، ت 3: "القروي". وينظر تهذيب الكمال 2/ 471.¥، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن المقبريّ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنحوِه ¬أخرجه أبو نعيم في الحلية 6/ 344 من طريق إسحاق بن محمد الفروي به.
وأخرجه ابن حبان (7362) من طريق خالد بن أبى يزيد، عن زيد بن أبى أنيسة، عن مالك به.
وخالفه أبو خالد الدالاني، فرواه عن زيد، عن سعيد المقبريّ، عن أبى هريرة، كما سبق.
وأصحاب مالك يروونه عنه، عن سعيد، عن أبى هريرة. أخرجه البخاريّ (6534)، وغيره. وينظر علل الدارقطني 10/ 356 - 358، ومسند الطيالسيّ (2440).¥.
حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسْلَمَ، قال: حدَّثنا أبو همامٍ الأهْوازيّ، قال: أخْبَرَنا عبدُ اللهِ ابنُ سعيدٍ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنحوِه.
حدَّثني موسى بنُ سهلٍ الرَّمْليّ، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوَرْديّ، عن عمرِو بنِ أبى عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يَمُوتَنَّ أحدُكم وَعليه دَيْنٌ، فَإِنَّه ليس هناك دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ؛ إِنَّما تَقْتَسِمُون هُناك ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "هنالك".¥ الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ". وأشار رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بيدِه يمينًا وشمالًا.
حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا سلمُ بنُ قادمٍ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ هاشمُ بنُ عيسى، قال: أخْبَرَني الحارثُ بنُ مُسلمٍ، عن الزهريّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنحوِ حديثِ أبى هريرةَ ¬إسناده ضعيف؛ هاشم بن عيسى، هو ابن أبى هريرة، قال العقيلي: منكر الحديث، وهو وأبوه مجهولان بالنقل. وأخرجه الطبراني في الأوسط (5159) عن محمد بن الحسين الأنماطي، عن سلم به. وينظر المجمع 10/ 355.¥.
قال أبو جعفرٍ: فذلك معنى قولِه: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}. يعنى أنها لا تَقْضِى عنها شيئًا لزِمها لغيرِها؛ لأن القَضاءَ هنالك مِن الحسناتِ والسيئاتِ على ما وصَفْنا. وكيف يَقْضِى عن غيرِه غُرْمًا ¬في ر، م: "ما"، وفي ت 2، ت 3: "عن ما".¥ لزِمه مَن كان يَسُرُّه أن يَثْبُتَ له على ولدِه أو والدِه حقٌّ فيَأْخُذَه منه ولا يَتَجافَى له عنه؟
وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أن معنى قولِه: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}: لا تَجْزِى منها أن تكونَ مكانَها.
وهذا قولٌ يَشْهَدُ ظاهرُ القرآنِ على فَسادِه؛ وذلك أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن يَقولَ القائلُ: ما أغْنَيْتَ عنى شيئًا. بمعنى: ما أغْنَيْتَ منى أن تكونَ مكاني. بل إذا أرادوا الخبرَ عن شيء أنه لا يَجْزِى مِن شيء، قالوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا. ولا يَسْتَجِيزون أن يَقولوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا شيئًا.
فلو كان تأويلُ قولِه: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}. ما قاله مَن حكَيْنا قولَه، لقال: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ. كما يقالُ: لا تجزِى نفسٌ مِن نفسٍ. ولم يَقُلْ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا}. وفي صحةِ التنزيلِ بقولِه: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أوضحُ الدَّلالةِ على صحةِ ما قلْنا، وفسادِ قولِ مَن ذكَرْنا قولَه في ذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}.
قال أبو جعفرٍ: و"الشَّفاعةُ" مصدرٌ مِن قولِ الرجلِ: شفَع لي فلانٌ إلى فلانٍ شَفاعةً. وهو طلَبُه إليه في قضاءِ حاجتِه، وإنما قيل للشفيعِ: شَفيعٌ وشافعٌ. لأنه ثنَّى المُسْتَشْفِعَ به ¬في م: "له".¥، فصار له شَفْعًا، وكان ذو الحاجةِ قبلَ اسْتِشْفاعِه به في حاجتِه فَردًا، فصار صاحبُه له فيها شافعًا، وطلبه فيه وفي حاجتهِ شَفاعةً، ولذلك سُمِّى الشفيعُ في الدارِ والأرضِ شفيعًا؛ لمصيرِ البائعِ به شَفْعًا.
فتأويلُ الآيةِ إذن: واتَّقوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ حقًّا لزِمها للهِ عزَّ وجلَّ ولا لغيرِه، ولا يَقْبَلُ اللهُ منها شفاعةَ شافعٍ، فيَتْرُكَ لها ما لزِمها مِن حقٍّ.
وقيل: إن اللهَ جل ثناؤُه خاطَب أهلَ هذه الآيةِ بما خاطَبهم به فيها؛ لأنهم كانوا مِن يهودِ بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناءُ اللهِ وأَحبَّاؤُه وأولادُ أنبيائِه، وسيَشْفَعُ لنا عندَه آباؤُنا. فأخْبَرَهم اللهُ تعالى ذكرُه أن نفسًا لا تَجْزِى عن نفسٍ شيئًا في القيامةِ، ولا يُقْبَلُ منها شفاعةُ أحدٍ فيها حتى يُسْتَوْفَى لكلِّ ذي حقٍّ منها حقُّه.
كما حَدَّثَنِي عباسُ بنُ أبى طالبٍ، قال: حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ نُصَيْرٍ، عن شعبةَ، عن العَوَّامِ بنِ مُزَاحِمٍ ¬هكذا في النسخ، وهو قول ابن معين. وفي ر: "مراحم". والصواب: مراجم. بالراء والجيم. ينظر المؤتلف للدارقطني 4/ 2078، وتعجيل المنفعة 2/ 88.¥ -رجلٌ مِن بنى قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ- عن أبي عثمانَ النَّهْدىِّ، عن عثمانَ بنِ عفانَ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إِنَّ الجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِن القرْنَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" ¬إسناده ضعيف؛ حجاج بن نصير ضعيف. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند 1/ 542 (520)، والبزار (387)، والعقيلي في الضعفاء 1/ 285، وابن عدى في الكامل 2/ 649، والدارقطني في العلل 3/ 64 من طرق عن حجاج بن نصير به.
وأخرجه العقيلي 1/ 285، 286، وابن عدى 2/ 650، والدارقطني 3/ 65 من طريق غندر، عن العوام، عن أبي السليل، عن سلمان، موقوفًا. وهو الصواب. قال ابن عدى: قال لنا ابن صاعد: وليس هذا من حديث عثمان عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إنما رواه أبو عثمان، عن سلمان من قوله. وينظر العلل لابن أبي حاتم (2142، 2166)، وعلل الدارقطنيّ.
ومعناه في صحيح مسلم (2582) عن أبى هريرة مرفوعًا.¥.
وكما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء: 47]. فآيَسَهم اللهُ جل ذكرُه مما كانوا أطْمَعوا فيه أنفسَهم مِن النجاةِ مِن عذابِ اللهِ -مع تكذيبهم بما عرَفوا مِن الحقِّ، وخلافِهم أمرَ اللهِ تعالى ذكرُه في اتباعِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وما جاءهم به مِن عندِه- بشفاعةِ آبائِهم وغيرِهم مِن الناسِ كلِّهم، وأخْبَرَهم أنه غيرُ نافعِهم عندَه إلَّا التوبةُ إليه مِن كفرِهم، والإنابةُ مِن ضَلالِهم، وجعَل ما سنَّ فيهم مِن ذلك إمامًا لكلِّ مَن كان على مِثل منهاجِهم؛ لئلا يَطْمَعَ ذوو الإلحادِ في رحمةِ اللهِ.
قال أبو جعفر: وهذه الآيةُ وإن كان مَخْرَجُها عامًّا في التِّلاوةِ، فإن المرادَ بها خاصٌّ في التأويلِ؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "شَفَاعَتى لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِى" ¬أخرجه الطيالسيّ (2138)، وأحمد 20/ 439 (13222)، وأبو داود (4739)، والترمذي (2435)، وغيرهم من حديث أنس.¥. وأنه قال: "ليس مِن نَبِيٍّ إِلَّا وقد أُعْطِىَ دَعْوَةً، وإنِّى اخْتَبَأْتُ دَعْوَتى شَفاعَةً لأُمَّتي، وهي نائِلَةٌ منهم من لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا" ¬أخرجه البخاري (6304، 7474)، ومسلم (198، 199) من حديث أبى هريرة بنحوه.¥. فقد تبَيَّن بذلك أنَّ اللهَ جل ثناؤُه قد يَصْفَحُ لعبادِه المؤمنين بشفاعةِ نبيِّنا محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لهم عن كثيرٍ مِن عُقوبةِ إجْرامِهم بينَهم وبينَه، وأن قولَه: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}. إنما هي لمن مات على كفرِه غيرَ تائبٍ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. وليس هذا مِن مَواضِعِ الإطالةِ في القولِ في الشَّفاعةِ والوَعْدِ والوَعيدِ فَنَسْتَقْصِىَ الحِجاجَ في ذلك، وسنَأْتى على ما فيه الكفايةُ في مَواضِعِه إن شاء اللهُ تعالى.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}.
قال أبو جعفرٍ: و"العَدْلُ" في كلامِ العربِ -بفتحِ العينِ- الفِدْيةُ.
كما حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: أنبأنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} قال: يعنى فِداءً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 105 (501) من طريق آدم به.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}: أما {عَدْلٌ} فيَعْدِلُها، مِن العَدْلِ. يقولُ: لو جاءت بملْءِ الأرضِ ذهبًا تَفْتَدِى به ما تُقُبِّل منها.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. قال: لو جاءت بكلِّ شيءٍ لَمْ يُقْبلْ منها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 45.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مُجاهِدٌ: قال ابنُ عباسٍ: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. قال: بَدَلٌ، والبَدَلُ الفِدْيةُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 68 إلى المصنّف وابن المنذر.¥.
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. قال: لو أن لها مِلْءَ ¬في ص: "مثل".¥ الأرضِ ذهبًا لَمْ يُقْبَلْ منها؛ [لم يُؤْخَذْ منها] ¬سقط من: ر، م.¥ فِداءٌ. قال: ولو جاءَت بكلِّ شيءٍ لَمْ يُقْبَلْ منها.
حدَّثنا نَجيحُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ حَكيمٍ، قال: أخبرنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن عمرِو بنِ قيسٍ المُلَائيِّ، عن رجلٍ مِن بنى أُميةَ مِن أهلِ الشامِ، أحْسَن عليه الثناءَ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ، ما العَدْلُ؟ قال: "العَدْلُ الفِدْيَةُ" ¬إسناده ضعيف؛ عمرو بن قيس من أتباع التابعين، وشيخه مجهول. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 68 إلى المصنّف. وينظر تفسير ابن كثير 1/ 127.¥.
قال أبو جعفر: وإنما قيل للفِدْيةِ مِن الشيء والبَدَلِ منه: عَدْلُه؛ لمُعادَلتِه إياه وهو مِن غيرِ جنسِه، ومَصِيرِه له مثلًا مِن وَجهِ الجَزاءِ، لا مِن وجهِ المُشابَهةِ في الصورةِ والخِلْقةِ، كما قال تعالى ذكره: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]. بمعنى: وإن تَفْدِ كلَّ فِدْيةٍ لا يُؤْخَذْ منها. يقالُ منه: هذا عَدْلُه وعَدِيلُه. وأما العِدْلُ -بكسرِ العينِ- فهو مِثْلُ الحِمْلِ المَحْمولِ على الظهرِ، يقالُ مِن ذلك: عندي غلامٌ عِدْلُ غُلامِك، وشاةٌ عِدْلُ شاتِك. بكسرِ العينِ، إذا كان غلامًا يَعْدِلُ غلامًا، وشاةً تَعْدِلُ شاةً، وكذلك ذلك في كلِّ مثْلٍ للشيءِ مِن جنسِه، فإذا أُريد أن عندَه قيمتَه مِن غيرِ جنسِه نُصِبَت العينُ، فقيل: عندي عَدْلُ شاتِك مِن الدراهمِ. وقد ذُكِر عن بعضِ العربِ أنه يَكْسِرُ العينَ مِن العَدْلِ الذي هو بمعنى الفِديةِ [والمعادلةِ] ¬في ر، م، ت 2: "لمعادلة"، وفي ت 1، ت 3: "المعادلة".¥ ما عادلَتْه مِن جهةِ الجَزاءِ؛ وذلك لتَقارُبِ معنى العَدْلِ والعِدْلِ عندَهم. وأما واحدُ الأعْدالِ فلم يُسْمَعْ فيه إلَّا عِدْلٌ بكسرِ العينِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)}.
وتأويلُ قولِه جلَّ جلاله: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}. يعنى: إنهم يومَئذٍ لا يَنْصُرُهم ناصرٌ، كما لا يَشْفَعُ لهم شافعٌ، ولا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا فِديةٌ، بَطَلَت هنالك المُحاباةُ، واضْمَحَلَّت الرِّشَا والشَّفاعاتُ، وارْتَفَع مِن القومِ التعاوُنُ والتَّناصُرُ، وصار الحُكمُ إلى العَدلِ الجَبَّارِ الذي لا يَنْفَعُ لديه الشُّفَعاءُ والنُّصَراءُ، فيَجْزِى بالسيئةِ مثلَها، وبالحسنةِ أضْعافَها، وذلك نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 24 - 26].
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ في معنى: {لَا تَنَاصَرُونَ}. ما حُدِّثْتُ به عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ}: ما لكم ¬بعده في ت 1، ت 2، ت 3: "اليوم".¥ لا تَمانَعون منا، هَيْهاتَ ¬في الأصل: "أيهات"، على إبدال الهاء همزة، مثل هراق وأراق.¥، ليس ذلك لكم اليومَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 273 إلى المصنّف.¥.
وقد قال بعضُهم في معنى قولِه: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}: وليس لهم مِن اللهِ يومَئذٍ نَصيرٌ يَنْتَصِرُ لهم مِن اللهِ إذا عَاقَبَهم.
وقد قيل: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} بالطلبِ فيهم والشَّفاعةِ والفِدْيةِ.
قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لما وصَفْنا مِن أن اللهَ جل ثناؤُه إنما أعْلَم المخاطَبِين بهذه الآيةِ أن يومَ القيامةِ يومٌ لا فِدْيةَ فيه ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ لمن اسْتَحَقَّ مِن خلقِه عُقوبتَه، ولا شَفاعةَ فيه، ولا ناصرَ له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخْبَر أن ذلك يومَ القيامةِ مَعْدومٌ لا سبيلَ لهم إليه.

تفاسير بلغات أخرى · 6