تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}.
وأما تأويلُ قولِه: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ}. فإنَّه عَطْفٌ على قولِه: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ}. فكأنه قال: اذْكُروا نِعْمتي التي أنْعَمْتُ عليكم، واذْكُروا إنعامَنا عليكم إذ نَجَّيْناكم مِن آلِ فرعونَ، بإنجائِنا لكم منهم.
وأما: [{مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}] ¬سقط من: ر، ت 1، ت 2، ت 3.¥ فإنهم أهلُ دينِه وقومُه وأشْياعُه.
وأصلُ "آل": أهلٌ، أُبْدِلَت الهاءُ همزةً، كما قالوا: ماءٌ ¬في ر، م: "ماه".¥. فأبْدَلوا الهاءَ همزةً، فإذا صغَّروه قالوا: مُوَيْهٌ. فردُّوا الهاءَ في التَّصْغيرِ، وأخْرَجوه على أصلِه، وكذلك إذا صغَّروا "آلًا"، قالوا: أُهَيْلٌ. وقد حُكِى سَماعًا مِن العربِ في تَصْغيرِ "آلٍ"؛ أُوَيْلٌ. وقد يُقالُ: فلانٌ مِن آلِ النساءِ. يُرادُ أنه منهن خُلِق. ويقالُ ذلك أيضًا بمعنى أنه يُرِيدُهن ويَهْواهن، كما قال الشاعرُ ¬البيت في الصاحبى ص 434 غير منسوب، ونسبه في الخصائص 3/ 27 إلى كُثَيِّر، وليس في ديوانه، ونسبه في البحر المحيط 2/ 262 إلى جميل، وليس في ديوانه أيضًا.¥:
فإنكَ ¬في مصادر التخريج: "بثينة".¥ مِن آلِ النِّساءِ وإنَّما ... يَكُنَّ لِأَدْنَى لا وِصالَ لِغائبِ
وأحسنُ أماكنِ "آل" أن يُنْطَقَ به مع الأسماءِ المشهورةِ، مثلَ قولِهم: آلُ النَّبِيِّ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وآلُ عليٍّ، وآلُ العباسِ، وآلُ عَقيلٍ. وغيرُ مُسْتَحْسَنٍ استعمالُه مع المجهولِ وفي أسماءِ الأرَضِين وما أشبهَ ذلك. غيرُ حسنٍ عندَ أهلِ العلمِ بلسانِ ¬في الأصل: "بلغات".¥ العربِ أن يُقالَ: رأيْتُ آلَ الرجلِ، وزارنى ¬في م: "رآنى".¥ آلُ المرأةِ. ولا: رأيْتُ آلَ البصرةِ، وآلَ الكوفةِ. وقد ذُكِر عن ¬بعده في ص، م: "بعض".¥ العربِ سَماعًا أنَّها تقولُ: رأيْتُ آلَ مكةَ، وآلَ المدينةِ. وليس ذلك في كلامِهم بالمستعملِ الفاشى.
وأما {فِرْعَوْنَ} فإنه يقالُ: إنه اسمٌ كانت مُلوكُ العَمالِقةِ بمصرَ تُسَمَّى به، كما كانت ملوكُ الرومِ يُسمَّى بعضُهم قيصَرَ، وبعضُهم هِرقْلَ، وكما كانت ملوكُ فَارسَ تُسَمَّى الأكاسِرةَ واحدُهم كِسْرَي، وملوكُ اليمنِ تُسَمَّى التَّبَابِعةَ، واحدُهم تُبَّعٌ.
وأما فرعونُ موسى الذي أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن بني إسرائيل أنه نجَّاهم منه، فإنه يقالُ: إن اسمَه [الذي هو اسمُه] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الوَليدُ بنُ مُصْعبٍ. كذلك ذكَر محمدُ بنُ إسحاقَ أنه بلَغه عن اسمِه. حدَّثنا بذلك محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 387.¥.
[وقد قيل: إن اسمَه] ¬في م: "أن اسمه الوليد بن".¥ مصعبُ بنُ الرّيَّانِ.
وإنما جاز أن يقالَ: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}. والخطابُ به لمن لَمْ ¬سقط من: ص، ر، ت 1، ت 2، ت 3.¥ يُدْرِكْ فرعونَ ولا المُنَجَّيْنَ منه؛ لأنَّ المُخَاطَبِين بذلك كانوا أبناءَ مَن نجَّاهم مِن فرعونَ وقومِه، فأضاف ما كان مِن نعمِه على آبائِهم إليهم، وكذلك ما كان مِن كُفرانِ آبائِهم، على وجهِ الإضافةِ، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: فعَلْنا بكم كذا وكذا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥،
وفعَلْنا بكم كذا، وقتَلْناكم وسبَيْناكم. والمُخْبِرُ إما أن يكونَ يعنى قومَه وعَشيرتَه بذلك، أو أهلَ بلدِه ووطنِه، كان المَقولُ له ذلك أدْرَكَ ما فُعِل بهم مِن ذلك أو لم يُدْرِكْه، كما قال الأخطلُ يُهاجِى جَريرَ بنَ عَطِيَّةَ ¬ديوان الأخطل ص 391.¥:
ولقد سَما ¬سما لهم: نهض لقتالهم، وتساموا: تباروا. اللسان (س م و).¥ لكمُ الهُذَيْلُ ¬الهذيل: هو الهذيل بن هبيرة التغلبى. النقائض ص 77.¥ فنالَكم ... بإرَابَ ¬إراب: ماء من مياه بنى يربوع، كانت فيه لتغلب وقعة على بنى يربوع. معجم ما استعجم 1/ 133.¥ حيث يُقَسِّمُ الأَنْفالَا ¬في الأصل، ص: "الأثقالا"، وفي ت 1، ت 3: "الأثقال" والنفل: الغنيمة والهبة. اللسان (ن ف ل).¥
في فَيْلَقٍ ¬الفيلق: الكتيبة الكثيرة السلاح. اللسان (ف ل ق).¥ يَدْعُو الأراقِمَ ¬الأرقم من الحيات ما فيه بياض وسواد، والجمع أراقم. اللسان (ر ق م).
والأراقم هنا: هم من بنى تغلب، جشم ومالك وعمرو وثعلبة ومعاوية والحارث بنو بكر بن حبيب، مر كاهن بأمهم وهم في قطيفة لها فقالت: ينظر إلى ولدى هؤلاء. فقال: والله لكأنما رمونى بعيون الأراقم. النقائض ص 78.¥ لم تَكُنْ ... فُرْسانُه عُزْلًا ولا أَكْفالَا ¬الكفل من الرجال: الذي يكون في مؤخر الحرب، وإنما همته في التأخير والفرار. اللسان (ك ف ل).¥
ولم يَلْقَ ¬في ص: "يلحق".¥ جَريرٌ هُذَيلًا ولا أدْرَكه، ولا أدْرَك إرَابَ ولا شهِدَه، ولكنه لما كان يومًا مِن أيامِ قومِ الأخْطَلِ على قومِ جَريرٍ، أضاف الخطابَ إليه وإلى قومِه، فكذلك خطابُ اللهِ عز وجل مَن خاطَبه بقولِه: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}. لمَّا كان فعلُه ما فعَل مِن ذلك بقومِ مَن خاطَبه بالآيةِ وآبائِهم، [أضاف فعْلَه ذلك الذي فعَله بآبائِهم إلى المُخاطَبِين بالآيةِ] ¬سقط من: ص، ر.¥ وقومِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}.
قال أبو جعفرٍ: وفي قولِه: {يَسُومُونَكُمْ}. وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن يَكونَ خبرًا مُسْتَأْنَفًا عن فِعْلِ فرعونَ ببني إسرائيل، فيَكونَ معناه حينَئذٍ: واذْكُروا نعمتي عليكم إذ نَجَّيناكم ¬في ص: "نجيتكم".¥ مِن آلِ فرعونَ، وكانوا مِن قبلُ يَسُومُونكم سُوءَ العذابِ.
وإذا كان ذلك تأويلَه كان موضعُ {يَسُومُونَكُمْ} رفعًا ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "وجها".¥.
والوجهُ الثانى: أن يَكونَ {يَسُومُونَكُمْ} حالًا، فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: وإذ نجَّيْناكم مِن آلِ فرعونَ سائميكم سُوءَ العذابِ. فيكونَ حالًا مِن {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}.
وأما تأويلُ قولِه: {يَسُومُونَكُمْ}. فإنه: يُورِدُونَكم، ويُذِيقُونكم، ويُولُونكم. يقالُ منه: سامه خُطَّةَ ضَيْمٍ. إذا أولاه ذلك وأذاقه ¬سقط من: ر، ت 1، ت 2، ت 3.¥، كما قال الشاعرُ ¬هو عمرو بن سالم الخزاعى، من أبيات قالها يستنصر فيها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على قريش وبنى بكر. والأبيات في سيرة ابن هشام 2/ 394، 395.¥:
*إن سِيمَ خَسْفًا ¬الخسف: الإذلال، وأن يحملك الإنسان ما تكره. التاج (خ س ف).¥ وجهُه تَرَبَّدَا ¬تربد وجهه: تغير من الغضب. التاج (ر ب د).¥ *
وأما تأويلُ قولِه: {سُوءَ الْعَذَابِ} فإنه يعنى: ما ساءَهم مِن العذابِ. وقد قال بعضُهم: أشدَّ العذابِ. ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأَ العذابِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما ذلك العذابُ الذي كانوا يُسومُونهم ¬بعده في ر، م، ت 2، ت 3: "الذي كان يسوءهم"، وفي ت 1: "الذي يسوءهم".¥؟
قيل: هو ما وصَفه اللهُ تعالى ذكْرُه في كتابِه فقال: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}.
وقد قال محمدُ بنُ إسحاقَ في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: كان فرعونُ يُعَذِّبُ بني إسرائيلَ، فيَجْعَلُهم خَدَمًا وخَوَلًا ¬الخَوَل: حشم الرجل وأتباعه، ويقع على العبد والأمة. ينظر النهاية 2/ 88.¥، وصنَّفهم في أعمالِه ¬في الأصل: "أعمالهم".¥؛ فصِنفٌ يَبْنون، وصِنْفٌ يَزْرَعون له، فهم في أعمالِه، ومَن لم يَكُنْ منهم في صَنْعةٍ له مِن عملِه، فعليه الجزيةُ، فسامَهم كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {سُوءَ الْعَذَابِ} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 387. وتقدم أوله في ص 642.¥.
وقال السديِّ: جعَلهم في الأعمالِ القَذِرةِ، وجعَل يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويستحيى نساءَهم. حدَّثني بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ ¬سيأتي مطولا في ص 649.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}.
فأضاف اللهُ جل ثناؤُه ما كان مِن فعلِ آلِ فرعونَ ببني إسرائيل مِن سَوْمِهم إياهم سُوءَ العذابِ، وذَبْحِهم أبناءَهم، واسْتِحْيائِهم نساءَهم، إليهم دونَ فرعونَ -وإن كان فعلُهم ما فعَلوا مِن ذلك كان بقوةِ فرعونَ وعن أمرِه- لمباشرتِهم ذلك بأنفسِهم، فبيِّنٌ بذلك أن كلَّ مباشرٍ قتْلَ نفسٍ أو تعذيبَ حيٍّ بنفسِه، وإن كان عن أمْرِ غيرِه، ففاعلُه المُتَولِّي ذلك هو المستحقُّ إضافةَ ذلك إليه، وإن كان الآمِرُ قاهرًا الفاعلَ المأمورَ بذلك- سلطانًا كان الآمرُ، أو لِصًّا حاربًا ¬في م: "خاربا". والحارب: المُشلِّح، وهو قاطع الطريق. ينظر اللسان (ح ر ب، ش ل ح).¥، أو مُتَغَلِّبًا فاجرًا -كما أضاف جل ثناؤُه تذبيحَ أبناءِ بني إسرائيلَ واستحياءَ نسائِهم إلى آلِ فرعونَ دون فرعونَ، وإن كانوا بقوةِ فرعونَ وأمرِه إياهم بذلك فعَلوا ما فعَلوا، مع غلبتِه إياهم وقهرِه لهم، فكذلك كلُّ قاتلٍ نفسًا بأمرِ غيرِه ظلمًا، فهو المقتولُ به عندَنا قِصاصًا، وإن كان قتلُه إياه بإكراهِ غيرِه له على قتلِه.
وأما تأويلُ ذَبْحِهم أبناءَ بني إسرائيلَ، واستحيائِهم نساءَهم، فإنه كان فيما ذُكِر لنا عن ابنِ عباسٍ وغيرِه كالذي حدَّثنا به العباسُ بنُ الوليدِ الآمُليّ وتَميمُ بنُ المُنْتَصرِ الواسطيّ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ أبى ¬سقط من النسخ، وينظر تهذيب الكمال 23/ 336.¥ أيوبَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: تذاكَر فرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ تعالى ذكرُه وعَد إبراهيمَ خليلَه عليه السلامُ أن يجْعَلَ في ذريتِه أنبياءَ ومُلوكًا، فأْتمروا وأجْمَعوا أمرَهم على أن يَبعَثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ ¬الشفار جمع شفرة، وهو السكين العظيم وما عُرِّض من الحديد وحُدِّد. القاموس المحيط (ش ف ر).¥، يَطُوفون في بني إسرائيل، فلا يَجِدون مولودًا ذكرًا ¬سقط من: ص، ر.¥ إلا ذَبَحوه، ففعَلوا، فلمَّا رأَوْا أن الكبارَ مِن بني إسرائيلَ يَمُوتون بآجالِهم، وأن الصغارَ يُذَبَّحون، قال: تُوشكون أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أن تُباشِروا مِن الأعمالِ والخِدْمةِ ما كانوا يَكْفُونكم، فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فَيقِلَّ ¬في ص، ت 3: "فتقتل"، وفي ت 1: "فيقتل
".¥ أبناؤُهم، ودَعُوا عامًا. فحمَلَتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذي لا يُذْبَحُ فيه الغِلْمانُ، فولَدَته عَلانيةً آمنةً ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "أمه". وغير واضحة في الأصل، والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير 5/ 279، والدر المنثور 4/ 296، وغيرهما كما سيأتي.¥، حتى إذا كان القابلُ حمَلَت بموسى ¬سيأتي تخريجه في تفسير الآية 40 من سورة طه، في حديث الفتون الطويل.¥.
وقد حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ الهَيْثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشارٍ الرَّمَاديّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "سعيد". وهو أبو سعد سعيد بن المرزبان البقال الأعور. وليس هو أبا سعيد عبد الكريم بن مالك الجزرى، فقد جاء مصرحا بأنه أبو سعد الأعور في تفسير ابن أبي حاتم 8/ 2773 (15675).¥، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالت الكَهَنةُ لفرعونَ: إنه يُولَدُ في هذا العامِ مولودٌ يَذْهَبُ بمُلْكِك. قال: فجعَل فرعونُ على كلِّ ألفِ امرأةٍ مائةَ رجلٍ، وعلى كلِّ مائةٍ ¬بعده في الأصل: "امرأة".¥ عشرةً، وعلى كلِّ عشرةٍ رجلًا، فقال: انْظُروا كلَّ امرأةٍ حاملٍ في المدينةِ، فإذا وضَعَت حَمْلَها فانْظُروا إليه، فإن كان ذكرًا فاذْبَحوه، وإن كان أنثى فخَلُّوا عنها ¬في الأصل: "عنه".¥. وذلك قولُه: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 69 إلى المصنف. وأبو سعد البقال ضعيف.¥.
حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}. قال: إن فرعونَ ملَكهم أربعَمائةِ سنةٍ، فقالت الكَهَنةُ: إنه سيُولَدُ العامَ بمصرَ غلامٌ يَكونُ هلاكُك ¬في ص، ر: "هلاكه".¥ على يديه. فبعَث في أهلِ مصرَ نساءً قَوابِلَ، فإذا ولَدَت امراةٌ غلامًا أُتِى به فرعونُ فقتَله، ويَسْتَحْيى الجواري ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 105 (505) من طريق آدم به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} الآية. قال: إن فرعونَ ملَكهم أربعَمائةِ سنةٍ، وإنه أتاه آتٍ، فقال: إنه سيَنْشَأُ في مصرَ غلامٌ مِن بني إسرائيلَ، فيَظْهَرُ عليك، ويَكونُ هَلاكُك على يديه. فبعَث في أهلِ مصرَ نساءً. فذكَر نحوَ حديثِ آدمَ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن السديِّ، قال: كان مِن شأنِ فرعونَ أنه رأي رؤيا ¬سقط من: ر، م.¥ في مَنامِه، أن نارًا أقْبَلَت مِن بيتِ القدسِ حتى اشْتَمَلَت على بيوتِ مصرَ، فأحْرَقَت القِبْطَ وترَكَت بني إسرائيلَ، وأخْرَبَت بيوتَ مصرَ، فدعا السَّحَرةَ والكَهَنةَ ¬بعده في م: "والعافة".¥ والقافَةَ والحازَةَ، فسأَلهم عن رُؤْياه، فقالوا له: يَخْرُجُ مِن هذا البلدِ الذي جاء بنو إسرائيلَ منه -يَعْنون بيتَ المقدسِ- رجلٌ يَكونُ على وجهِه هَلاكُ مصرَ. فأمَر ببني إسرائيل ألا يُولَدَ لهم غلامٌ إلا ذبَحوه، ولا تُولَدَ لهم جاريةٌ إلا تُرِكَت. وقال للقِبْطِ: انظُروا مَمْلوكيكم الذين يَعْمَلون خارجًا فأدْخِلوهم، واجْعَلوا بني إسرائيل يَلُون تلك الأعمالَ القَذِرةَ. فجعَل بني إسرائيل في أعمالِ غلمانِهم، وأدْخَلوا غلمانَهم، فذلك حينَ يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}. يقولُ: تجَبَّر في الأرضِ، {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} يعنى بني إسرائيلَ [حينَ جعَلهم في الأعمالِ القَذِرةِ، {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} [القصص: 4
]. فجعَل لا يُولَدُ لبني إسرائيل] ¬سقط من: ص.¥ مَوْلودٌ إلا ذُبِح، فلا يَكْبَرُ الصغيرُ، وقذَف اللهُ في مَشْيَخةِ بني إسرائيلَ الموتَ، فأسْرَع فيهم، فدخَل رءوسُ القِبْطِ على فرعونَ، فكلَّموه، فقالوا: إن هؤلاء القومَ ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ قد وقَع فيهم الموتُ، فيُوشِكُ أن يَقَعَ العملُ على غِلمانِنا بذبحِ أبنائِهم، فلا تَبْلُغُ الصِّغارُ وتَفْنَى الكِبارُ، فلو أنك كنتَ تُبْقِى مِن أولادِهم. فأمَر أن يُذَبَّحوا سنةً ويُتْرَكوا سنةً، فلما كان في السنةِ التي لا يُذَبَّحون فيها، وُلِد هارونُ فتُرِك، فلما كان في السنةِ التي يُذَبَّحون فيها حمَلت بموسى ¬في الأصل: "موسى".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 106 (506) من طريق عمرو به.
وأخرجه المصنف في تاريخه 1/ 388 عن موسى بن هارون به عن السديِّ بإسناده المعروف. وسيفرق المصنف بقيته فيما يأتى.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ذُكِر لي أنه لما تَقارَب زمانُ موسى أتى مُنَجِّمو فرعونَ وحُزَاتُه ¬في م: "أحزابه".¥ إليه، فقالوا ¬بعده في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "له".¥: تَعَلَّمْ ¬في م: "نعم".¥ أنَّا نَجِدُ في علمِنا أن مولودًا مِن بني إسرائيلَ قد أظلَّك زمانُه الذي يُولَدُ فيه، يَسْلُبُك مُلْكَك، ويَغْلِبُك على سلطانِك، ويُخْرِجُك مِن أرضِك، ويُبَدِّلُ دينَك. فلما قالوا له ذلك أمَر بقتلِ كلِّ مولودٍ يُولَدُ مِن بني إسرائيلَ [مِن الغِلْمَانِ، وأمَر بالنساءِ يُسْتَحْيَيْنَ، فجمَع القَوابلَ مِن نساءِ أهلِ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ مَمْلكتِه، فقال لهن: لا يَسْقُطُ على أيْدِيكُنَّ غلامٌ مِن بني إسرائيلَ] ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ إلا قَتَلْتموه ¬في ص، م: "قتلتنه".¥. فكنَّ يَفْعَلْنَ ذلك، وكان يَذْبَحُ مَن فوقَ ذلك مِن الغلمانِ، ويَأْمُرُ بالحَبَالَى فيُعَذَّبْنَ حتى يطْرَحْنَ ما في بُطونِهنَّ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 387. وتقدم أوله في ص 645.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ، قال: لقد ذُكِر أنه كان لَيَأْمُرُ بالقَصَبِ فيُشَقُّ حتى يُجعَلَ أمثالَ الشِّفَارِ، ثم يُصَفُّ بعضُه إلى بعضٍ، ثم يُؤْتَى بالحَبَالَى مِن بني إسرائيل، فيُوقَفْنَ عليه فيَحُزُّ أقْدامَهن، حتى إن المرأةَ منهن لَتَمْصَعُ ¬مصعت المرأة بولدها: ألقت به. التاج (م ص ع).¥ بولدِها فيَقَعُ ¬بعده فى: ص، ر، م، ت 2: "من".¥ بينَ رِجْلَيْها، فَتَظَلُّ تَطَؤُه تَتَّقِى ¬في الأصل: "وتتقى".¥ به حَدَّ القَصَبِ عن ¬في الأصل: "من".¥ رِجْلَيْها ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "رجلها".¥، لِمَا بلَغ مِن جَهدِها، حتى أسْرَف في ذلك، وكاد يُفْنِيهم، فقيل له: أفْنَيتَ الناسَ، وقطَعْتَ النَّسْلَ، وإنهم خَوَلُك وعُمَّالُك ¬في ص: "غلمانك".¥. فأمَرَ ¬في الأصل، ص، ر، ت 1، ت 2، ت 3: "فتأمر". والمثبت موافق لما في تاريخ المصنف.¥ أن يُقْتَلَ الغِلْمانُ عامًا ويُسْتَحْيَوْا عامًا، فوُلِد هارونُ في السنةِ التي يُسْتَحْيَا فيها الغِلْمانُ، ووُلِد موسى في السنةِ التي فيها يُقْتَلون ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 387، 388.¥.
فالذي قاله مَن ذكَرْنا قولَه مِن أهلِ العلمِ كان ذَبحَ آلِ فرعونَ أبناءَ بني إسرائيل واستحياءَهم نساءَهم. فتأويلُ قولِه إذن -على ما تأوَّله الذين ذكَرْنا قولَهم- {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ¬في الأصل، ت 2: "نساءهم".¥}: يسْتَبقُونَهن فلا يَقْتُلونهن.
وقد يَجِبُ على تأويلِ مَن قال بالقولِ الذي ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ وأبي العالية والربيعِ بنِ أنسٍ والسديِّ في تأويلِ قولِه: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}. أنه تَرْكُهم الإناثَ مِن القتلِ عندَ وِلادتِهن إياهن -أن يكونَ جائزًا أن تُسَمَّى الطفلُ ¬في م، ت 2: "الطفلة".¥ مِن الإناثِ في حال صِباها وبعدَ وِلادتِها ¬في ص، ت 2، ت 3: "ولادها".¥ امرأةً، والصَّبايا الصغارُ وهن أطفالٌ نساءً؛ لأنهم تأوَّلوا قولَ اللهِ جل وعزّ: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}: يَسْتَبْقون الإناثَ مِن الوِلْدانِ عندَ الوِلادةِ فلا يَقْتُلونهن.
وقد أنْكَر ذلك مِن قولِهم ابنُ جُرَيْجٍ، فقال بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}. قال: يَسْتَرِقُّون نساءَكم.
فحاد ابنُ جُرَيْجٍ بقولِه هذا عما قاله [مَن ذكَرْنا قولَه] ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ في قولِه: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}. إنه اسْتِحْياءُ الصَّبايا الأطفالِ ¬بعده في ص، ر، م: "قال".¥، إذ لم يَجِدْهن يَلْزَمُهن اسمُ نساءٍ، ثم دخَل فيما هو أعظمُ مما أنْكَر بتأويلِه {وَيَسْتَحْيُونَ}: ويَسْترِقُّون. وذلك تأويلٌ غيرُ موجودٍ في لغةٍ عربيةٍ ولا أعْجَميةٍ، وذلك أن الاسْتِحياءَ إنما هو اسْتِفْعالٌ مِن الحياةِ، نظيرُ الاسْتِبْقاءِ مِن البَقاءِ، والاسْتِسْقاءِ مِن السَّقْىِ، وهو مِن معنى الاسْتِرقاقِ بمعزِلٍ.
وقد تأوَّل ¬في ر، م: "قال".¥ آخَرون قولَه: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ}. بمعنى: يُذَبِّحون رجالَكم [أبناءَ آبائِكم] ¬في م: "آباء أبنائكم".¥. وأنْكَروا أن يَكونَ المَذْبوحون الأطفالَ، وقد قرَن بهم النساءَ، فقالوا: في إخبارِ اللهِ جل ثناؤُه أن المستحيَيْن هم النساءُ، الدَّلالةُ الواضحةُ على أن الذين كانوا يُذَبَّحون هم الرجالُ دون الصِّبْيانِ؛ لأن المُذَبَّحِين لو كانوا هم الأطفالَ لَوَجَب أن يكونَ المُسْتَحْيَوْن هم الصَّبايا. قالوا: وفي إخبارِ اللهِ عز وجل أنهم النساءُ ما يُبينُ عن ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أن المُذَبَّحِين هم الرجالُ.
وقد أغْفَل قائلو هذه المَقالةِ -مع خروجِهم مِن تأويلِ أهلِ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين- موضعَ الصوابِ، وذلك أن الله جل ثناؤُه قد أخْبَر عن وَحيه إلى أمِّ موسى أنه أمَرها أن تُرْضِعَ موسى، فإذا خافَت عليه أن تُلْقِيَه في التابوتِ، ثم تُلْقِيَه في اليَمِّ، فمعلومٌ بذلك أن القومَ لو كانوا إنما كانوا ¬سقط من: م.¥ يَقْتُلون الرجالَ ويَتْرُكون النساءَ، لم يَكُنْ بأمِّ موسى حاجةٌ إلى إلقاءِ موسى في اليَمِّ، أو لو أن موسى كان رجلًا لم تَجْعَلْه أمُّه في التابوتِ.
ولكن ذلك عندَنا على ما تأوَّله ابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا قولَه قبلُ، مِن ذبْحِ آلِ فرعونَ الصِّبيانَ وترْكِهم مِن القتلِ الصَّبايا. وإنما قيل: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} إذ ¬في الأصل: "إذا".¥ كان الصَّبايا داخلاتٍ مع أُمهاتِهن -وأمهاتُهن لا شكَّ نساءٌ- في الاسْتِحياءِ؛ لأنهم لم يكونوا يَقْتلون صغارَ النساءِ ولا كِبارَهن، فقيل: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} يَعْني بذلك الوالداتِ والمولوداتِ، كما يُقالُ: قد أقبلَ الرجالُ. وإن كان فيهم صِبْيانٌ. فكذلك قولُه: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}. وأما مِن الذكورِ فإنه لمَّا لم يَكُنْ يُذْبَحُ إلا المولودون قيل: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} ولم يَقُلْ: يُذَبِّحون رجالَكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)}.
قال أبو جعفرٍ: أما قولُه: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}. فإنه يعنى: وفي الذي فعَلْنا بكم مِن إنجائِنا كم ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "إنجائنا إياكم".¥ مما كنتم فيه مِن عذابِ آلِ فرعونَ إياكم -على ما وصَفْتُ- بلاءٌ لكم مِن ربِّكم عظيمٌ.
ويعنى بقولِه {بَلَاءٌ}: نعمةٌ، كما حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}. قال: نعمةٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 106 (507) من طريق أبي صالح به.¥.
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}: أما البلاءُ فالنعمةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 106 عقب الأثر (507) من طريق عمرو به. وينظر ما تقدم في ص 648.¥.
وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}. قال: نعمةٌ مِن ربِّكم عظيمةٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 69 إلى وكيع. وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 106 عقب الأثر (507) معلقا.¥.
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثِ سُفيانَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}. قال: نعمةٌ عظيمةٌ.
وأصلُ البلاءِ في كلامِ العربِ الاختبارُ والامتِحانُ، ثم يُسْتَعْمَلُ في الخيرِ والشرِّ؛ لأن الامتحانَ والاختبارَ قد يَكونُ بالخيرِ كما يكونُ بالشرِّ، كما قال اللهُ جل ثناؤُه: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]. يقول: اخْتَبَرْناهم. وكما قال جل ثناؤه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]. ثم تُسَمِّى العربُ الخيرَ بلاءً، والشرَّ بلاءً، غيرَ أن الأكثرَ في الشرِّ أن يُقالَ: بلَوتُه أبْلُوه بلاءً، وفي الخيرِ: أبْلَيْتُه أبْلِيه إبلاءً وبلاءً. ومِن ذلك قولُ زُهَيْرِ بنِ أبى سُلْمَى ¬شرح ديوان زهير ص 109.¥:
جزَى اللهُ بالإحسانِ ما فعَلا بكم ... فأبْلَاهما خيرَ البلاءِ الذي يَبْلُو
فجمَع بينَ اللغتَيْنِ؛ لأنه أراد: فأنْعَم اللهُ عليهما خيرَ النِّعَمِ التي يَخْتَبِرُ بها عبادَه.