تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 58

السورة 2 : الآية 58

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ}.
والقريةُ التي أمَرَهم اللهُ أن يَدْخُلوها فيَأْكُلوا منها رَغَدًا حيث شاءوا -فيما ذُكِر لنا- بيتُ المَقْدِس.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ}. قال: بيتُ المقدسِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 46، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 116 (569) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ}: أما القريةُ فبيتُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "فقرية بيت".¥ المقدسِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 116 عقب الأثر (569) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ}: يعنى بيتَ المَقدِسِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 116 عقب الأثر (569) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
وحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سألْتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- عن قولِه: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا}. قال: هي أَرِيحا، وهي قريبةٌ مِن بيتِ المَقْدِسِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 139.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شيءتُمْ رَغَدًا}.
يَعْني بذلك: فكُلوا مِن هذه القريةِ حيث شيءتُم عيشًا هَنِيئًا واسعًا بغيرِ حِسابٍ.
وقد بيَّنَّا معنى الرَّغَدِ فيما مضَى مِن الكتابِ ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "كتابنا". وينظرما تقدم في ص 549، 550.¥، وذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ فيه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}.
أما البابُ الذي أُمِروا أن يَدْخُلوه، فإنه قيل: هو بابُ الحِطَّةِ مِن بيتِ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}. قال: بابُ الحِطَّةِ مِن بابِ إيلِياءِ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3، وتفسير ابن أبي حاتم "من".¥ بيتِ المقدسِ ¬تفسير مجاهد ص 203، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 117 (574). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 71 إلى عبد بن حميد.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ}: أما البابُ فبابٌ مِن أبوابِ بيتِ المقدسِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 117 عقب الأثر (574) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}: فإنه أحدُ أبوابِ بيتِ المقدسِ، وهو يُدْعَى بابَ حِطَّةٍ.
وأما قولُه: {سُجَّدًا}. فإن ابنَ عباسٍ كان يَتأوَّلُه بمعنى الرُّكَّعِ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا سُفيانُ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}. قال: رُكَّعًا مِن بابٍ صغيرٍ ¬سيأتي مطولًا في ص 725، 726.¥.
حدَّثني الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}. قال: أُمِروا أن يَدْخُلوا رُكَّعًا ¬سيأتي مطولًا في ص 725، 726.¥.
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ السجودِ الانْحِناءُ لمن سُجِد له مُعَظَّمًا بذلك، فكلُّ مُنْحَنٍ لشيء تَعْظيمًا له [وخُشُوعًا] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ فهو له ساجدٌ، ومنه قولُ الشاعرِ ¬هو زيد الخيل، والبيت له في المعانِي الكبير 2/ 890، والكامل 2/ 201، وغير منسوب في الصناعتين ص 286.¥:
بجَمْعٍ ¬في الصناعتين، والكامل: "بجيش".¥ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِه ... تَرَى الأُكْمَ فيه ¬في المعانِي الكبير، والكامل: "منه".¥ سُجَّدًا للحَوافِرِ ¬البلق: جمع أبلق وبلقاء، وهي الفرس التي يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات: جمع حَجْرة، وهي الناحية، والأكم جمع أكمة وهي التل. اللسان (ح ج ر، ب ل ق، أ ك م).¥
يعنى بقولِه: سُجَّدًا: خاشعةً خاضعةً.
ومِن ذلك قولُ أعْشَى بنى ¬في م: "بن".¥ قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ ¬ديوانه ص 53.¥:
يُراوِحُ مِن صلواتِ المَليـ ... ـكِ طَوْرًا سُجودًا وطَوْرًا جؤَارَا
فلذلك تأوَّل ابنُ عباسٍ قولَه: {سُجَّدًا}: رُكَّعًا؛ لأن الراكعَ مُنْحَنٍ، وإن كان الساجدُ أشدَّ انْحِناءً منه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}.
وتأويلُ قولِه: {حِطَّةٌ}: فِعْلةٌ. مِن قولِ القائلِ: حطَّ اللهُ عنك خَطاياك، فهو يَحُطُّها حِطَّةً. بمنزلةِ الرِّدَّةِ والجِدَّةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الحدة".¥ والمِدَّةِ، مِن: جدَدْتُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "حددت".¥ ومدَدْتُ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ: {حِطَّةٌ}؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلْنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. قال: قال الحسنُ وقَتادةُ: أي: احْطُطْ عنا خَطايانا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 47. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 119 (584) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}: يحطُّ اللهُ بها عنكم ذنبَكم وخطيئتَكم ¬في م: "خطاياكم".¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. قال: يَحُطُّ اللهُ ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ عنكم خَطاياكم.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}: مَغْفِرةٌ ¬سيأتي مطولًا في ص 725، 726.¥.
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. قال: تُحَطُّ عنكم خَطاياكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 118 عقب الأثر (580) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
حدَّثَنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال لي عَطاءٌ في قولِه: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. قال: سمِعْنا أنه يَحُطُّ عنهم خَطاياهم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 118 عقب الأثر (580) معلقا.¥.
وقال آخَرون: معنى ذلك: قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. كأنهم وجَّهوا تأويلَه: قولوا الذي يَحُطُّ عنكم خَطاياكم، وهو قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى وسعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ، قالا: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. قال: قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 118 (582) من طريق حفص به. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (205) من طريق حفص، عن الحكم، عن عكرمة، عن ابن عباس، مطولا.
وأخرجه سلمة بن شبيب في زوائده على تفسير عبد الرزاق 1/ 47، والطبراني في الدعاء (1564) من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة قوله. وإبراهيم بن الحكم ضعيف.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 71 إلى عبد بن حميد. وسيأتي في سورة الأحزاب: 70، وسورة فصلت: 6، 7، 30، وسورة الفتح: 26، وسورة النبأ: 38، وسورة النازعات: 18، وسورة الأعلى: 14.¥.
وقال آخَرون بمثلِ معنى قولِ عِكْرمةَ، إلا أنهم جعَلوا القولَ الذي أُمِروا بقيلِه الاسْتغفارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. قال: أُمِرُوا أن يَستَغفِروا ¬سيأتي مطولًا في ص 725، 726.¥.
وقال آخَرون نحوَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "نظير".¥ قولِ عِكْرمةَ، إلا أنهم قالوا: القولُ الذي أُمِروا أن يَقُولوه هو أن يَقُولوا: هذا الأمرُ حقٌّ كما قيل لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. قال. قولوا: هذا الأمرُ حقٌّ كما قيل لكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 118 (581) عن أبى زرعة، عن منجاب.¥.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المعنى الذي مِن أجلِه رُفِعَت "الحِطَّةُ"؛ فقال بعضُ نحويِّي أهلِ البصرةِ: رُفِعَت "الحِطًّةُ" بمعنى قولوا: ليكنْ منك ¬في ص، ر، م، ت 3: "منكم".¥ حِطَّةٌ لذُنوبنا. كما تقولُ للرجلِ: سَمْعُك.
وقال آخَرون منهم: هي كلمةٌ أمَرَهم اللهُ أن يقولوها مرفوعةً، وفرَض عليهم قِيلَها كذلك.
وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ ¬في ص، ر، م: "الكوفيين".¥: رُفِعَت "الحِطَّةُ" بضَميرِ "هذه"، كأنه قال: وقولوا: هذه حطةٌ.
وقال آخَرُ منهم: هي مرفوعةٌ بضَميرٍ معناه الخبرُ، كأنه قال: قولوا: ما هو حطةٌ. فتكونُ "حطةٌ" حينَئذٍ خبرًا لـ "ما".
قال أبو جعفرٍ: والذي هو أقربُ عندي في ذلك إلى الصوابِ وأشْبَهُ بظاهرِ الكتابِ، أن يكونَ رفَع {حِطَّةٌ} بنيةِ خبرٍ محذوفٍ قد دلَّ عليه ظاهرُ التِّلاوةِ، وهو: دخولُنا البابَ سجدًا حطةٌ. فكفَى مِن تَكريرِه بهذا اللفظِ ما دل عليه الظاهرُ مِن التنزيلِ، وهو قولُه ¬في الأصل: "قولوا".¥: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}. كما قال جلَّ ثناؤُه: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةٌ ¬سيأتي تعليق المصنف على قراءة الرفع في سورة الأعراف.¥ إِلَى رَبِّكُمْ) [الأعراف: 164]. بمعنَى: مَوْعِظتُنا إياهم مَعْذِرةٌ إلى ربِّكما. فكذلك عندي تأويلُ قولِه: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}. يَعْني بذلك: وإذ قلْنا: ادْخُلُوا هذه القريَةَ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، وقولوا: دخولُنا ذلك سُجَّدًا حِطّةٌ لذنوبِنا. وهذا القولُ على نحوِ تأويلِ الربيعِ بنِ أنسٍ وابنِ [جُرَيْجٍ وابنِ] ¬سقط من: ص.¥ زيدٍ، الذي ذكَرْناه آنِفًا.
وأما على تأويلِ قولِ عكرمةَ، فإن الواجب أن تكونَ القراءةُ بالنصبِ في: {حِطَّةٌ}؛ لأن القومَ إن كانوا أُمِروا أن يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ. أو أن يقولوا: نَسْتَغْفِرُ اللهَ. فقد قيل لهم: قولوا هذا القولَ. فـ"قولوا" حينَئذٍ واقعٌ على الحِطَّةِ؛ لأن الحِطَّةَ على قولِ عكرمةَ هي قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. وإذا ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "إذ".¥ كانت هي قولَ: لا إلهَ إلا اللهُ. فالقولُ عليها واقعٌ، كما لو أمَر رجلٌ رجلًا بقولِ الخيرِ، لقال ¬في م، ت 2: "فقال".¥ له: قل خيرًا. نصبًا، ولم يكنْ صوابًا أن يقولَ له: قل خيرٌ. إلا على اسْتِكْراهٍ شَديدٍ.
وفى إجماعِ القرأةِ على رفعِ "الحطة" بيانٌ واضحٌ على خلافِ الذي قاله عكرمةُ مِن التأويلِ في قولِه: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}.
وكذلك الواجبُ على التأويلِ الذي روَيْناه عن الحسنِ وقَتادةَ في قولِه: {وَقُولُوا حِطَّةٌ}. أن تكونَ القراءةُ في {حِطَّةٌ} نَصْبًا؛ لأنَّ مِن شأنِ العربِ إذا وضَعوا المصادرَ مَواضِعَ الأفعالِ، وحذَفوا الأفعالَ، أن يَنْصِبوا المصادرَ، كما قال الشاعرُ ¬هو الفرزدق، والبيت في ديوانه ص 890.¥:
أُبِيدُوا ¬في الديوان: "أناخوا".¥ بأَيْدِى عُصْبَةٍ ¬في الديوان: "طاعة".¥ وسُيوفُهم ... على أُمَّهاتِ الهامِ ضربًا شآمِيَا
وكقولِ القائلِ للرجلِ: سمعًا وطاعةً. بمعنى: أسمَعُ ¬في الأصل، ر، ت 1، ت 2، ت 3: "اسمع".¥ سمعًا وأُطيعُ ¬في الأصل، ر، ت 1، ت 2، ت 3: "أطع".¥ طاعةً. وكما قال جلَّ ثناؤُه: {مَعَاذَ اللهِ} [يوسف: 23، 79]. بمعنى: نَعوذُ باللهِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: {نَغْفِرْ لَكُمْ}.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: {نَغْفِرْ لَكُمْ}: نَتَغَمَّدْ لكم بالرحمةِ خَطاياكم، ونَسْتُرْها عليكم، فلا نَفْضَحْكم بالعقوبةِ عليها.
وأصلُ الغَفْرِ التغطيةُ والسترُ، فكلُّ ساترٍ شيئًا فهو غافرُه. ولذلك ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "ومن ذلك".¥ قيل للبَيْضةِ مِن الحديدِ التي تُتَّخَذُ جُنَّةً للرأسِ: مِغْفَرٌ؛ لأنَّها تُغَطِّى الرأسَ وتجُنُّه. ومنه غِمْدُ السيفِ، وهو ما [تَغَمَّدَه فواراه] ¬في م: "يغمده فيواريه".¥، [ومن ذلك] ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "ولذلك".¥ قيل لزِئْبِرِ ¬الزئبر: ما يعلو الثوب الجديد مثل ما يعلو الخز. اللسان (زأبر).¥ الثوبِ: غَفْرةٌ ¬في م: "غفر".¥. لتغطيتِه الثوبَ ¬في م: "العورة"، وفي ت 1: "العيون"، وفي ت 3: "للعيون".
وبعده خرم في النسخة "ص" إلى ص 672 من الجزء الثاني، أثناء تفسير الآية 146 من سورة البقرة.¥، وحئولِه ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "حوله".¥ بينَ الناظرِ والنظرِ إليه ¬في م: "إليها".¥. ومنه قولُ أوسِ بنِ حُجْرٍ ¬ديوانه ص 82.¥:
ألا ¬في م: "فلا".¥ أُعْتِبُ ¬أعتبه: أعطاه العتبى ورجع إلى مسرته، وتقول: قد أعتبنى فلان. أي ترك ما كنت أجد عليه من أجله، ورجع إلى ما أرضانى عنه، بعد إسخاطه إيأي عليه. اللسان (ع ت ب).¥ ابنَ العَمِّ إن كان جاهلًا ... وأغْفِرُ عنه الجهلَ إن كان أجْهَلَا
يعنى بقولِه: وأغفرُ عنه الجهلَ: أسْترُ عليه جهلَه بحِلْمى عنه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: {خَطَايَاكُمْ}.
والخَطايا جمعُ خَطِيَّةٍ بغيرِ هَمْزٍ، كما المَطايا جمعُ مَطِيَّةٍ، والحَشايَا جمعُ حَشِيَّةٍ، وإنما تُرِك جمعُ الخَطايا بالهمزِ؛ لأنَّ تركَ الهَمْزِ في خَطيةٍ أكثرُ مِن الهمزِ، فجُمِع على ¬سقط من: الأصل.¥ خَطايَا، على أنَّ ¬¥ واحدتَها غيرُ مَهْموزةٍ. ولو كانت الخطايا مَجْموعةً على خَطيئةٍ بالهمزِ لقيل: خَطائى. على مثالِ قبيلةٍ وقَبائِلَ، وصَحيفةٍ وصَحائفَ. وقد تُجْمَعُ خَطيئةٌ بالتاءِ فتُهْمَزُ، فيُقالُ: خَطيئاتٌ.
والخَطيئةُ فَعِيلةٌ، مِن: خَطِئ الرجلُ يَخْطَأُ خِطأً. وذلك إذا عدَال عن سبيلِ الحقِّ. ومنه قولُ الشاعرِ ¬هو أمية بن الأسكر، والبيت في ذيل الأمالي ص 109، والأغاني 21/ 10، والخزانة 6/ 19.¥:
[وإنَّ مُهاجِرَيْن] ¬في الأغاني، والخزانة: "أتاه مهاجران".¥ تكَنَّفاه ... [عبادَ ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "لعمر".¥ اللهِ قد] ¬في ذيل الأمالي: "ليترك شيخه"، وفي الأغاني، والخزانة: "ففارق شيخه".¥ خطِئا وحابا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، ومصادر التخريج: "خابا".¥
يعنى: أضَلَّا الحقَّ وأثِما.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)}.
وتأويلُ ذلك ما رُوِى لنا عن ابنِ عباسٍ، وهو ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}: مَن كان منكم مُحْسِنًا زِيد في إِحْسانِه، ومَن كان مُخْطِئًا نَغْفِرْ له خَطيئتَه.
فتأويلُ الآيةِ: وإذ قلنا: ادْخُلوا هذه القريةَ، مُباحًا لكم أكلُ ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "كل".¥ ما فيها مِن الطَّيِّباتِ، ومُوَسَّعًا عليكم بغيرِ حسابٍ، وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، وقولوا: سُجودُنا هذا للهِ حِطَّةٌ مِن ربِّنا لذنوبِنا، يَحُطُّ به آثامَنا. نتَغَمَّد لكم ذُنوبَ المُذْنِبِ منكم، فنَسْتُرها عليه، ونَحُطّ أوْزارَها عنه، ونَزِيدُ ¬في م: "سنزيد".¥ المحسِنَ ¬في الأصل، م، ت 1، ت 2، ت 3: "المحسنين".¥ منكم - إلى إحسانِنا ¬في الأصل: "إحسانه".¥ السالفِ عندَه- إحْسانًا.
ثم أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن عظيمِ جَهالتِهم، وسُوءِ طاعتِهم ربَّهم، وعِصْيانِهم لأنبيائِهم، واسْتِهْزائِهم برسلِهم ¬في م: "برسله".¥، مع عظيمِ آلاءِ اللهِ عندَهم وعَجائبِ ما أراهم مِن آياتِه وعِبَرِه، مُوبِّخًا بذلك أبناءَهم الذين خُوطِبوا بهذه الآياتِ، ومُعْلِمَهم أنهم [لن يَعْدوا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إن تعدوا".¥ -في تكذيبِهم محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وجحودِهم نبوَّتَه، مع عظيمِ إحسانِ اللهِ بمَبْعَثِه فيهم إليهم، وعَجائبِ ما أظْهَر على يديه مِن الحُجَجِ بينَ أظْهُرِهم- أن يكونوا كأسْلافِهم الذين وصَف صفتَهم، وقصَّ عليهم ¬في م: "علينا".¥ أنباءَهم في هذه الآياتِ، فقال جل ثناؤُه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}.

تفاسير بلغات أخرى · 5