تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}.
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: قد دلَّلْنا فيما مضَى قبلُ على معنَى الصبرِ، وأنه كَفُّ النفْسِ وحبسُها عن الشيء ¬ينظر ما تقدم في 1/ 617.¥. فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الآيةِ إذن: واذْكُروا إذ قلتم يا معشرَ بني إسرائيل: لن نُطِيقَ حبسَ أنفسِنا على طعامٍ واحدٍ -وذلك الطعامُ الواحدُ هو ما أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنه أطْعَمَهموه في تِيهِهم، وهو السلْوى في قولِ بعضِ أهلِ التأويلِ، وفي قولِ وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ هو الخبزُ النَّقِىُّ مع اللحمِ- فاسْألْ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ مِن البَقْلِ والقِثَّاءِ، وما سَمَّى اللهُ مع ذلك وذكَر أنهم سأَلوه موسى.
وكان سببَ مسألتِهم موسى ذلك فيما بلَغَنا ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ}. قال: كان القومُ في البرِّيَّةِ قد ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، فملُّوا ذلك، وذكَروا عيشًا كان لهم بمصرَ، فسأَلوه موسى، فقال اللهُ تبارك وتعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ}. قال: ملُّوا طعامَهم، وذكَروا عيشَهم الذي كانوا فيه قبلَ ذلك، قالُوا: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 47، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 123 (611) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ}. قال: كان طعامُهم السلوى، وشرابُهم المنَّ، فسأَلوا ما ذُكِر، فقيل لهم: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ}. قال أبو جعفرٍ الرازىُّ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: وقال قتادةُ: إنهم لما قدِموا الشامَ فقَدوا أَطْعماتِهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أطعمتهم".¥ التي كانوا يَأْكُلُونها، فقالوا: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا}. وكانوا قد ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسلْوى، فملُّوا ذلك، وذكَروا عيشًا كانوا فيه بمصرَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 122، 123 (609، 612) من طريق آدم به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، [عن مجاهدٍ] ¬سقط من: م، ت 2، ت 3.¥ في قولِ اللهِ: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ}: المنُّ والسلْوى، فاسْتَبْدَلوا به البَقْلَ وما ذُكِر معه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهِدٍ بمثلِه سَواءً.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أُعْطُوا في التِّيهِ ما أُعْطُوا، فأَجَمُوا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فملوا" وهما بمعنى. وانظر التاج (أ ج م).¥ ذلك، فقالوا: {يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 122 (610) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وينظر تاريخ المصنف 1/ 431.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ زيدٍ، قال: كان طعامُ بني إسرائيل في التِّيهِ واحدًا، وشرابُهم واحدًا، كان شرابُهم عسلًا يَنْزِلُ لهم مِن السماءِ، يُقالُ له: المنُّ. وطعامُهم طيرٌ يقالُ له: السَّلوى. يأكلُون الطيرَ، ويشربُون العسلَ، لم يكونوا يعرِفون خبزًا ولا غيرَه، فقالوا: يا موسى، إنَّا لن نَصْبِرَ على طعامٍ واحدٍ، {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ}. فقرَأ حتى بلَغ: {اهْبِطُوا مِصْرًا}.
وإنما قال جلَّ ثناؤُه: {يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ}. ولم يَذْكُرِ الذي سأَلوه أن يَدْعُوَ ربَّه ليُخْرجَه لهم مِن الأرضِ، فيقولوا ¬في م: "فيقول: قالوا".¥: ادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا كذا وكذا مما تُنْبِتُه الأرضُ مِن بقلِها وقِثَّائِها؛ لأن "مِن" تأتى بمعنى التبعيضِ لما بعدَها، فاكتُفِى بها مِن ذِكْرِ المُبَعَّضِ ¬في م: "التبعيض".¥، إذ كان معلومًا بدخولِها معنى ما أُرِيد بالكلامِ الذي هي فيه، كقولِ القائلِ: أصَبْتُ ¬في م: "أصبح".¥ اليومَ عندَ فلانٍ مِن الطعامِ. يُرِيدُ: أصبْتُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ شيئًا منه.
وقد قال بعضُهم: "مِن" ههنا بمعنى الإلغاءِ والإسْقاطِ، كأنَّ معنى الكلامِ عندَه: يُخْرِجْ لنا ما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها. واسْتَشْهَد على ذلك بقولِ العربِ: ما رأيْتُ مِن أحدٍ. بمعنى: ما رأيْتُ أحدًا. وبقولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَيُكَفِّرُ ¬في الأصل: "يكفر". وينظر ما سيأتي عند تأويل هذه الآية.¥ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} [البقرة: 271]. وبقولِهم: قد كان مِن حديثٍ، فخَلِّ عنى حتى أذْهَبَ. يُرِيدون: قد كان حديثٌ.
وقد أنْكَر مِن أهلِ العربيةِ جماعةٌ أن تَكونَ "مِنْ" بمعنى الإلغاءِ في شيءٍ مِن الكلامِ، وادَّعَوْا أن دخولَها في كلِّ موضعٍ دخَلَت فيه [إيذانٌ بأنَّ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "مؤذن أن".¥ المتكلمَ مُرِيدٌ بعضَ ما أُدْخِلَت فيه لا جميعَه، وأنها لا تَدْخُلُ في موضعٍ إلا لمعنًى مفهومٍ.
فتأويلُ الكلامِ إذن -على ما وصَفْنا مِن أمرِ مَن ذكَرْنا-: فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا بعضَ ما تُنْبِتُ الأرضُ من بَقْلِها وقِثَّائِها.
والبَقْلُ والقِثَّاءُ والعَدَسُ والبَصَلُ، هو ما قد عرَفه الناسُ بينَهم مِن نباتِ الأرضِ وحبِّها.
وأما الفومُ، فإن أهلَ التأويلِ مختلِفون ¬في ر، م: "اختلفوا".¥ فيه؛ فقال بعضُهم: هو الحِنْطةُ والخبزُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ ومُؤَمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أبي نجيح".¥، عن عطاءٍ، قال: الفُومُ الخبزُ ¬تفسير الثورى ص 45.¥.
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سُفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ ومُجاهِدٍ قولَه: {وَفُومِهَا}. قالا: خُبْزُها ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 145 عن الثوري به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى وكيع وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ: {وَفُومِهَا}. قال: الخبز ¬تفسير مجاهد ص 204.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ والحسنِ: الفومُ هو الحبُّ الذي يَخْتَبِزُ الناسُ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ والحسنِ مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 47.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حُصَيْنٌ، عن أبى مالكٍ في قولِه: {وَفُومِهَا}. قال: الحنطةُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (190 - تفسير) عن خالد بن عبد الله، عن حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المُثَنَّي، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ وحُصَيْنٍ، عن أبى مالكٍ في قولِه: {وَفُومِهَا}. الحِنْطةُ ¬سقط من الأصل.
والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 145 عن هشيم به.¥.
حدَّثني المُثَنَّي، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ، قال: الفُومُ الحبُّ الذي يَخْتَبِزُ الناسُ منه.
حدَّثني موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَفُومِهَا}: هو الحِنْطةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 123 عقب الأثر (614) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال لي عَطاءُ بنُ أبى رَباحٍ قولَه: {وَفُومِهَا}. قال: خبزُها. قالها مجاهدٌ.
حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ السَّهْميُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَفُومِهَا}. يقولُ: الحِنْطةُ والخبزُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان 2/ 6 - عن أبيه عن عبد الله بن صالح به، دون قوله: والخبز. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 72 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 123 (613) من طريق عكرمة، عن ابن عباس، بلفظ: الخبز.¥.
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَفُومِهَا} قال: هو البُرُّ بعينِه، الحِنْطةُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 145 عن الضحاك به.¥.
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا مسلمٌ الجَرْميُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن رِشْدينَ بنِ كُرَيْبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: {وَفُومِهَا}. قال: الفومُ الحِنْطةُ بلسانِ بنى هاشمٍ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 145 عن المصنّف. ورشدين ضعيف.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لى".¥ ابنُ زيدٍ: الفُومُ الخبزُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 145.¥.
حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصرىُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ منصورٍ اليَحْصَبيُّ، عن نافعِ بنِ أبى نُعَيْمٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ سُئِل عن قولِ اللهِ: {وَفُومِهَا}. قال: الحِنْطةُ، أما سمِعْتَ قولَ أُحَيْحةَ بنِ الجُلَاحِ، وهو يقولُ:
قد كنتُ أغْنَى الناسِ شخصًا واحدًا ... ورَد المدينةَ عن زِراعةِ فُومِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 123 (614) من طريق نافع به. وهو لَمْ يدرك ابن عباس.
وأخرجه الطبراني في الكبير (10597) من طريق جويبر، عن الضحاك في المسائل التي سألها نافع بن الأزرق لابن عباس، والأثر في مسائل نافع ص 40.
والبيت في الأغاني 19/ 2، واللسان (ف و م) منسوب إلى أبي محجن الثقفى. وفي الأغاني "فول" بدلًا من "فوم". وهو في المسائل مختلف عن ههنا.¥
وقال آخَرون: هو الثُّومُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ، قال: هو هذا الثُّومُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 144 عن ليث بن أبى سليم، عن مجاهد.¥.
حدَّثني المثنَّي، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الفُومُ الثُّومُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 123 عقب الأثر (615) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به.¥.
وهى في بعضِ القراءةِ: (وثومِها).
وقد ذُكِر أن تسميةَ الحِنْطةِ والخبزِ جميعًا فُومًا مِن اللغةِ القديمةِ. حُكِى سماعًا مِن أهلِ هذه اللغةِ: فَوِّموا لنا. بمعنى: اخْتَبِزوا لنا.
وذُكِر أن ذلك في ¬سقط من: م.¥ قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (وثومِها) ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (191 - تفسير)، وابن أبي داود في المصاحف ص 54 بأسانيد ضعيفة.¥. بالثاءِ. فإن كان ذلك صحيحًا فإنه مِن الحروفِ المُبْدَلةِ، كقولِهم: وقَعوا في عاثُورِ ¬العاثور: ما أُعدَّ ليقع فيه أحد. التاج (ع ث ر).¥ شَرٍّ وعافورِ شرٍّ. وكقولِهم للأَثَافيِّ: أَثَاثيُّ، وللمَغافيرِ: مَغاثِيرُ، وما أشْبَهَ ذلك مما تُقْلَبُ فيه ¬سقط من: ر، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الثاءُ فاءً، والفاءُ ثاءً؛ لتَقارُبِ مَخْرجِ الفاءِ مِن مَخْرَجِ الثاءِ. والمَغافيرُ شَبيهٌ [بالصَّمْغَةِ والعسلِ، ينزِلُ من السماءِ] ¬في ر: "بالشيء الحلو يشبه بالعسل ينزل من السماء حار"، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3: "بالشيء الحلو يشبه بالعسل ينزل من السماء حلوا".¥ يَقَعُ على الشجرِ وغيرِها ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "نحوها".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى}. قال موسى لهم: أتَأْخُذون الذي هو أخسُّ خَطَرًا وقيمةً وقَدْرًا مِن العيشِ، بدلًا بالذي هو خيرٌ منه خطرًا وقيمةً وقدرًا؟ وذلك كان استبدالَهم.
وأصلُ الاسْتِبْدالِ هو تركُ شيءٍ لآخرَ غيرِه مكانَ المتروكِ.
ومعنى قولِه: {أَدْنَى}: أخَسُّ وأوضعُ وأصغرُ قَدْرًا وخَطَرًا. وأصلُه مِن قولِهم: هذا رجلٌ دَنِيٌّ بَيِّنُ الدَّناءةِ، وإنه ليُدَنِّى في الأمورِ. بغيرِ همزٍ. إذا كان يَتَتَبَّعُ خسائسَها ¬في م: "خسيسها".¥. وقد ذُكِر الهمزُ عن بعضِ العربِ فيه سماعًا منهم، يقولون: ما كنتَ دَنِيئًا، ولقد دَنأْتَ. وأنْشَدنى بعضُ أصحابِنا عن غيرِه أنه سمِع بعضَ بنى كِلابٍ يُنْشِدُ بيتًا للأعْشَى ¬ديوانه ص 147.¥:
باسِلةُ الوَقْعِ سَرابِيلُها ... بِيضٌ إلى دانئِها ¬في الديوان: "جانبها".¥ الظاهرِ
يَهْمِزُ الدانئَ. وأنه سمِعهم يقولون: إنه لَدانئٌ خَبيثٌ. بالهمزِ. فإن كان ذلك عنهم صحيحًا، فالهمزُ فيه لغةٌ، وتركُه أخْرَى.
ولا شكَّ أن من اسْتَبْدَل بالمنِّ والسلْوى البَقْلَ والقِثَّاءَ والعَدَسَ والبَصَلَ والثُّومَ، فقد اسْتَبْدَلَ الوَضِيعَ مِن العيشِ بالرفيعِ منه.
وقد تأوَّل بعضُهم قولَه: {الَّذِي هُوَ أَدْنَى} بمعنى: الذي هو أقربُ. ووجَّه قولَه: {أَدْنَى} إلى أنه أفْعَلُ؛ مِن الدُّنُوِّ الذي هو بمعنى القربِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: {الَّذِي هُوَ أَدْنَى}. قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ في تأويلِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}. يقولُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هو شرٌّ بالذي هو خيرٌ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "منه".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 124 (617) من طريق يزيد بن زريع به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: {الَّذِي هُوَ أَدْنَى}. قال: أَرْدَأُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 73 إلى المصنّف.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ}.
وتأويلُ ذلك: فدعا موسي، فاسْتَجَبْنا له، فقلْنا لهم: اهْبِطوا مصرًا. وهو مِن ¬سقط من: الأصل.¥ المحذوفِ الذي اجْتُزِئ بدَلالةِ ظاهرِه عن ¬في م: "على".¥ ذِكْرِ ما حُذِف وتُرِك منه.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أنَّ معنى الهبوطِ إلى المكانِ إنما هو النزول إليه والحُلولُ به ¬ينظر ما تقدم في 1/ 571.¥.
فتأويلُ الآيةِ إذن: وإذ قلتُم: يا موسي، لن نصبِرَ على طعامٍ واحدٍ، فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها وقثَّائِها وفُومِها وعدَسِها وبصلِها. قال موسى لهم: أَتَسْتَبْدِلُون الذي هو أَخَسُّ وأَرْدَأُ مِن العيشِ بالذي هو خيرٌ منه؟ فدعا لهم موسى ربَّه أن يُعْطِيَهم ما سأَلوه، فاسْتَجاب اللهُ له دعاءَه، فأعْطاهم ما طلَبوا، وقال اللهُ تعالى ذكره لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فإن لكم ما سألتُم.
ثم اخْتَلفت القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. فقرَأته عامَّةُ القَرأةِ: {اهْبِطُوا مِصْرًا} بتَنْوينِ "المِصْرِ" وإجْرائِه. وقرَأه بعضُهم بتركِ التنوينِ وحذفِ الألفِ منه ¬وهذه قراءة الحسن وطلحة والأعمش وأبان بن تغلب، وهي كذلك في مصحف أُبيّ وابن مسعود وبعض مصاحف عثمان. المصاحف لابن أبي داود ص 57، والبحر المحيط 1/ 234.¥. فأما الذين نَوَّنوه وأجْرَوْه، فإنهم عنَوْا به مصرًا مِن الأمصارِ لا مصرًا بعينِه. فتأويلُه على قراءتِهم: اهْبِطوا مصرًا مِن الأمصارِ، لأنكم في [البَرِّ و] ¬سقط من: م.¥ البَدْوِ، والذي طلَبْتُم لا يكونُ في البَوادِى والفَيافِي، وإنما يكونُ في القُرى والأمصارِ؛ فإنَّ لكم إذا هبَطْتُموه ¬بعده في الأصل: "به".¥ ما سألْتُم مِن العيشِ. وقد يجوزُ أن يكونَ بعضُ مَن قرَأ ذلك بالإجْراءِ والتَّنْوينِ، كان تأويلُ الكلامِ عندَه: اهْبِطوا مصرًا البلدةَ التي تُعْرَفُ بهذا الاسمِ، وهي مصرُ التي خرَجوا عنها. غيرَ أنه أجْراها ونوَّنها اتِّباعًا منه خَطَّ المصحفِ؛ لأنَّ في المصحفِ ألفًا ثابتةً في "مصرَ"، فيَكونُ سبيلُ قراءتِه ذلك بالإجْراءِ والتنوينِ سبيلَ قراءةِ مَن قرأ: (كَانَتْ قَوَارِيرًا (15) ق
َوَارِيرًا مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان: 15، 16]. مُنَوَّنةً ¬وهي قراءة نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ ابن كثير بالتنوين في الأولي، وبغير تنوين في الثانية. السبعة لابن مجاهد ص 663، 664.¥، اتِّباعًا منه خطَّ المُصْحفِ.
وأما الذي لَمْ يُنَوِّنْ "مصرَ"، فإنه لا شكَّ أنه عنَى "مصرَ" التي تُعْرَفُ بهذا الاسمِ بعينِها دونَ سائرِ البُلْدانِ غيرِها.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نظيرَ اخْتِلافِ القَرأةِ في قراءتِه؛ فحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: {اهْبِطُوا مِصْرًا} أي: مِصرًا مِن الأمصارِ، {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 124 عقب الأثر (618) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 73 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: {اهْبِطُوا مِصْرًا}: مِن الأمصارِ، {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ}. فلمَّا خرَجوا مِن التِّيهِ رُفع المنُّ والسَّلْوَى وأكَلوا البُقولَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 124 (621) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد، به مختصرًا.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثَنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، زعَموا أنهم لَمْ يَرْجِعوا إلى مصرَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ في قولِه: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. قال: يعنى مصرًا مِن الأمصارِ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، ومصرُ لا تُجْرَى في الكتابِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الكلام".¥. فقالوا: أي مصرٍ؟ قال: الأرضُ المقدَّسةُ ¬بعده في م: "التي كتب الله لهم".¥. وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} [المائدة: 21].
وقال آخَرون: هي مصرُ التي كان بها فرعونُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. قال: يعنى به مصرَ فرعونَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 124 (619) من طريق آدم به.¥.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه.
ومِن حُجَّةِ مَن قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه إنما عنَى بقولِه: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. مصرًا مِن الأمصارِ دون مصرِ فرعونَ بعينِها - أن اللهَ تبارك وتعالى جعَل أرضَ الشامِ لبني إسرائيل مَساكنَ بعدَ أن أخْرَجَهم مِن مصرَ، وإنما ابْتَلاهم بالتِّيهِ بامتناعِهم على موسى صلى اللهُ عليه في حربِ الجبَابرةِ، إذ قال لهم: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}. {قَالُوا يَامُوسَى ¬بعده في م: "إن فيها قومًا جبارين. إلى قوله".¥ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]. فحرَّم اللهُ عزَّ وجلَّ على قائلِى ذلك -فيما ذُكِر لنا- دخولَها حتى هلَكوا في التِّيهِ، وابْتَلاهم بالتَّيَهانِ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم أهْبَط ذرِّيّتَهم الشامَ، فأسْكَنَهم الأرضَ المقدَّسةَ، وجعَل هلاكَ الجبَابرةِ على أيديهم مع يُوشَعَ بنِ نُونٍ، بعدَ وفاةِ موسى عليه السلامُ. قالوا ¬سقط من: م.¥: فرَأَيْنا اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عنهم أنه كتَب لهم الأرضَ المقدسةَ، ولم ي
ُخْبِرْنا عنهم أنه ردَّهم إلى مصرَ بعدَ إخراجِه إيَّاهم منها، فيَجُوزَ لنا أن نَقْرَأَ: (اهبِطوا مصرَ). ونتَأَوَّلَه أنه ردَّهم إليها.
قالوا: فإن احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بقولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 57 - 59].
قيل له ¬في م: "لهم".¥: فإن اللهَ جلّ ثناؤُه إنما أوْرَثهم ذلك فملَّكهم إيَّاها، ولم يَرُدَّهم إليها، وجعَل مَساكنَهم الشامَ.
وأما الذين قالوا: إنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: {اهْبِطُوا}. مصرَ، فإن مِن حُجَّتِهم التي احْتَجُّوا بها الآيةَ التي قال فيها: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}. وقولَه: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28]. قالوا: فأخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه قد ورَّثهم ذلك وجعَلها لهم، فلم يكونوا ليَرِثوها ثم لا يَنْتَفِعوا بها.
قالوا: ولا يَكونون مُنْتَفِعِين بها إلا [بمصيرِهم أو] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ بمَصيرِ بعضِهم إليها، وإلا فلا وجهَ للانتفاعِ بها إن لم يَصِيروا، أو يَصِرْ بعضُهم إليها.
قالوا: وأُخرى أنها في قراءةِ أبيِّ ابنِ كعبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (اهبِطوا مصرَ). بغيرِ ألفٍ. قالوا: ففي ذلك الدَّلالةُ البينةُ على أنها مصرُ بعينِها.
والذي نقولُ به في ذلك أنه لا دَلالةَ في كتابِ اللهِ جلَّ ثناؤُه على الصوابِ مِن هذين التأويلَيْن، ولا خبرَ به عن الرسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، وأهلُ التأويلِ مُتَنازِعون تأويلَه.
فأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ ¬في ر، م: "والصواب".¥ أن يُقالَ: إن موسى سأَل ربَّه أن يُعْطِىَ قومَه ما سأَلوه مِن نباتِ الأرضِ -على ما بيَّنه اللهُ جلَّ ثناؤُه في كتابِه- وهم في الأرضِ تائِهون، فاسْتَجاب اللهُ لموسى دعاءَه، وأمَره أن يَهْبِطَ بمَن معه مِن قومِه قَرارًا مِن الأرضِ التي تُنْبِتُ ¬بعده في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "لهم".¥ ما سأَل لهم مِن ذلك، إذ كان ما ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "الذى".¥ سأَلوه لا يُنْبِتُه إلَّا القُرَى والأمصارُ، فإنَّه ¬في ر، م: "وأنه".¥ قد أعْطاهم ذلك إذا ¬في ر، م، ت 1، ت 2، ت 3: "إذ".¥ صاروا إليه. وجائزٌ أن يَكونَ ذلك القَرارُ مصرَ، وجائزٌ أن يكونَ الشامَ.
فأما القراءةُ فإنها بالألفِ والتنوينِ: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. وهي القراءةُ التي لا يَجوزُ عندي غيرُها؛ لإجماعِ خُطوطِ مصاحفِ المسلمين، واتفاقِ قراءةِ القَرأَةِ على ذلك، ولم يَقْرَأْ بتركِ التنوينِ فيه وإسقاطِ الألفِ منه إلا مَن لا يَجوزُ الاعْتِراضُ به على الحُجَّةِ فيما جاءَت به مِن القراءةِ مُسْتَفِيضًا فيها ¬في ر: "بينها"، وكتب فوقها: "فيها"، وأشار إلى نسخة، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3: "بينها". وإلى هنا ينتهى الجزء الموجود عندنا من النسخة "ر" وهو نهاية المجلد الأول منها.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}.
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: {وَضُرِبَتْ}. أي: فُرِضَت ووُضِعَت عليهم الذِّلةُ وأُلْزِمُوها، مِن قولِ القائلِ: ضرَب الإمامُ الجِزْيةَ على أهلِ الذِّمةِ، وضرَب الرجلُ على عبدِه الخَراجَ. يَعْني بذلك [أنَّه فرَضه ووظَّفه وألزمه] ¬في م: "وضعه فألزمه".¥ إيَّاه، وهو من قولِهم: ضرَب الأميرُ على الجيشِ البَعْثَ. يُرادُ به: ألْزَمَهموه.
وأما "الذِّلةُ" فإنَّها الفِعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: ذلَّ فلانٌ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّةً. كالصِّفْوةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "كالصغرة".¥، مِن: صفا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "صغر".¥ هذا الأمرُ. والقِعْدةِ، مِن: قعَد.
و"الذِّلةُ" هي الصَّغارُ الذي أمَر اللهُ عبادَه المؤمنين ألا يُعْطُوهم أمانًا -على القَرارِ على ما هم عليه مِن كفرِهم به وبرسلِه ¬في م: "برسوله".¥ - إلا أن يَبْذُلوا الجزيةَ عليه لهم، فقال تبارك اسمُه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ ¬في الأصل: "عمار".¥، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ}. قالا: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 47. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 125 (623) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وأما "المَسْكَنةُ" فإنّها مصدرُ المِسْكينِ، يقالُ: ما فيهم أسْكَنُ مِن فلانٍ. و: ما كان مِسْكينًا. و: لقد تَمَسْكن تمَسْكُنًا ¬في م: "مسكنة".¥. ومِن العربِ مَن يقولُ: تسكَّن ¬في م: "تمسكن".¥
تسكُّنًا ¬في م: "تمسكنًا".¥. و "المَسْكَنةُ" في هذا الموضعِ مَسْكَنةُ الفاقةِ والحاجةِ، وهي خُشوعُها وذُلُّها.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {وَالْمَسْكَنَةُ}. قال: الفاقةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 125 (627) من طريق آدم به.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}. قال: الفقرُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 125 عقب الأثر (627) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}. قال: هؤلاء يهودُ بني إسرائيل. قلتُ له: هم قِبْطُ مصرَ؟ قال: وما لقِبْطِ مصرَ وهذا، لا واللهِ ما هم هم، ولكنهم اليهودُ، يهودُ بني إسرائيل.
فأخْبَرَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فأخبرهم".¥ اللهُ عزَّ وجلَّ أنه أَبْدَلهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يبدلهم".¥ بالعِزِّ ذُلًّا، وبالنِّعْمةِ بُؤْسًا، وبالرِّضا عنهم غَضَبًا، جَزاءً منه لهم على كُفرِهم بآياتِه، وقتلِهم أنبياءَه ورسلَه؛ اعتداءً وظلمًا منهم بغيرِ حقٍّ، و [عصيانًا منهم] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عصيانهم".¥ له، وخلافًا عليه، تعالى ربُّنا وجلَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ}.
يعنى بقولِه: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ}: انْصَرَفوا ورجَعوا. ولا يُقالُ: باءُوا. إلَّا موصولًا؛ إمَّا بخيرٍ وإما بشرٍّ، يُقالُ منه: باء فلانٌ بذنبِه، يَبُوءُ به بَوْءًا وبَواءً ¬في الأصل، ت 2: "بُؤُوءًا".¥. ومنه
قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29]. يعنى: تَنْصَرِفَ مُتَحَمِّلَهما ¬في الأصل: "محتملهما".¥ وتَرْجِعَ بهما، قد صارا عليك دُونى.
فمعنى الكلامِ إذن: فرجَعوا مُنْصَرِفِين مُتَحَمِّلِين غَضَبَ اللهِ، قد صار عليهم مِن اللهِ غَضَبٌ، ووجَب عليهم منه سَخَطٌ. كما حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ}. فحدَث عليهم غَضَبٌ مِن اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 126 (631) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ}. قال: اسْتَحَقُّوا الغضَبَ مِن اللهِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 126 عقب الأثر (631) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 73 إلى المصنف.¥.
وقد بيَّنَّا معنى غضَبِ اللهِ جلَّ ثناؤُه على عبدِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِه في هذا المكانِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 189، 190.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {ذَلِكَ}. ضرْبَ الذِّلةِ والمَسْكَنةِ عليهم، وإحلالَ ¬في م: "إحلاله".¥ [غضبِه بهم] ¬في ت 3: "الغضب عليهم".¥، فدلَّ بقولِه: {ذَلِكَ} -وهو يعنى به ما وصَفْنا- على أن قولَ القائلِ: ذلك. يَشْمَلُ المعانِي الكثيرةَ إذا أُشِير به إليها.
ويعنى بقولِه: {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ}. مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون. يقولُ: فعَلْنا [الذي فعلْنا] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ بهم -مِن إحلالِ الذُّلِّ والمَسْكَنةِ والسَّخَطِ بهم- مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللهِ، ويَقْتُلون النَّبِيين بغيرِ الحقِّ. كما قال أعْشَى بنى ثَعْلبةَ ¬ديوانه ص 93.¥:
مَلِيكيَّةٌ جاوَرَتْ بالحِجَا ... زِ قَوْمًا عُدَاةً وأرضًا شَطِيرَا
بما قد ترَبَّعُ روْضَ القَطَا ¬روض القطا: من أشهر رياض العرب وأكثرها دورا في أشعارهم، وهي بين السّلى والعرمة شرق مدينة الرياض. معجم البلدان 2/ 856، ومعجم الأماكن الواردة في المعلقات العشر ص 230 وما بعدها.¥ ... وروْضَ التَّناضِبِ ¬التناضب: من أضاة بنى غفار فوق سرف، على مرحلة من مكة. تاج العروس (ن ض ب).¥ حتى تَصِيرَا ¬حتى تصيرا: حتى تحضر المياه، والمصير: الموضع الذي تصير إليه المياه. اللسان (ص ى ر).¥
يَعْني بذلك: جاوَرَتْ ¬بعده في م: "بهذا المكان".¥ هذه المرأةُ قومًا عُدَاةً وأرضًا بَعيدةً مِن أهلِه، مكانَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بمكان".¥ قُرْبِها كان منه ومِن قومِه وبدلًا؛ مِن ¬"من" هنا تعليلية، يريد: من أجل.¥ تَرُّبعِها رَوْضَ القَطَا ورَوْضَ التَّناضِبِ.
فكذلك قولُه: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ}. يقولُ: كان ذلك منا [مِنْ أجلِ كفرِهم] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بكفرهم".¥ بآياتِنا، وجَزاءً لهم بقتلِهم أنْبياءَنا.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا أن معنى الكفرِ تَغْطيةُ الشيءِ وسترُه، وأن آياتِ اللهِ حُججُه وأعلامُه وأدلتُه على توحيدِه وصدقِ رسلِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 262.¥.
فمعنى الكلامِ إذن: فعَلْنا بهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا يَجْحَدون حُجَجَ اللهِ على توحيدِه وتصديقِ رسلِه، [ويُدَافِعون حقيقتَها] ¬في م: "ويدفعون حقيتها".¥، ويُكَذِّبون بها.
ويعنى بقولِه: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}: ويَقْتُلون رسلَ اللهِ الذين ابْتَعَثَهم لإنباءِ ما أرْسَلَهم به عنه لمن أُرْسِلوا إليه.
وهم جِماعٌ، واحدُهم نبىٌّ بغيرِ همزٍ، وأصلُه الهمزُ؛ لأنه مِن: أنْبَأ عن اللهِ، فهو يُنْبِئُ عنه إنْباءً. وإنما الاسمُ منه مُنْبِئٌ، ولكنه صُرِف وهو مُفْعِلٌ إلى فَعِيلٍ، كما صُرِف سَميعٌ إلى فَعِيلٍ مِن مُفْعِلٍ، وبَصِيرٌ مِن مُبْصِرٍ، وأشْبَاهُ ذلك. أُبْدِلَ مكانَ الهمزةِ مِن النبئِ الياءُ، فقيل: نبىٌّ. هذا ويُجْمَعُ النَّبيّ أيضًا أنْبياءَ، وإنما جمَعوه كذلك لإلحاقِهم النَّبيّ، بإبدالِ الهمزةِ منه ياءً، بالنُّعوتِ التي تَأْتى على تقديرِ فَعِيلٍ مِن ذَواتِ الياءِ والواوِ، وذلك أنهم إذا جمَعوا ما كان مِن النُّعوتِ على تقديرِ فَعِيلٍ مِن ذواتِ الياءِ والواوِ، جمَعُوه على أَفْعِلاءَ، كقولهم: ولىٌّ وأوْلِياءُ، ووَصِىٌّ وأَوْصِياءُ، ودَعِىٌّ وأَدْعِياءُ. ولو جمَعوه على أصلِه الذي هو أصلُه، وعلى أن الواحدَ نبئٌ مَهْموزٌ، لجَمَعوه على فُعَلاءَ، فقيل: همُ النُّبآءُ. على مثالِ النُّبَغاءِ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "النبآء".¥، لأن ذلك جمعُ ما كان على فَعِيلٍ مِن غيرِ ذَواتِ الياءِ والواوِ مِن النُّعوتِ، كجمعِهم الشريكَ شُرَكاءَ، والعليمَ عُلَماءَ، والحَكِيمَ حُكَماءَ، وما أشْبَهَ ذلك. قد حُكِى سَماعًا مِن العربِ في جمعِ الن
َّبيّ: النُّبآءُ. وذلك مِن لغةِ الذين يَهْمِزون النبئَ ثم يَجْمَعونه النُّبآءَ، على ما قد بيَّنْتُ. ومِن ذلك قولُ عباسِ بنِ مِرْداسٍ السُّلَمىِّ، في مدحِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬سيرة ابن هشام 2/ 461.¥:
يا خاتَمَ النُّبآءِ إنك مُرْسَلٌ ... [بالحقِّ خيرُ هُدَى الإلهِ] ¬في م: "بالخير كل هدى السبيل"، وفي السيرة: "بالحق كل هدى السبيل".¥ هُدَاكا
فقال: يا خاتمَ النُّبآءِ. على أن واحدَهم نبئٌ مَهْموزٌ.
وقد قال بعضُهم: النَّبيّ والنبوَّةُ غيرُ مَهْموزَيْنِ، لأنهما مأْخوذان مِن النَّبوَةِ، وهي مثلُ النَّجْوةِ، وهما ¬في م: "هو".¥ المكانُ المرتفعُ، وكان يقولُ: إن أصلَ النبيِّ الطريقُ. ويَسْتَشْهِدُ على ذلك ببيتِ القُطَاميِّ ¬ديوانه ص 27.¥:
لمَّا وَرَدْنَ نبِيًّا واسْتَتَبَّ لنا ¬في م: "بنا".¥ ... مُسْحَنْفِرٌ ¬مسحنفر: ممتد. اللسان (سحفر).¥ كخُطوطِ السَّيْحِ ¬في م: "النسج". والسيح: قيل: العباءة المخططة. وقيل: نوع من البرود. اللسان (س ى ح).¥ مُنْسَحِلُ ¬السحل: الكشط والقشر. اللسان (س ح ل).¥
ويقولُ: إنما سُمِّى الطريقُ نبيًّا؛ لأنه ظاهرٌ مُسْتَبِينٌ، مِن النَّبْوةِ. ويقولُ: لم أسْمَعْ أحدًا يَهْمِزُ النبيَّ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قال".¥. وقد ذكَرْنا ما في ذلك، وبيَّنَّا ما فيه الكفايةُ إن شاء اللهُ.
ويعنى بقولِه: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}. أنهم كانوا يَقْتُلون رُسُلَ اللهِ بغيرِ إذنِ اللهِ لهم بقتلِهم، مُنْكِرِين رسالتَهم، جاحِدِين نبوتَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)}.
وقولُه: {ذَلِكَ} ردٌّ على {ذَلِكَ} الأولِ. ومعنى الكلامِ: وضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ والمَسْكَنةُ، وباءوا بغضبٍ مِن اللهِ؛ مِن أجْلِ كفرِهم بآياتِ اللهِ وقتلِهم النبيِّين بغيرِ الحقِّ، ومِن أجْلِ عِصْيانِهم ربَّهم واعتدائِهم حدودَه. فقال جل ثناؤُه: {ذَلِكَ
بِمَا عَصَوْا}. والمعنى: ذلك بعصيانِهم وكونِهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "كفرهم".¥ مُعْتَدِين.
والاعتداءُ تَجاوُزُ الحدِّ الذي حدَّه اللهُ تعالى ذكرُه لعبادِه إلى غيرِه، وكلُّ مُتجاوِزٍ حدَّ شيء إلى غيرِه فقد تَعَدَّاه إلى ما تجاوَز إليه. فمعنى الكلامِ: فعَلْتُ بهم ما فعَلْتُ مِن ذلك بما عصَوْا أمرى، وتَجاوَزوا حدِّى إلى ما نهَيْتُهم عنه.