تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعز: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ}: ثم أعْرَضْتُم. وإنما هو "تفَعَّلْتُم"،
مِن قولِهم: ولَّانى فلانٌ دُبُرَه. إذا اسْتَدْبَر عنه وخلَّفه خلفَ ظهرِه، ثم يُسْتَعْمَلُ ذلك في كلِّ تاركٍ طاعةَ أَمْرٍ، [وهاجرِ خِلٍّ] ¬في م: "بها عز وجل".¥، ومُعْرِضٍ بوجهٍ ¬في م: "بوجهه".¥، فيقالُ: فلانٌ قد تَوَلَّى عن طاعةِ فلانٍ، وتوَلَّى عن مُواصلتِه. ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [التوبة: 76]. يَعْني بذلك: خالَفوا ما كانوا وعَدوا اللهَ مِن قولِهم: {لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [التوبة: 75]. ونبَذوا ذلك وراءَ ظُهورِهم.
ومِن شأنِ العربِ استعارةُ الكلمةِ ووضعُها مكانَ نَظيرتِها، كما قال أبو ذُؤَيْبٍ ¬كذا في النسخ، وكذا قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص 112، والبيتان من قصيدة لأبى خراش
الهذلى يرثى بها زهير ابن العجوة. ديوان الهذليين 2/ 150.¥ الهُذَلىُّ:
فليس كعَهْدِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لعهد".¥ الدارِ يا أمَّ مالكٍ ... ولكن أحاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ
وعاد الفتى كالكَهْلِ ليس بقائِلٍ ... سوى العَدْلِ ¬في الأصل: "العذل"، وفي م: "الحق". وينظر شرح أشعار الهذليين 3/ 1223.¥ شيئًا واسْتَراح العَواذِلُ
يعنى بقولِه: أحاطَت بالرِّقابِ السَّلاسلُ. أن الإسلام صار في منعِه إيانا ما كنا نَأْتِيه في الجاهليةِ مما حرَّمه اللهُ علينا في الإسلامِ، بمنزلةِ السَّلاسلِ المُحيطةِ برِقابِنا التي تَحُولُ بينَ مَن كانت في رقبتِه، مع الغُلِّ الذي في يدِه، وبينَ ما حاول أن يَتَناوَلَه.
ونَظائرُ ذلك في كلامِ العربِ أكثرُ مِن أن تُحْصَى. فكذلك قولُه: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}. يَعْني بذلك أنكم ترَكْتُم العملَ بما أخَذْنا ميثاقَكم وعهودَكم على العملِ به بجدٍّ واجْتهادٍ، بعدَ إعطائِكم ربَّكم المَواثيقَ على العملِ به، والقيامِ بما أمَرَكم به في كتابِكم، فنبَذْتُموه وراءَ ظهورِكم.
وكنَى بقولِه: {ذَلِكَ}. عن جميعِ ما قبلَه في الآيةِ المتقدمةِ، أعنى قولَه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} الآية.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}. فلولا أن اللهَ تفَضَّل عليكم بالتوبةِ بعدَ نَكثِكمُ ¬في ت 2، ت 3: "نقضكم"، وفي ت 1: "نبذكم".¥ الميثاقَ الذي واثَقْتُموه -إذ رفَع فوقَكم الطورَ- بأنكم تَجْتَهِدون في طاعتِه، وأداءِ فَرائضِه، والقيامِ بما أمَرَكم به، والانْتِهاءِ عما نَهاكم عنه في الكتابِ الذي آتاكم، فأنْعَم عليكم بالإسلامِ، ورحمتُه التي رحِمَكم بها، فتَجاوَز عنكم خَطيِئتَكم التي ركِبْتُموها، بمراجعتِكم طاعةَ ربِّكم - لكنتم مِن الخاسرين.
وهذا وإن كان خطابًا لمن كان بينَ ظهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن أهلِ الكتابِ أيامَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فإنما هو خبرٌ عن أسلافِهم، فأُخْرِج ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الخبر".¥ مُخْرَجَ الخَبَرِ ¬في م: "المخبر".¥ عنهم، على نحوِ ما قد بيَّنَّا فيما مضَى، من أن القَبيلةَ مِن العربِ تُخاطِبُ القَبيلةَ عندَ الفَخارِ أو غيرِه، بما مضَى مِن فِعلِ أسْلافِ المخاطِب بأسْلافِ المخاطَبِ، فتُضِيفُ فِعْلَ أسْلافِ المُخاطِبِ إلى أنفسِها، فتقولُ: فعَلْنا ¬بعده في م: "بكم".¥ وفعَلْنا ¬سقط من: م.¥. [وما فُعِل بأسلافِ المخاطَبِ إلى المخاطِبِ لهم بقولِهم: فعَلنا بكمْ] ¬زيادة من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ [وفعلْنا بكم] ¬¥. وقد ذكَرْنا بعضَ الشواهِدِ في ذلك مِن شعرِهم فيما مضَى ¬ينظر ما تقدم في 1/ 642، 643.¥.
وقد زعَم بعضُهم أن الخطابَ في هذه الآياتِ إنما أُخْرِج بإضافةِ الفعلِ إلى المُخاطَبِين، والفعلُ لغيرِهم؛ لأن المخاطَبِين بذلك كانوا يَتَوَلَّوْن مَن كان فعَل ذلك مِن أوائلِ بني إسرائيلَ، فصيَّرهم اللهُ منهم مِن أجلِ وِلايتِهم لهم.
وقال بعضُهم: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأن سامِعيه كانوا عالِمين -وإن كان الخطابُ خرَج خطابًا للأحْياءِ مِن بني إسرائيلَ وأهلِ الكتابِ- أن ¬في م: "إذ".¥ المعنى في ذلك إنما هو خبرٌ عما [قد مضَى] ¬في م: "قص الله".
* من هنا يبدأ خرم في المخطوطة الأصل وينتهى في ص 159.¥ مِن أنْباءِ أسلافِهم، فاسْتُغْنِى بعلم السامِعِين بذلك عن ذكرِ أسْلافِهم بأعْيانِهم. ومثَّل ذلك بقولِ الشاعرِ ¬معانى القرآن 1/ 61، وفي حاشية الأمير على مغنى اللبيب 1/ 25: في حاشية السيوطي: قائله زائدة بن صعصعة الفقعسى. ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى 1/ 89.¥:
إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْنى لَئِيمةٌ ... ولم تَجِدِى مِن أن تُقِرِّى به بُدًّا
فقال: إذا انْتَسَبْنا. و "إذا" تَقْتَضِى مِن الفعلِ مُسْتَقْبلًا، ثم قال: لم تَلِدْنى لَئِيمةٌ. فأخْبَر عن ماضٍ مِن الفعلِ، وذلك أن الوِلادةَ قد مَضَت وتقدَّمَت، وإنما فعَل ذلك -عندَ المُحْتَجِّ به- لأن السامعَ قد فهِم معناه.
فجعَل ما ذكَرْنا مِن خطابِ اللهِ أهلَ الكتابِ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أيامَ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بإضافةِ أفعالِ أسْلافِهم إليهم - نظيرَ ذلك.
والأولُ الذي قُلْنا هو المُسْتَفِيضُ في ¬في م: "من".¥ كلامِ العربِ وخِطابِها.
وكان أبو العاليةِ يقولُ في قولِه: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} -فيما ذُكِر لنا- نحوَ القولِ الذي قُلْناه.
حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ ¬في النسخ: "النضر". وهو من الأسانيد الدائرة.¥، عن الربيعِ، عن أبي العالية: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}. قال: فضلُ اللهِ الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 131 عقب الأثر (662) من طريق آدم به.¥.
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه] ¬سقط من النسخ، وهو من الأسانيد الدائرة.¥، عن الربيعِ بمثلِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 131 عقب الأثر (662، 664) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)}.
قال أبو جعفرٍ: فلولا فَضْلُ اللهِ عليكم ورَحْمَتُه إياكم، بإنقاذِه إياكم بالتوبةِ عليكم مِن خَطيئتِكم وجُرْمِكم، لكنتم الباخِسِين أنفسَكم حُظوظَها دائمًا، الهالِكِين بما اجْتَرَمْتُم مِن نَقْضِ ميثاقِكم، وخلافِكم أمرَه وطاعتَه.
وقد تقَدَّم بيانُنا قبلُ بالشَّواهدِ عن ¬في ت 2: "على".¥ معنى الخَسارِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 442.¥.