تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِي بهذه الآيةِ، وفي مَن نزَلت؛ فكان ابنُ عباسٍ يقولُ كما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}. أي: بما أُنْزِل إليك مِن ربِّك، وإنْ قالوا: إنَّا قد آمنَّا بما ¬بعده في م: "قد".¥ جاءَنا مِن قَبْلِك ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 40 (92) من طريق سلمة به.¥.
فكان ابنُ عباسٍ يَرى أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في اليهودِ الذين كانوا بنواحِي المدينةِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ توبيخًا لهم في جُحودِهم نبوَّةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وتكذيبِهم به، مع علمِهم به ومعرفتِهم بأنه رسولُ اللَّهِ إليهم وإلى الناسِ كافَّةً.
وقد حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ صدرَ سورةِ البقرةِ إلى المائةِ منها نزَل في رجالٍ سمَّاهم بأعيانِهم وأنسابِهم مِن أحبارِ يهودَ، ومِن المنافقين مِن الأوسِ والخَزْرَجِ ¬سيرة ابن هشام 1/ 530، 531. وسيأتي تمامه في ص 272، 275.¥ كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِ أسمائِهم.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخَرُ، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، [قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ] ¬سقط من: م.¥، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}. قال: كان رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَحْرِصُ على أنْ يؤمنَ جميعُ الناسِ ويتابعوه على الهُدَى، فأخْبَره اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أنَّه لا يؤمنُ إلَّا مَن سبَق له مِن اللَّهِ السعادةُ في الذِّكْرِ الأولِ، ولا يَضِلُّ إلَّا مَن سَبق له مِن اللَّهِ الشقاءُ في الذِّكْرِ الأولِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1284، 1371، 1385 (7250، 7785، 7875)، والطبراني في الكبير (13025)، والبيهقي في الأسماء والصفات (139) من طريق عبد اللَّه بن صالح به. وعند البيهقي مطولا بذكر آيات أخر.¥.
وقال آخرون بما حُدِّثتُ به عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: آيتان في قادةِ الأحزابِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} إلى قولِه: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قال: وهم الذين ذكَرهم اللَّهُ في هذه الآيةِ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم: 28، 29]. قال: فهم الذين قُتِلُوا يومَ بدرٍ ¬سيأتي تمامه في ص 277 من طريق آخر عن ابن أبي جعفر به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 40 (93) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. وكذلك ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 70 عن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 29 إلى ابن المنذر عن أبي العالية مطولا.¥.
وأَوْلَى هذه التأويلاتِ بالآيةِ تأويلُ ابنِ عباسٍ الذي ذكَره محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عنه، وإن كان لكلِّ قولٍ مما قاله الذين ذكَرنا قولَهم في ذلك مَذْهبٌ.
فأمَّا مَذْهبُ مَن تَأوَّل في ذلك ما قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ، فهو أنَّ اللَّهَ تعالى ذِكْرُه لما أخْبَر عن قومٍ من أهلِ الكفرِ بأنهم لا يؤمنون، وأنَّ الإنذارَ غيرُ نافعِهم، ثم كان مِن الكفارِ مَن قد نفَعه اللَّهُ بإنذارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إيَّاه؛ لإيمانِه باللَّهِ وبالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ بعدَ نزولِ هذه السورةِ، لم يَجُزْ أن تكونَ الآيةُ نزَلَت إلَّا في خاصٍّ مِن الكفارِ، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت قادةُ الأحزابِ لا شكَّ أنهم ممن لم يَنْفَعْه اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - بإنذارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إيَّاه، حتى قتَلهم اللَّهُ تبارَك وتعالَى بأيدي المؤمنين يومَ بدرٍ، عُلِم أنهم ممن عَنى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه بهذه الآيةِ.
وأمَّا عِلَّتُنا في اختيارِنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ في ذلك، فهي أن قولَ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن مؤمني أهلِ الكتابِ، وعَقِيبَ نعتِهم وصفتِهم، وثنائِه عليهم بإيمانِهم به، وبكتبِه ورسلِه، فأَوْلَى الأمورِ بحكمةِ اللَّهِ أن يُتْلِيَ ذلك الخبرَ عن كُفَّارِهم ونعوتِهم، وذمَّ أسبابِهم وأحوالِهم، وإظهارَ شتمِهم، والبراءةَ منهم؛ لأنَّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اخْتَلَفت أحوالُهم باختلافِ أديانِهم، فإنَّ الجنسَ يَجْمَعُ جميعَهم بأنهم بنو إسرائيلَ.
وإنما احتجَّ اللَّه جَلَّ ثناؤُه بأولِ هذه السورةِ لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - على مشركي اليهودِ مِن أحبارِ بني إسرائيلَ الذين كانوا مع علمِهم بنبوَّتِه مُنْكِرين نبوَّتَه، بإظهارِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - على ما كانت تُسِرُّه الأحبارُ ¬في ر، ت 2: "الأخبار".¥ منهم وتَكْتُمُه، فيَجْهَلُه عُظْمُ اليهودِ وتَعْلَمُه الأحبارُ منهم؛ ليَعْلَموا أن الذي أطْلَعه على علمِ ذلك هو الذي أَنْزَل الكتابَ على موسى عليه السلامُ؛ إذ كان ذلك مِن الأمورِ التي لم يكنْ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ولا قومُه ولا عشيرتُه يَعْلَمونه، ولا يَعْرِفونه مِن قبلِ نزولِ الفرقانِ على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فيُمْكِنَهم ادعاءُ اللَّبْسِ في أمرِه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نبيٌّ، وأن ما جاء به فمِن عندِ اللَّهِ. وأَنَّى يُمْكِنُهم ادعاءُ اللَّبْسِ في صدقِ أُمِّيٍّ نشَأ بيْن أُمِّيِّين، لا يَكْتُبُ، ولا يَقْرأُ، ولا يَحْسُبُ، فيقال: قرَأ الكتبَ فعلِم. أو: حسَب فنَجَّم؟ [انْبَعث على أحبارٍ قَرَأَةٍ كَتَبَةٍ] ¬في م: "وانبعث على أخبار قراء كتب".¥، قد درَسوا الكتبَ، ورأَسوا الأممَ، يُخْبِرُهم عن مستورِ عيوبِهم، ومَصونِ علومِهم، ومكت
ومِ أخبارِهم، وخَفِيّات أمورِهم التي جهِلها مَن هو دونَهم مِن أحبارِهم. إن أمْرَ مَن كان كذلك لغيرُ مُشْكِلٍ، وإنَّ صِدقَه، والحمدُ للَّهِ، لَبيِّنٌ.
ومما يُنْبئُ عن صحَّةِ ما قلنا - من أنَّ الذين عَنى اللَّهُ تعالى ذِكْرُه بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. هم أحبارُ اليهودِ الذين قُتِلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه نبأَهم، وتذكيرُه ¬في ر: "بذكره".¥ إيَّاهم ما أخَذ عليهم مِن العهودِ والمواثيقِ في أمرِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بعدَ اقتصاصِه تعالى ذِكْرُه ما اقْتَصَّ مِن أمرِ المنافقين، واعتراضِه بينَ ¬في ص: "من".¥ ذلك بما ¬في ص: "لما".¥ اعْتَرض به مِن الخبرِ عن إبليسَ وآدمَ في قولِه: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] الآيات. واحتجاجُه لنبيِّه عليهم [بما احْتَجَّ به عليهم] ¬سقط من: ر.¥ فيها عندَ ¬في ص، م: "بعد".¥ جُحودِهم نبوَّتَه. فإذ كان الخبرُ أولًا عن مؤمني أهلِ الكتابِ، وآخرًا عن مشركيهم، فأَوْلَى أن يكونَ وَسَطًا عنهم، [إذ كان الكلامُ بعضُه لبعضٍ تَبَعٌ، إلا أنْ تأْتيَ ¬في م: "تأتيهم".¥] ¬سقط من: ص.¥ دَلالةٌ واضحةٌ بعدولِ بعضِ ذلك عما ابْتَدَأ به مِن معانيه، فيكونَ معروفًا حينَئذٍ انصرافُه عنه
.
وأما معنى الكفرِ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}. فإنه الجُحودُ، وذلك أن الأحبارَ مِن يهودِ المدينةِ جحَدوا نبوَّةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وستَروه عن الناسِ، وكتَموا أمرَه، وهم يَعْرِفونه كما يَعْرِفون أبناءَهم.
وأصلُ الكفرِ عندَ العربِ تغطيةُ الشيءِ، ولذلك سَمَّوُا الليلَ كافرًا؛ لتغطيةِ ظُلْمتِه ما لبِسَته، كما قال الشاعر ¬هو ابن صعير المازني، كما في المفضليات ص 130.¥:
فتَذَكَّرَا ثَقَلًا ¬الثقل: بيض النعام المصون. اللسان (ث ق ل).¥ رَثيدًا ¬الطعام الرثيد: المنَضَّد بعضه فوق بعض، أو بعضه إلى جنب بعض. ينظر اللسان (ر ث د).¥ بَعْدَما ... ألْقَتْ ذُكاءُ ¬الذُّكاء: اسم للشمس. اللسان (ذ ك و).¥ يَمينَها في كافِرِ
وكما قال لَبِيدُ بنُ ربيعةَ ¬شرح ديوان لبيد ص 309.¥:
* في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها *
يعني: غَطَّاها.
فكذلك الأحبارُ مِن اليهودِ، غطَّوا أمرَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وكتَموه الناسَ، مع علمِهم بنبوَّتِه ووجودِهم صفتَه في كتبِهم، فقال اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]. وهم الذين أَنْزَل اللَّه - عزَّ وجَلَّ - فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.
القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)}.
وتأويلُ {سَوَاءٌ}: معتدلٌ. مأخوذٌ مِن التَّساوي، كقولِك: مُتساوٍ هذان الأمران عندِي، وهما عندي سواءٌ. أي: هما متعادلان عندي. ومنه قولُ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58]. يعني بذلك ¬زيادة من: ر.¥: أعْلِمْهم وآذِنْهم بالحربِ، حتى يَسْتويَ [علمُك وعلمُهم] ¬في ص: "عليك وعليهم".¥ بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخرِ. فكذلك قولُه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ}: معتدلٌ عندهم أيُّ الأمرين كان منك إليهم، الإنذارُ أم تركُ الإنذارِ؛ لأنهم لا يؤْمِنون، وقد خَتَمْتُ على قلوبِهم وسمعِهم. ومِن ذلك قولُ عبدِ اللَّهِ ¬كذا في النسخ. وهو مختلف فيه، والراجح أنه عبيد الله، وينظر البداية والنهاية 12/ 175 حاشية (7).¥ بنِ قيسِ الرُّقَيَّاتِ ¬ديوانه ص 82.¥:
تقَدَّت ¬في م: "تغذُّ"، وهما بمعنى، قدى الفرس: أسرع. اللسان (ق د ى).¥ بِيَ الشَّهْباءُ ¬الشهبة في الخيل: لون بياض، يصدعه سواد في خلاله. اللسان (ش هـ ب).¥ نَحْوَ ابْنِ جَعْفَرٍ ... سَوَاءٌ عَلَيْها لَيْلُها ونَهَارُها
يعني بذلك: معتدلٌ عندَها في السيرِ الليلُ والنهارُ؛ لأنه لا فُتورَ فيه. ومنه قولُ الآخرِ ¬البيت للأعشى في ديوانه ص 373. ونسبه ابن الشجري في الحماسة 2/ 710، 728، والنويري في نهاية الأرب 1/ 142، إلى مضرس بن ربعي، ونسبه المرزوقي في الأزمنة والأمكنة 2/ 233 إلى مضرس بن لقيط، ونسبه الحصري في زهر الآداب 2/ 751 إلى ابن محكان السعدي.¥:
وَلَيْلٍ يقولُ المَرْءُ مِن ظُلُماتِه ... سَواءٌ صَحِيحاتُ ¬في ديوان الأعشى: "بصيرات".¥ العُيُونِ وعُورُها
لأن الصحيحَ لا يُبْصِرُ فيه إلا بَصَرًا ضعيفًا مِن ظُلْمتِه.
وأمَّا قولُه: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. فإنه ظهَر به الكلامُ ظهورَ الاستفهامِ وهو خبرٌ؛ لأنه وقَع مَوْقِعَ "أيّ"، كما تقولُ: ما نُبالي أقُمْتَ أم قَعَدْتَ. وأنت مخبرٌ لا مستفهمٌ؛ لوقوعِ ذلك موقعَ "أَيّ"، وذلك أن معناه إذا قلتَ ذلك: ما نبالي أيُّ هذين كان منك. فكذلك ذلك في قولِه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}. لما كان معنى الكلامِ: سواءٌ عليهم أيُّ هذين كان منك إليهم. حسُن في موضعِه مع {سَوَاءٌ}: أفعَلْتَ أَم لم تَفْعَلْ.
وقد كان بعضُ نحوِيِّي أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أن حرفَ الاستفهامِ إنما دخَل مع {سَوَاءٌ} وليس باستفهامٍ؛ لأن المُسْتَفهِمَ إذا اسْتَفْهَم غيرَه فقال: أزيدٌ عندَك أَمْ ¬في ص: "أو".¥ عمرٌو؟ مستثبِتٌ صاحبَه أيُّهما عندَه، فليس أحدُهما أحقَّ بالاستفهامِ مِن الآخرِ. فلما كان قولُه: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}. بمعنى التسويةِ، أشْبهَ ذلك الاستفهامَ، إذ أشْبَهه في التسويةِ. وقد بيَّنَّا الصوابَ في ذلك.
فتأويلُ الكلامِ إذن: معتدلٌ يا محمدُ على هؤلاء الذين جحَدوا نبوَّتَك مِن أحبارِ يهودِ المدينةِ بعدَ علمِهم بها، وكتَموا بيانَ أمرِك للناسِ بأنك رسولي إلى خلقي، وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ ألا يَكْتُموا ذلك، وأن يبيِّنوه للناسِ، ويُخْبِروهم أنهم يجِدون صفتَك في كتبِهم - أأَنْذَرتَهم أم لم تُنْذِرْهم فإنهم لا يؤمنون، ولا يَرْجِعون إلى الحقِّ، ولا يُصَدِّقون بك وبما جئتَهم به.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}: أيْ أنهم قد كفَروا بما عندَهم ¬بعده في م: "من العلم".¥ مِن ذِكْرٍ، وجحَدوا ما أُخِذ عليهم مِن الميثاقِ لك، فقد كفَروا بما جاءك، وبما عندَهم مما جاءهم به غيرُك، فكيف يَسْمَعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفَروا بما عندَهم مِن علمِك ¬تقدم أول هذا الأثر في ص 258.¥؟