تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 71

السورة 2 : الآية 71

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٔـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ}.
وتأويلُ ذلك: قال موسى: إن اللهَ يقولُ: إن البقرةَ التي أمَرْتُكم بذبحِها بقرةٌ لا ذَلولٌ. ويعنى بقولِه: {لَا ذَلُولٌ}. أي: لم يُذَلِّلْها العملُ. فمعنى الآيةِ: إنها بقرةٌ لم تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ بأظْلافِها، ولا سُنِىَ عليها ¬سنِيت الدابة وغيرها تسنَى: إذا سقى عليها. اللسان (س ن ى).¥ الماءُ، فيُسْقَى عليها الزرعُ، كما يقالُ للدابةِ التي قد ذلَّلها الركوبُ أو العملُ: دابةٌ ذَلولٌ بَيِّنةُ الذِّلِّ. بكسر الذَّالِ، ويُقالُ في مثلِه مِن بنى آدمَ: رجلٌ ذَليلٌ بَيِّنُ الذِّلِّ والذِّلَّةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ}. يقولُ: صعبةٌ لم يُذِلَّها عملٌ، {تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 141 (727) من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 78 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ}. يقولُ: بقرةٌ ليست بذَلولٍ يُزرَعُ عليها، وليْسَت تَسقى الحرثَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 142 (728) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ}. أي: لم يُذِلَّها العملُ. {تُثِيرُ الْأَرْضَ}. يعنى: ليست بذَلولٍ فتُثِيرَ الأرضَ. {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ}. يقولُ: ولا تَعْمَلُ ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ في الحرثِ ¬تقدم مطولا في ص 77.¥.
حُدثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ}. يقولُ: لم يُذِلَّها العملُ، {تُثِيرُ الْأَرْضَ}. يقولُ: تُبِينُ الأرضَ ¬أبانت الماشية الأرض، إذا فصلتها عن بعضها. اللسان (ب ى ن).¥ بأظْلافِها. {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ}. يقولُ: ولا تعمَلُ (2) في الحرثِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال الأعرجُ: قال مجاهدٌ قولَه: {لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ}. يقولُ: ليست بذَلولٍ فتفعَلَ ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 141 (723) من طريق حجاج به.¥.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ليست بذَلولٍ تُثِيرُ الأرضَ، ولا تَسْقِى الحرثَ.
ويعنى بقولِه: {تُثِيرُ الْأَرْضَ}: تَقْلِبُ الأرضَ للحرثِ، يقالُ منه: أثَرْتُ الأرضَ أُثِيرُها إثارةً، إذا قلَبتَها للزرعِ.
وإنَّما وصَفها جلَّ ثناؤُه بهذه الصفةِ؛ لأنَّها كانت -فيما قيل- وَحْشيَّةً.
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، عن الحسنِ، قال: كانت وَحْشيَّةً ¬تقدم في ص 93.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {مُسَلَّمَةٌ}.
ومعنى {مُسَلَّمَةٌ}: مُفَعَّلةٌ، مِن السلامةِ، يقالُ منه: سُلِّمَتْ تُسلَّمُ فهى مُسلَّمةٌ.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي سُلِّمَت منه، فوصَفَها اللهُ بالسلامةِ منه؛ فقال مجاهدٌ بما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهِدٍ: {مُسَلَّمَةٌ}. يقولُ: مُسَلَّمةٌ مِن الشِّيَةِ، و {لَا شِيَةَ فِيهَا}: لا بياضَ فيها ولا سوادَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 142 (732، 735) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 78 إلى عبد بن حميد.¥.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {مُسَلَّمَةٌ}. قال: مُسَلَّمةٌ من الشِّيَةِ، {لَا شِيَةَ فِيهَا}: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ.
وقال آخَرون: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا}. أي: مُسلَّمةٌ مِن العيوبِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 78 إلى المصنّف وعبد بن حميد.¥.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: {مُسَلَّمَةٌ}. يقولُ: لا عيبَ فيها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 49، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 142 (733) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: {مُسَلَّمَةٌ}. يعنى: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 142 عقب الأثر (733) من طريق آدم به.¥.
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 142 عقب الأثر (733) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
حَدَّثَنَا القاسِمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنَي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: {مُسَلَّمَةٌ}: لا عَوارَ فيها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 78 إلى المصنّف.¥.
والذي قاله ابنُ عباسٍ وأبو العاليةِ ومن قال بمثلِ قولِهما في تأويلِ ذلك، أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مما قاله مجاهدٌ؛ لأنَّ سَلامَتَها لو كانت مِن سائرِ أنواعِ الألوانِ سِوَى لونِ جلدِها، لكان في قولِه: {مُسَلَّمَةٌ}. مُكْتَفًى عن قولِه: {لَا شِيَةَ فِيهَا}. وفي قولِه: {لَا شِيَةَ فِيهَا}، ما يُوَضِّحُ عن أن معنى قولِه: {مُسَلَّمَةٌ}. غيرُ معنى
قولِه: {لَا شِيَةَ فِيهَا}. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ أنه يقولُ: إنها بقرةٌ لَمْ تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ وقَلْبُها للحِراثةِ ولا السُّنُوُّ عليها للمزَارعِ، وهي مع ذلك صحيحةٌ مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَا شِيَةَ فِيهَا}.
يعنى بقولِه: {لَا شِيَةَ فِيهَا}: لا لونَ فيها يُخالِفُ لونَ جلدِها. وأصلُه مِن: وَشْىِ الثوبِ. وهو تحسينُ عُيوبِهِ التي تَكونُ فيه بضُروبٍ مختلفةٍ مِن ألوانِ سَدَاه ولُحْمتُه، يقالُ منه: وَشَيْتُ الثوبَ فأنا أَشِيه شِيَةً ووَشْيًا. ومنه قيل للساعى بالرجلِ إلى السلطانِ أو غيرِه: واشٍ. لكذبِه عليه عندَه وتحسينِه كذبَه بالأباطيلِ، يقالُ منه: وشَيْتُ به إلى السلطانِ وِشايةً. ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ ¬ديوانه ص 19.¥:
تَسْعَى الوُشَاةُ بجنْبَيها ¬في م: "جنابيها".¥ وقولُهمُ ... إنك يا بنَ أبى سُلْمَى لَمَقْتولُ
والوُشاةُ جمع واشٍ، يعنى أنهم يَتقوَّلون بالأباطيلِ، ويُخبِرُونه أنه إن لحِق بالنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قتَلَه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن الوَشْىَ العلامةُ. وذلك لا معنى له، إلَّا أن يكونَ أراد بذلك تحسينَ الثوبِ بالأعْلامِ؛ لأنه معلومٌ أن القائلَ: وشَيْتُ بفلانٍ إلى فلانٍ. غيرُ جائزٍ أن يُتوهَّمَ عليه أنه أراد: جعَلْتُ له عندَه علامةً.
وإنما قيل: {لَا شِيَةَ فِيهَا}. وهي مِن: وَشَيْتُ؛ لأنَّ الواوَ لما أُسقِطَت مِن أولِها أُبدِلَتْ مكانَها الهاءُ في آخرِها، كما قيل: وزَنْتُه زِنةً و [وَسَيْتُه سِيَةً] ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "وشيته شية". وسيته: حلَقته. ينظر اللسان (و س ى).¥،
ووَعَدْتُه عِدَةً، وودَيْته دِيَةً.
وبمثلِ الذي قلنا في معنى قولِه: {لَا شِيَةَ فِيهَا} قال أهلُ التأويلِ.
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {لَا شِيَةَ فِيهَا}. أي: لا بياضَ فيها ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 143 عقب الأثر (736) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 78 إلى عبد بن حميد.¥.
حَدَّثَنَا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 49.¥.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: {لَا شِيَةَ فِيهَا}. يقولُ: لا بَياضَ فيها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 143 عقب الأثر (736) من طريق آدم به.¥.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهِدٍ: {لَا شِيَةَ فِيهَا}. أي: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ ¬تقدم في ص 107.¥.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: {لَا شِيَةَ فِيهَا}. قال: لونُها واحدٌ، ليس فيها لونٌ سِوَى لونِها ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 143 عقب الأثر (737) معلقا.¥.
حَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {لَا شِيَةَ فِيهَا}: مِن بياضٍ ولا سوادٍ ولا حُمرةٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 143 (738) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {لَا شِيَةَ فِيهَا}: هي صفراءُ ليس فيها بياضٌ ولا سوادٌ.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: {لَا شِيَةَ فِيهَا}. يقولُ: لا بياضَ فيها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 143 عقب الأثر (736) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}.
اختَلف أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ قولِه: {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}. فقال بعضُهم: معنى ذلك: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ فتبَيَّنَّاه، [وعرَفْنا أيَّةَ بقرةٍ عَنيتَ] ¬في م، ت 2: "وعرفناه، أنه بقرة عينت".¥.
وممَّن قال ذلك قتادةُ:
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}. أي: الآن بيَّنتَ لنا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 143 (739) من طريق شيبان، عن قتادة.¥.
وقال بعضُهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن القومِ أنهم نسَبوا نبيَّ اللهِ موسى صلواتُ اللهِ عليه إلى أنه لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهم بالحقِّ في أمرِ البقرةِ قبلَ ذلك.
وممَّن رُوِى عنه معنى هذا القولِ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اضطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يَعْلَمون على صفتِها غيرَها، وهي صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ، فقالوا: هذه بقرةُ فلانٍ، {الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}. وقبلَ ذلك واللهِ قد جاءَهم بالحقِّ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 159 مقتصرًا على آخره. وتقدم بطوله في ص 100، 101.¥.
وأولى التأويلين عندَنا بقولِه: {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}. قولُ قتادةَ، وهو أن تأويلَه: الآن بيَّنتَ لنا الحقَّ في أمرِ البقرِ ¬في النسخ: "البقرة". والمثبت يقتضيه السياق.¥، فعرَفْنا أيُّها ¬في م، ت 2: "أنَّها"، وفي ت 1، ت 3: "أنه".¥ الواجبُ علينا ذبحُها منها؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخبَر عنهم أنهم قد أطاعوه، فذبَحوها بعد قِيلِهم هذا مع غِلَظِ مؤنةِ ذبحِها عليهم وثِقَلِ أمْرِها، فقال: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}. وإن كانوا قد قالوا -بقولِهم: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ- هُراءً ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "هزوا".¥ مِن القولِ، وأتَوْا خطأً وجهلًا مِن الأمرِ، وذلك أن نبيَّ اللهِ موسى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان مُبَيِّنًا لهم -في كلِّ مسألةٍ سأَلوها إياه، وردٍّ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "رده".¥ رادُّوه في أمرِ البقرةِ- الحقَّ، وإنما يُقالُ: الآن بَيَّنْتَ لنا الحقَّ لمن لَمْ يَكُنْ مُبَيِّنًا قبلَ ذلك، فأما مَن كان كلُّ قِيلِه -فيما أبان عن اللهِ تعالى ذكْرُه- حقًّا وبيانًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ له في بعضِ ما أبان عن اللهِ في أمرِه ونهيِه، وأدَّى عنه إلى عبادِه مِن فرائضِه التي أوجَبها عليهم: {الْ
آنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}. كأنَّه لم يَكُنْ جاءهم بالحقِّ قبلَ ذلك.
وقد كان بعضُ مَن سلَف يَزعُمُ أن القومَ ارْتَدُّوا عن دينِهم، وكفَروا بقولِهم لموسى: {الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ}. ويَزعُمُ أنهم نفَوْا أن يكونَ موسى أتاهم بالحقِّ في أمْرِ البقرةِ قبلَ ذلك، وأن ذلك مِن فعْلِهم وقِيلِهم كفرٌ.
وليس الذي قال مِن ذلك عندَنا كما قال؛ لأنهم أذْعَنوا بالطاعةِ بذبحِها، وإن كان قيلُهم الذي قالوه لموسى جَهْلةً منهم وهَفْوَةً مِن هَفَواتِهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)}.
يعنى بقولِه: {فَذَبَحُوهَا}: فذبَح قومُ موسى البقرةَ التي وصَفها اللهُ لهم، وأمَرهم بذبحِها.
ويعنى بقولِه: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}. أي: قارَبوا أن يَدَعوا ذبْحَها، ويترُكوا فرْضَ اللهِ عليهم في ذلك.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه كادوا أن يُضِيعوا فرْضَ اللهِ عليهم في ذبحِ ما أمَرهم بذبحِه مِن ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك السببُ كان غلاءَ ثمنِ البقرةِ التي أُمِروا بذبحِها، وبُيِّنَت لهم صفتُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا أبو معشرٍ المدنيُّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ في قولِه: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}. قال: لغلاءِ ثمنِها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 49.¥.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدٍ الهِلاليُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ الخطابِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيُّ: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}. قال: مِن كثرةِ قيمتِها.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: أخبَرنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ -في حديثٍ فيه طُولٌ، ذكَر أن حديثَ بعضِهم دخَل في حديثِ بعضٍ- قولَه: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}: لكثرةِ الثمنِ، أخَذوها بمِلْءِ مَسْكِها ذهبًا مِن مالِ المقتولِ، فكان سَواءً، لَمْ يَكُنْ فيه فَضْلٌ فذبَحوها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 144 (743) من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب.¥.
حُدِّثتُ عن المنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}. يقولُ: كادوا لا يَفعَلون، ولم يَكُنِ الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا أَلَّا يَذْبَحُوها، وكلُّ شيءٍ في القرآن "أَكادُ ¬في م، ت 2: "كاد".¥ " و ¬في م، ت 2: "أو".¥ "كادوا" و ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 143 (742) عن أبي زرعة، عن المنجاب به. وينظر تفسير ابن كثير 1/ 160.¥ "لو"، فإنه لا يكونُ، وهو مثلُ قولِه: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} ¬ينظر تفسير ابن كثير 1/ 160.¥ [طه: 15].
وقال آخَرون: لَمْ يكادوا أن يفعَلوا ذلك، خوفَ الفضيحةِ إن أطْلَع اللهُ على قاتلِ القتيلِ الذي اختَصَموا فيه إلى موسى.
والصوابُ مِن التَّأْويلِ عندَنا أن القومَ لَمْ يكادوا يفعَلون ما أمَرهم اللهُ به مِن ذبحِ البقرةِ للخَلَّتين كلتيهما؛ إحداهما: غَلاءُ ثَمنِها مع ما ذُكِر لنا من صِغَرِ خطَرِها وقلةِ قيمتِها. والأخرى: خوفُ عظيمِ الفضيحةِ على أنفسِهم بإظهارِ اللهِ نبيَّه موسى صلواتُ اللهِ عليه وأتباعَه على قاتلِه ¬¥.
فأما غلاءُ ثَمنِها فإنه قد رُوِى لنا فيه ضُروبٌ مِن الرِّواياتِ.
فحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: اشترَوْها بوزنِها عشْرَ مراتٍ ذهبًا، فباعَهم صاحبُها ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "صاحبهم".¥ إياها وأخَذ ثَمنَها ¬تقدم مطولًا في ص 80.¥.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: اشترَوْها بمِلْءِ جلدِها دنانيرَ.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهِدٍ، قال: كانت البقرةُ لرجلٍ يَبَرُّ أُمَّه، فرزَقه اللهُ أن جعَل تلك البقرةَ له، فباعَها بمِلْءِ جلدِها ذهبًا ¬ينظر ما تقدم في ص 81.¥.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حَدَّثَنِي خالدُ بنُ يزيدَ، عن مجاهِدٍ، قال: أعْطَوْا صاحبَها مِلْءَ مَسْكِها ذهبًا، فباعَها منهم.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ ¬في النسخ: "عن". وانظر ما تقدم في ص 81.¥ عبدِ الكريمِ، قال: حَدَّثَني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبًا يقولُ: اشترَوْها منه على أن يَمْلَئوا له جلدَها دنانيرَ، ثم ذبَحوها فعمَدوا إلى جلدِ البقرةِ فملئوه دنانيرَ، ثم دفَعوها إليه.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ ¬في م: "سعيد".¥، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّى ¬في م، ت 1، ت 3: "يحيى".¥، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: وجَدوها عندَ رجلٍ يزعُمُ أنه ليس بائعَها بمالٍ أبدًا، فلم يَزالوا به حتى جعَلوا له أن يَسْلُخوا له مَسْكَها، فيملئوه له دنانيرَ، فرضِى به فأعْطاهم إياها ¬انظر ما تقدم في ص 87.¥.
حَدَّثَنِي المُثَّني، قال: ثنا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: لَمْ يجِدُوها إلَّا عندَ عَجوزٍ، وإنها سألتْهم أضعافَ ثمنِها، فقال لهم موسى: أعْطُوها رِضاها وحُكْمَها. ففعَلوا، واشترَوْها فذبَحوها ¬تقدم مطولًا في ص 78.¥.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال أيوبُ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: لَمْ يَجِدوا هذه البقرةَ إلَّا عندَ رجلٍ واحدٍ، فباعَها بوزنِها ذهبًا -أو مِلْءِ مَسْكِها ذهبًا- فذبَحوها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 49، وتقدم مطولًا في ص 77.¥.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانِيِّ، قال: وجَدوا البقرةَ عندَ رجلٍ، فقال: إنى لا أَبِيعُها إلَّا بمِلءِ جلدِها ذهبًا. فاشتَرَوْها بمِلءِ جلدِها ذهبًا.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: جعَلوا يَزِيدون صاحبَها حتى ملئوا له مَسْكَها -وهو جلدُها- ذهبًا.
وأما صِغَرُ خَطَرِها وقلةُ قيمتِها، فإن الحسنَ بنَ يحيى حَدَّثَنَا، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سُوقةَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان ثمنُها إلَّا ثلاثةَ دنانيرَ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 50، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 144 (744) عن الحسن بن يحيى به. وقال ابن كثير: إسناد جيد.¥.
وأما ما قلْنا مِن خوفِهم الفضيحةَ على أنفسِهم، فإن وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ كان يقولُ: إن القومَ إذ أُمِروا بذبحِ البقرةِ إنما قالوا لموسى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}. لعِلْمِهم بأنهم سيَفتضِحون إذا ذُبِحَت، فحادُوا عن ذبحِها.
حُدِّثْتُ بذلك عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بنِ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن القومَ بعدَ أن أحْيَا اللهُ الميتَ فأخبَرهم بقاتلِه، أنْكَرَت قَتَلَتُه قَتْلَه، فقالوا: واللهِ ما قتَلْناه. بعدَ أن رَأَوُا الآيةَ والحقَّ.
حَدَّثَنِي بذلك محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ ¬سيأتي في ص 129.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 5