تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}
أما قولُه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}. فإنه خبرٌ مِن اللهِ جل ذِكْرُه عن الذين أيْأَس أصحابَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن إيمانهم -مِن يهودِ بني إسرائيل الذين كان فريقٌ منهم يَسْمَعون كلامَ اللهِ ثم يُحرِّفونه مِن بعدِ ما عَقَلوه وهم يَعْلَمون- وهم الذين إذا لقُوا الذين آمنوا باللهِ ورسولِه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالوا: آمنّا. يَعْني بذلك أنهم إذا لقُوا الذين صَدَّقوا باللهِ وبمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رسولِه ¬سقط من: م.¥، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ قالوا: آمنا. أي: صدَّقنا بمحمدٍ وبما صَدَّقتُم به، وأقْرَرنا بذلك. أَخْبر اللهُ عز وجل عنهم أنهم تَخَلقوا بأخلاق المنافقين وسلَكوا مِنهاجَهم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عَمِّى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}: وذلك أن نفرًا مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالوا: آمنا. وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}: يعنى المنافقين مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالوا: آمنا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 165 عن الضحاك به.¥.
وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}. أي: بصاحبِكم ¬في ت 2، ت 3: "صاحبكم".¥ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولكنه إليكم خاصةً ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 165 عن ابن إسحاق به.¥.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} الآية. قال: هؤلاء ناسٌ مِن اليهودِ آمنوا ثم نافقوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 149 (779) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}.
يعنى بقولِه: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ}. أي: إذا خلا بعضُ هؤلاء اليهودِ الذين وصَف اللهُ صفتَهم - إلى بعضٍ منهم، فصاروا في خَلاءٍ مِن الناسِ غيرِهم، وذلك هو الموضعُ الذي ليس فيه غيرُهم، {قَالُوا} يعنى قال بعضُهم لبعضٍ: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. يعنى: بما أمَركم اللهُ به. فيقولُ الآخَرون: إنما نَسْتَهْزِئُ بهم ونَضْحَكُ.
وقال آخَرون بما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}. أي: بصاحبِكم ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "صاحبكم".¥ رسولِ اللهِ، ولكنَّه إليكم خاصَّةً. وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: لا تُحَدِّثوا العربَ بهذا، فإنكم قد كنتُم تَسْتَفْتِحون به عليهم فكان منهم. فأنْزَل اللهُ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. أي: تُقِرُّون بأنه نبىٌّ، وقد علِمْتُم أنه قد أُخِذ له الميثاقُ عليكم باتِّباعِه، وهو يُخْبِرُهم أنه النَّبيّ ¬بعده في النسخ: "-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-". ولا موضع لها هنا.¥ الذي كُنَّا نَنْتَظِرُ ونَجِدُه في كتابِنا، اجْحَدُوه ولا تُقِرُّوا لهم به. يقولُ اللهُ: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ¬تقدم طرف منه في ص 145.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. أي: بما أنْزَل اللهُ عليكم في كتابِكم، مِن نَعْتِ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "بعث".¥ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 150 (781) من طريق آدم به.¥.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. أي: بما مَنَّ اللهُ عليكم في كتابِكم من نَعْتِ ¬في ت 3: "بعث".¥ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فإنكم إذا فَعَلْتُم ذلك احْتَجُّوا به عليكم، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ} لِيَحْتَجُّوا به عليكم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 50، بزيادة في أوله.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: قال قتادةُ: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. يعنى: بما أَنْزَلَ اللهُ عليكم من أمرِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونَعْتِه ¬في ت 2، ت 3: "بعثه".¥.
وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ: {بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. قال: قولُ يهودَ من قُرَيظةَ حين سَبَّهُم النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأنهم إخوةُ القِردةِ والخنازيرِ، قالوا: مَن حَدَّثك؟ هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا، فقال: يا إخوةَ القردةِ والخنازيرِ ¬تفسير مجاهد ص 207، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 150 (782)، وعزأه السيوطي في الدر المنثور 1/ 81 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: هذا حينَ أَرْسَلَ إليهم علىَّ بنَ أبى طالبٍ، رضِى اللهُ عنه، وآذَوُا النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: "اخْسَئُوا يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخنَازِيرِ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثني الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أخبرني القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهدٍ في قولِه: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}. قال: قام النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يومَ قُرَيْظَةَ تحتَ حُصونِهم، فقال: "يا إخْوانَ القِردَةِ، ويا إخْوانَ الخنَازيرِ، ويا عَبَدَةَ الطّاغُوتِ". فقالوا: مَن أخبر هذا محمدًا؟ ما خرَج هذا إلَّا منكم، {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}: بما حَكَمَ اللهُ للفتحِ ليكون لهم حُجَّةً عليكم. قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: هذا حينَ أرسلَ إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 166 عن ابن جريج به.¥.
وقال آخَرون بما حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السديِّ: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ} -من العذابِ- {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}: هؤلاء ناسٌ من اليهودِ آمنوا ثم نافَقُوا، فكانوا يُحَدِّثُون المؤمنينَ من العربِ بما عُذِّبُوا به، فقال بعضُهم لبعضٍ: أَتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن العذابِ ليقولوا نحن أحبُّ إلى اللهِ منكم، وأكرمُ على اللهِ منكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 150 (783) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. قال: كانوا إذا سُئِلُوا عن الشيء قالوا: أَمَا تَعْلَمُونَ في التوراةِ كذا وكذا؟ قالوا: بَلَى. قال: وهم يهودُ. فيقولُ لهم رُؤَساؤُهم الذين يرجِعون إليهم: ما لَكم تُخْبِرُونهم بالذي أَنزل اللهُ عليكم فيُحاجُّوكم به عندَ ربِّكم، أَفَلا تعقِلون؟ قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يَدْخُلَنَّ علينا قصَبَةَ المَدِينَةِ إلَّا مُؤْمِنٌ". فقال رُؤَساؤُهم مِن أهلِ الكفرِ والنفاقِ: اذْهَبُوا فقولوا: آمنَّا. واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُم. قال: فكانوا يأتون المدينةَ بالبُكَرِ ويَرجِعون إليهم بعدَ العصرِ. وقرأ قولَ اللهِ: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]. وكانوا يقولون إذا دخَلوا المدينةَ: نحنُ مسلمون. ليعلموا خَبَرَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- وأَمْرَه، وإذا رجَعوا رجَعوا إلى الكفرِ. فلمَّا أَخْبَرَ اللهُ نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهم، قطَع ذلك عنهم فلم يكونوا يَدْخُلُون، وكان المؤمنون الذين مع رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَظُنُّون أنهم مؤمنونَ، فيقولون لهم: أليس قد قال اللهُ لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجَعوا إلى قومِهم قالوا: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ} الآية ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 165، 166.¥.
وأصلُ الفتحِ في كلامِ العربِ النصرُ والقضاءُ والحُكْمُ، يقالُ منه: اللهمَّ افتحْ بينى وبينَ فلانٍ: أي احْكُمْ بينى وبينَه. ومنه قولُ الشاعرِ ¬نسب هذا البيت -على اختلاف في روايته- إلى الأسعر الجعفى، ومحمد بن حمران، والأعشى، وهو في جمهرة اللغة 2/ 4، وأمالي القالي 2/ 281.¥:
أَلَا أبْلِغْ بنى عُصْمٍ رَسُولًا ... بأنِّى عن فُتاحَتِكُمْ غنِيُّ
قال: ويُقال للقاضى: الفتَّاح. ومنه قولُ اللهِ عز وجل: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]. أي: احْكُمْ بينَنا وبينَهم.
فإذا كان معنى الفتحِ ما وَصَفْنا، تَبَيَّنَ أن معنى قولِه: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. إنما هو: أَتُحدِّثونَهم بما حكَم اللهُ به عليكم وقَضَاه فيكم. ومِن حُكْمِه جلَّ ثناؤُه عليهم ما أخَذ به ميثاقَهم من الإيمانِ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به في التوراةِ، ومن قضائِه فيهم أنْ جعل منهم القردةَ والخنازيرَ. وغيرُ ذلك من أحكامِه وقضائِه فيهم، وكلُّ ذلك كان لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وللمؤمنين به حُجَّةً على المكذِّبينَ به ¬سقط من: م.¥ من اليهودِ المُقِرِّينَ بحُكْمِ التوراةِ وغيرِ ذلك.
فإن كان كذلك، فالذي هو أَوْلَى عندي بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن بَعْثِ ¬في ت 1، ت 3: "نعت".¥ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى خَلْقِه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه إنما قَصَّ في أولِ هذه الآيةِ الخبرَ عن قولِهم لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولأصحابِه: آمنَّا بما جاء به محمدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فالذي هو أَوْلَى بآخِرِها أن يكونَ نظيرَ الخبرِ عمَّا ابْتُدِئَ به أوَّلُها.
وإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ تلاوُمُهم كان فيما يينَهم فيما كانوا أظهَروه لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولأصحابِه من قولِهم لهم: آمنَّا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به. وكان قِيلُهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا (1) يجِدون ذلك في كُتُبِهم، وكانوا يُخْبِرون أصحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بذلك، فكان تلاوُمُهم فيما بينهم إذا خَلَوْا على ما كانوا يُخْبِرونَهم بما هو حُجَّةٌ للمسلمينَ عليهم عندَ ربِّهم، وذلك أنهم كانوا يُخبرونهم عن وجودِ نَعْتِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في كُتبِهم ويَكفرون به، وكان فتحُ اللهِ الذي فَتَحه للمسلمين على اليهودِ، وحُكمُه عليهم لهم في كتابِهم، أن يُؤمنوا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا بُعِث، فلما بُعث كفَروا به مع عِلْمِهم بنُبُوّتِه.
وقولُه: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن اليهودِ اللائمينَ إخوانَهم على ما أخبَروا أصحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما فتَح اللهُ لهم عليهم، أنهم قالوا لهم: أفلا تَفْقَهون أيُّها القومُ وتَعْقِلُون أن إخبارَكم أصحابَ محمدٍ ¬في م: "النَّبيّ".¥ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بما في كُتُبِكم أنه نبىٌّ مبعوثٌ، حجةٌ لهم عليكم عندَ ربِّكم يحتجُّون بها عليكم؟! أي: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثلَ ما قلتُم، ولا تُخبروهم بمثلِ ما أخبرتُموهم به من ذلك. فقال جلَّ ثناؤُه: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}.