تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 94

السورة 2 : الآية 94

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)}.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ مما احتجَّ اللهُ به لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِه، وفضَح بها أحبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه أمَر نَبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يَدْعوَهم إلى قضيةٍ عادلةٍ بينَه وبينَهم، فيما كان بينَه وبينَهم مِن الخلافِ، كما أمَره اللهُ أن يَدْعوَ الفريقَ الآخرَ مِن النَّصارَى -إذ خالفوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلةٍ بينَه وبينَهم مِن المُباهَلَةِ، وقال لفريقِ اليهودِ: إن كنتم مُحِقِّين فتَمنَّوُا الموتَ، فإن ذلك غيرُ ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون مِن الإيمانِ وقُربِ المنزِلةِ مِن اللهِ، بل إن أُعْطيتُم أُمْنِيتَكم مِن الموتِ إذا تمنَّيتم، فإنما تَصِيرون إلى الراحةِ مِن تَعبِ الدنيا ونصبِها وكَدَرِ عَيشِها، والفوزِ بجوارِ اللهِ في جِنانِه، إن كان الأمرُ كما تَزْعُمون، مِن أنّ الدارَ الآخرةَ لكم خالصةٌ دونَنا، وإن لم تُعْطَوْها علِم النَّاسُ أنكم المُبطِلون، ونحن المُحِقُّون في دعوانا، وانْكَشف أمرُنا وأمرُكم لهم. فامْتَنعت اليهودُ مِن إجابةِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ و
َسَلَّمَ- إلى ذلك لعلْمِها أنها إن تَمنَّت الموتَ هلَكَت، فذَهَبت دنياها، وصارت إلى خِزْى الأبدِ في آخرتِها، كما امتنع فريقُ النَّصارى الذين جادلوا النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في عيسى، إذ دُعُوا إلى المبُاهلةِ -مِن المباهلةِ، فبلَغنا أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "لو أن اليهودَ تَمنَّوا الموتَ لماتوا، ولرأَوا مقاعدَهم مِن النارِ، ولو خرَج الذين يُباهِلون رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لرجَعوا لا يَجِدون أهلًا ولا مالًا".
حدَّثنا بذلك أبو كريبٍ، قال: حدثنا ¬بعده في م: "أبو".¥ زكريا بنُ عدىٍّ، قال: حدثنا عُبيدُ اللهِ ابنُ عمرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬إسناده صحيح. أخرجه البزار (2189 - كشف)، وابن مردويه -كما في الفتح 8/ 724 - من طريق زكريا بن عدي به. وأخرجه أحمد 4/ 99 (2226)، والنسائي في الكبرى (11061)، وأبو يعلى (2604) من طريق عبيد الله بن عمرو به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعْمشِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} قال: لو تَمنَّوا الموتَ لشَرِقَ أحدُهم برِيقِه ¬الأعمش لم يدرك ابن عباس. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 177 (936) من طريق عثام، عن الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرىِّ، عن عكرمةَ في قولِه: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} قال: قال ابنُ عباسٍ: لو تَمنَّى اليهودُ الموتَ لماتوا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 52، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 177 (938) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 89 إلى ابن المنذر وأبي نعيم.¥.
حدَّثني موسى، قال: أخْبَرنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بن أبي محمدٍ -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى -أنا- عن سعيدٍ، أو عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو تَمنَّوه يومَ قال لهم ذلك، ما بقِى على ظَهرِ الأرضِ يهوديٌّ إلا مات ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 177 (940) من طريق سلمة به.¥.
قال أبو جعفرٍ: فانْكَشف -لمَن كان مُشْكِلًا عليه أمرُ اليهودِ يومَئذٍ- كَذِبُهم وبُهْتُهم وبَغْيُهم على رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه، وظهَرت حُجَّةُ رسولِ اللهِ وحُجةُ أصحابِه عليهم، ولم تَزَلْ -والحمدُ للهِ- ظاهرةً عليهم وعلى غيرِهم مِن سائرِ أهلِ المللِ، وإنما أُمِرَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يقولَ لهم: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} لأنهم -فيما ذكر لنا- قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] وقالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111]. فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قل لهم إن كنتم صادقين فيما تَزْعُمون فتَمنَّوُا الموتَ. فأبان اللهُ كَذِبَهم بامْتِناعِهم مِن تَمنِّى ذلك، وأفلَجَ حُجَّةَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أمَر اللهُ نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يَدْعوَ اليهودَ إلى أن يَتمنَّوُا الموتَ، وعلى أي وجهٍ أُمِروا أن يَتمنَّوه؛ فقال بعضُهم: أُمِروا أن يَتمنَّوه على وجهِ الدعاءِ على الفريقِ الكاذبِ منهما.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن سعيدٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللهُ لنبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي: ادْعُوا بالموتِ على أي الفريقين أكْذَبُ ¬سيأتي بتمامه في ص 272، 273.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ}: وذلك أنهم قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}. وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}. فقِيلَ لهم: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 177 عقب الأثر (935) معلقًا.¥.
حدَّثني المثني، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: قالت اليهودُ: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}. فقال اللهُ: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فلم يَفْعَلوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 176، 177 (935) من طريق آدم به.¥.
حدَّثني المثني، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثني [ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه] ¬في م: "أبو جعفر".¥، عن الربيعِ قولَه. {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ} الآية: وذلك بأنهم قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} وقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 177 عقب الأثر (935) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وأما تأويلُ قولِه: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ} فإنه يقولُ: قُلْ يا محمدُ: إن كان نعيمُ الدارِ الآخرةِ ولَذَّاتُها لكم يا مَعْشَرَ اليهودِ عندَ اللهِ. فاكْتَفى بذِكْرِ الدارِ مِن ذِكْرِ نعيمِها لمعرفةِ المُخاطبين بالآيةِ معناها.
وقد بَينَّا مَعْنى الدارِ الآخرةِ فيما مضى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 251، 252.¥.
وأما تأويلُ قولِه: {خَالِصَةً} فإنه يعني به: صافيةً. كما يُقالُ: خَلَص لي [هذا الأمرُ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فلان".¥. بمعنى: صار لي وَحْدى وصَفَا لي، يُقالُ منه: خَلَصَ لي هذا الشيء فهو يخْلُصُ خلوصًا وخالصةً. والخالصةُ مصدرٌ، مِثْلُ العافية، ويقالُ للرجلِ: هذا خُلْصَانى. يعني به: خالِصَتى مِن دونِ أصحابِى.
وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتأولُ قولَه: {خَالِصَةً}: خاصةً. وذلك تأويلٌ قريبٌ مِن مَعْنى التأويلِ الذي قُلْناه في ذلك.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بن عُمَارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ} قال: قلْ يا محمدُ لهم -يَعْنى اليهودَ- إن كانت لكم الدارُ الآخرةُ، يَعْنِى الخيرَ ¬كذا في النسخ، وفي الدر المنثور: "الجنة".¥ {عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً}. يقولُ: خاصةً لكم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 89 إلى المصنف.¥.
وأما قولُه: {مِنْ دُونِ النَّاسِ} فإن الذي يَدلُّ عليه ظاهِرُ التنزيلِ أنهم قالوا: لنا الدارُ الآخرة عندَ اللهِ خالصةً مِن دونِ جميعِ الناسِ. ويُبَيِّنُ أن ذلك كان قولَهم -مِن غيرِ اسْتِثناءٍ منهم مِن ذلك أحدًا مِن بنى آدمَ- إخْبارُ اللهِ عنهم أنهم قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}. إلا أنه قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ غير ذلك.
ذكرُ ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {مِنْ دُونِ النَّاسِ} يقولُ: مِن دونِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابِه الذين اسْتَهزأتم بهم، وزَعَمْتم أن الحقَّ في أيدِيكم، وأن الدارَ الآخرةَ لكم دونَهم.
وأما قولُه: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} فإن تأويلَه: تَشهَّوه وأَرِيدوه. وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه قال في تأويلِه: فسَلُوا الموتَ. ولا يُعْرَفُ التَّمنى بمعنى المسألةِ في كلامِ العربِ. ولكنى أحْسِبُ أن ابنَ عباسٍ وجَّه مَعْنى الأُمْنِيةِ -إذ كانت محبةَ النفسِ وشهوتَها- إلى معنى الرَّغْبةِ والمسألةِ، إذ كانت المسألةُ هي رغبةَ السائلِ إلى اللهِ فيما سأله.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} يقولُ: فسَلُوا الموتَ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

تفاسير بلغات أخرى · 5