تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقولُه: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ}. [اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك ¬في م: "قوله".¥؛ فقرَأَته عامةُ قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ}] ¬سقط من: ت 2.¥ برفعِ {كَيْدُ} وبالألف في {سَاحِرٍ}. بمعنى: إن الذي صنَعَه هؤلاء السحرةُ كيدُ مَنْ يَسحَرُ ¬هي قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمر وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 421.¥.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفة: (إنما صنعوا كيدُ سِحْرٍ) برفع "الكيد" وبغير الألف في "السحرِ". بمعنى: إن الذي صنعوه كيدُ سحرٍ ¬هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.¥.
والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان مُتَقاربتا المعنى، وذلك أن الكيدَ هو المكرُ والخُدْعةُ، فالساحرُ مَكْرُه وخُدْعتُه مِن سحرٍ يَسْحَرُه ¬في ص، م، ت 1، ت 3، ف: "يسحر".¥، ومكرُ السحرِ وخُدْعتُه تخييلُه ¬في ص، م، ت 1، ت 3، ف: "تخيله".¥ إلى المسحور على خلاف ما هو به في حقيقتِه، فالساحرُ كائدٌ بالسحر، والسحرُ كائدٌ بالتَّخْييل، فإلى أيِّهما أضَفْتَ الكيد فهو صوابٌ.
وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ: (كَيْدَ سِحْرٍ) بنصب "كَيْد" ¬هي قراءة مجاهد وحميد وزيد بن علي. البحر المحيط 6/ 260.¥. ومَن قرأ ذلك كذلك، جعَل {إِنَّمَا} حرفًا واحدًا، وأعْمَل {صَنَعُوا} في {كَيْدُ}.
وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءة بها؛ لإجماع الحجة من القرأة على خلافها.
وقولُه: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}. يقولُ: ولا يَظْفَرُ الساحرُ بسحرِه بما طلب أين كان.
وقد ذُكر عن بعضِهم أنه كان يقولُ: معنى ذلك: ذلك: أن الساحرَ يُقْتَلُ حيثُ وُجد.
وذكر بعضُ نحويى البصرة ¬هو الأخفش كما في تهذيب اللغة 15/ 550.¥ أن ذلك في حرف ابن مسعود: (ولا يُفْلِحُ الساحرُ أين أتى). وقال: العربُ تقولُ: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومِن أينَ لا تَعْلَمُ.
وقال غيرُه مِن أهل العربية الأُولِ ¬هو أبو العباس ثعلب كما في تهذيب اللغة الموضع السابق.¥: جزاءٌ، يُقْتَلُ الساحرُ حيث أتَى وأين أتَى. وقال: وأما قولُ العرب: جئْتُك من حيثُ لا تَعْلَمُ، ومن أين لا تَعْلَمُ. فإنما هو جوابُ مَنْ ¬سقط من النسخ، والمثبت من تهذيب اللغة.¥ لم يَفْهَمْ فَاسْتَفْهَم، كما قالوا: أين الماءُ والعُشْبُ.