تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَجِبْ عليه غضَبى فينزِلْ به، {فَقَدْ هَوَى}.
يقولُ: فقد تردَّى فشَقى.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: {فَقَدْ هَوَى}. يقولُ: فقد شَقِى ¬أخرجه ابن أبي حاتم - كما في تغليق التعليق 4/ 256 - من طريق عبد الله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 304 إلى ابن المنذر.¥.
وقولُه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ}. يقولُ: وإني لذو عفوٍ ¬في م، ت 1، ف: "غفر".¥ لمن تاب من شركه فرجَعَ منه إلى الإيمان بي ¬سقط من: الأصل.¥، {وَآمَنَ}. يقولُ: وأَخْلَصَ لى الألُوهةَ ولم يشرِكْ في عبادتِه إِيَّايَ غَيْرِي، {وَعَمِلَ صَالِحًا}. يقولُ: وأَدَّى فَرائضِى التي افْتَرضتُها عليه، واجْتَنَب معاصيَّ، {ثُمَّ اهْتَدَى}. يقولُ: ثم لَزِمَ ذلك فاسْتقام ولم يُضَيِّعْ شيئًا منه.
وبنحو الذي قُلنا في قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}. قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ}: مِنَ الشِّركِ، {وَآمَنَ}. يقولُ: وَحَّدَ الله، {وَعَمِلَ صَالِحًا}. يقولُ: وأدَّى فرائضى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 304 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ}: مِن [ذَنبِه، {وَآمَنَ} بربِّه، {وَعَمِلَ صَالِحًا} فيما بينَه وبينَ اللهِ.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ}: من الشِّركِ] ¬سقط من: ت 2.¥، {وَآمَنَ}. يقولُ: وأَخْلَصَ لله وعمل في إخْلاصِه.
واختلَفوا في معنى قوله: {ثُمَّ اهْتَدَى}؛ فقال بعضُهم: معناه: لم يَشْكُك في إيمانه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: {ثُمَّ اهْتَدَى}. يقولُ: لم يَشْكُكْ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 304 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لَزم الإيمانَ والعملَ الصالح.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ثُمَّ اهْتَدَى}.
يقولُ: ثم لَزم الإسلام حتى يموت علَيْه ¬ذكره البغوي في تفسيره 5/ 288، وابن كثير في تفسيره 5/ 302 عن قتادة.¥.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ثم اسْتَقام.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر الرازيِّ، عن الربيع بن أنسٍ: {ثُمَّ اهْتَدَى}. قال: أَخَذ بسُنَّة نبيِّه عليه السلامُ ¬ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 231 عن الربيع.¥.
وقال آخرون: بل معناه: أصاب العملَ.
[ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}. قال: أصاب العمل] ¬سقط من: ت 2.
والأثر ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 231 عن ابن زيد.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: عرف أمرَ مُثيبه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن الكلبيِّ: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ}: من الذَّنبِ، {وَآمَنَ} من الشِّركِ، {وَعَمِلَ صَالِحًا} أَدَّى ما افتَرَضتُ عليه، {ثُمَّ اهْتَدَى} عرَف مُثيبَه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا ¬ذكره البغوي في تفسيره 5/ 288، والقرطبي 11/ 231 عن الكلبي.¥.
وقال آخرون بما حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى الفَزارِيُّ، قال: ثنا عمرُ بن شاكرٍ، قال: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقولُ في قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}. قال: إلى ولاية أهل بيت النبيِّ عليه السلامُ ¬ذكره القرطبي في تفسيره 11/ 231 عن ثابت.¥.
قال الطبريُّ: وإنما اخْتَرْنا القول الذي اخْتَرنا في ذلك من أجل أن الاهتداء هو الاستقامةُ على هُدًى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمَعه الإيمانُ والعملُ الصالحُ والتوبةُ ¬في الأصل: "التقوى".¥، فمَن فعَل ذلك وثبت عليه فلا شَكَّ في اهْتِدَائِه.