تفسير هذه الآية

السورة 20 : الآية 96

السورة 20 : الآية 96

قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


وقولُه: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ}. يقولُ: قال السامريُّ: علمتُ ما لم يَعْلَموه ¬في الأصل: "تعلموه". وهو يتفق مع قراءة من قرأ: (تبصروا). وهما قراءتان كما سيأتي في ص 150.¥. وهو "فعلتُ" من البَصيرة، أي: صِرْتُ بما عملتُ بصيرًا عالمًا.
[وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: لما قتل فرعونُ الولدان قالت أمُّ السامريِّ: لو نَحَّيتَه عنِّى حتى لا أراه، ولا أرى ¬في م: "أدرى".¥ قَتْلَه. فَجَعَلَتْه في غارِ، فأتى جبريلُ، فجعَل كفَّ نَفْسِهِ فِي فِيهِ، فَجَعَل يَرْضَعُ العسل واللبنَ، فلم يزلْ يختَلِفُ إليه حتى عرَفه، فمن ثَمَّ معرفتُه إيَّاه حين قال: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}.
وقال آخرون: هو ¬في ص، م، ت 1، ف: "هي".¥ بمعنى: أبْصَرتُ ما لم يُبْصروه. وقالوا: يقالُ: بَصُرتُ بالشيء وأَبْصَرتُه. كما يقالُ: أسرَعتُ وسَرُعْتُ؛ ماشيتُ ¬في م: "ما شئت". وينظر مجاز القرآن 2/ 26.¥.
ذكرُ مَن قال: هو بمعنى: أبْصَرتُ
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ}. يعني: فرسَ جبريل عليه السلامُ.
وقولُه: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}. يَعْنى ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "يقول".¥: فقبضتُ قبضةً من أثر حافرِ فرس جبريلَ.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيم بن جبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قذف بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آلِ فرعونَ في النارِ، وتكسَّرت، ورأى السامريُّ أثَرَ فرس جبريل عليه السلامُ، فأخذ تُرابًا من أثر حافرِه، ثم أقبل إلى النار فقذَفه فيها، وقال: كُنْ عِجْلًا جسَدًا له خُوَارٌ. فكان للبلاء ¬في الأصل: "البلاء".¥ والفتنة ¬تقدم تخريجه في 1/ 673.¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قبض قبضةً ¬بعده في م: "منه".¥ من أثر جبريل، فألْقى القبضةَ على حُليِّهم، فصار عِجْلًا جسَدًا له خُوارٌ، فقال: هذا إِلَهُكم وإلَهُ موسى ¬تقدم تخريجه في ص 136.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}. قال: من تحت حافرِ فرس جبريل، فنبَذه السامريُّ على حلية بني إسرائيل، فانْسَبك عِجْلًا جَسَدًا له خُوارٌ، حفيفُ الريح فيه فهو خُوارُه ¬تفسير مجاهد ص 465، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 307 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
قال أبو جعفر: والعجلُ ولدُ البقرة.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ هذين الحرفين؛ فقرأته عامَّةُ قرأة المدينة والبصرة: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} بالياء ¬وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 424.¥ بمعنى: قال السامريُّ: بَصُرتُ بما لم يَبصُرْ به بنو إسرائيلَ.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ الكوفة: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ) بالتاءِ ¬وهى قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.¥، على وَجْهِ المخاطَبَة لموسى وأصحابه، بمعنَى: قال السامريُّ لموسى: بَصُرتُ بما لم تَبْصُرْ بِهِ أَنتَ وأصحابُك.
والقولُ في ذلك عِندِى أنَّهما قراءتان مَعْروفتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأة، مع صحَّة معنى كلِّ واحدةٍ منهما، وذلك أَنَّه جائزٌ أن يكونَ السامريُّ رأى جبريلَ، فكان عندَه - إما ¬في م: "ما كان"، وفى ت 2: "إما كان".¥ بأن حَدَّثَته نفسُه بذلك، أو بغير ذلك من الأسباب - أن ترابَ حافرِ فرسه الذي كان عليه يَصْلُحُ لما حُدِّثَ عنه حينَ نَبَذَه في جَوْفِ العجل، ولم يكنْ عِلْمُ ذلك عند موسى، ولا عندَ أصحابه من بني إسرائيل، فلذلك قال لموسى: (بَصُرْتُ بما لم تَبصُروا به). أي: عَلِمْتُ بما لم تَعْلَموا به. وأما إذا قُرِئَ: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} بالياءِ، فلا مؤنةَ فيه؛ لأنه معلومٌ أن بنى إسرائيل لم يَعْلَموا ما الذي يَصْلُحُ له ذلك الترابُ.
وأما قولُه: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}. فإن قرَأَةَ الأمصار على قراءته بالضادِ، بمعنى: فأخذتُ بكَفِّي كلِّها ¬سقط من: م.¥ ترابًا من تراب أَثَرِ فرس الرسول.
ورُوِيَ عن الحسن البصريِّ وقتادةَ ما حدَّثنى أحمدُ بن يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادٍ و ¬في ص، م، ت 1، ف: "بن".¥ عوفٍ، عن الحسن أنه قرأها: (فَقَبَصْتُ قَبْصَةً). بالصادِ.
وحدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبادٍ، عن قتادةَ مثلَ ذلك بالصادِ ¬أخرجه البغوي في الجعديات (3292) من طريق المبارك، عن الحسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 307 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.¥.
يعنى: أخذتُ بأصابعى مِن ترابٍ أَثَرِ فرس الرسول عليه السلامُ، والقَبْضَةُ عند العرب الأخذُ بالكفِّ كلِّها، والقَبْصَةُ الأخْذُ بأطْراف الأصابع.
وقولُه: {فَنَبَذْتُهَا}. يقولُ: فأَلْقَيتُها، {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}. يقولُ: وكما فعلتُ من إلقائى القَبْضةَ التي قبضتُ مِن أَثَرِ الرسول ¬في م، ت 1، ف: "الفرس".¥ على الحلية التي أُوقدَ عليها حتى انْسَبَك فصار عجلًا جسدًا له حُوَارٌ، {سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}. يقولُ: زَيَّنَتْ لى نفسى أنَّه يكونُ ذلك كذلك.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}. قال: كذلك حدَّثتْني نفسي.

تفاسير بلغات أخرى · 6