تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} قال: نُكِسوا في الفتنة على رءوسِهم، فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 344، وفي البداية 1/ 336.¥.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ ¬هو الفراء في معاني القرآن 2/ 207.¥: معنى ذلك: ثم رَجَعوا عما ¬في معاني القرآن: "عندما".¥ عَرَفوا مِن حُجَّةِ إبراهيمَ، فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}.
وإِنَّما اختَرْنا القولَ الذي قُلنا في معنى ذلك؛ لأن نَكْسَ الشيءِ على رأسِه، قَلْبُه على رأسِه، وتصْيِيرُ أعْلاه أسفلَه، ومعلومٌ أن القومَ لم يُقْلَبوا على رءوسِ أنفسِهم، وأنهم إنما نُكِست حُجَّتُهم، فأُقِيمَ الخبرُ عنهم مُقامَ الخبرِ عن حُجَّتِهم. وإذ كان ذلك كذلك، فنَكْسُ الحُجَّةِ - لا شكَّ - إنما هو احتجاجُ المُحْتَجِّ على خَصْمِه بما هو حُجَّةٌ لخَصْمِه.
وأما قولُ السديِّ: ثم نُكِسوا في الفتنةِ. فإنهم لم يكونوا خَرَجوا مِن الفتنةِ قبلَ ذلك فنُكِسوا فيها.
وأما قولُ مَن قال مِن أهلِ العربيةِ ما ذكرنا عنه، فقولٌ بعيدٌ مِن المفهومِ؛ لأنهم لو كانوا رَجَعوا عما عَرَفوا مِن حُجَّةِ إبراهيمَ، ما احْتَجُّوا عليه بما هو حُجَّةٌ له، بل كانوا يقولون: لا نَسْأَلُهم، ولكن نَسْأَلُك، فأخبِرْنا مَن فعَل ذلك بها، وقد سَمِعنا أنك فعلتَ ذلك؟ ولكن صَدَقوه القولَ فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}. وليس ذلك رجوعًا عمَّا كانوا عَرَفوا، بل هو إقرارٌ به.