تفسير هذه الآية

السورة 23 : الآية 20

السورة 23 : الآية 20

وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْـَٔاكِلِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القول في تأويل قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20)}.يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضًا شجرةً تَخْرُجُ من طُورِ سَيْناءَ.و{شَجَرَةً} منصوبةٌ عطفا على "الجناتِ"، ويعنى بها شجرة الزيتون.وقوله: {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ}. يقولُ: تَخْرُجُ من جبلٍ يُنْبِتُ الأشجارَ.وقد بيَّنتُ معنى "الطورِ" فيما مضَى بشواهده، واختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ¬تقدم في 2/ 48 - 51.¥.وأما قولُه: {سَيْنَاءَ}. فإن القَرَأةَ اختَلَفت في قراءته؛ فقَرَأتْه عامة قرَأةِ المدينة والبصرة: (سِيناءَ). بكسر السين. وقرَأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الكوفة: {سَيْنَاءَ}. بفتح السين، وهما جميعًا مُجمعون على مدِّها ¬قرأ المدنيان وابن كثير وأبو عمرو بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. ينظر النشر 2/ 246.¥.والصوابُ من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأةِ الأمصارِ بمعنًى واحدٍ، فبأيَّتهما قرأ القارى فمصيبٌ.واختلف أهل التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: المبارَك. كأن معنى الكلامِ عنده: وشجرةً تَخْرُجُ من جبلٍ مباركٍ.ذكر من قال ذلكحدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أب
و عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهد في قوله: {طُورِ سَيْنَاءَ}. قال: المبارَكُ ¬تفسير مجاهد ص 485. ومن طريقه الفريابي -كما في تغليق التعليق 4/ 373.¥.حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ}. قال: هو جبلٌ بالشامِ مباركٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم -كما في فتح البارى 8/ 713، والحاكم في 2/ 528 من طريقين آخرين عن ابن عباس.¥.وقال آخرون: معناه: حسنٌ.ذكرُ مَن قال ذلكحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ في قوله: {طُورِ سَيْنَاءَ}. قال: جبلٌ حسنٌ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 45 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أَخبرنا عُبَيْدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {مِن طُورِ سَيْنَاءَ}. الطور: الجبل بالنبطية، وسيناءُ: حسنةٌ بالنَّبَطيةِ ¬عزا
ه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.وقال آخرون: هو اسم جبل معروف.ذكرُ من قال ذلكحدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: {مِن طُورِ سَيْنَاءَ}. قال: الجبل الذي نُودِى منه موسى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬تقدم تخريجه في 2/ 50.¥.حدَّثني يونس قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {طُورِ سَيْنَاءَ}. قال: هو جبل الطور الذى بالشامِ، جبل بيت ¬في م: "ببيت".¥ المقدس. قال: ممدودٌ هو بينَ مصرَ وبين أَيْلَةَ ¬ذكره البغوى في تفسيره 5/ 414.¥.وقال آخرون: معناه أنه جبلٌ ذو شجرٍ.ذكر من قال ذلكحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عمن قاله ¬أخرجه عبد الرزاق 2/ 45 عن معمر عن الكلبي.¥.والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن سيناءَ اسمٌ أُضِيف إليه الطُّورُ، يُعْرَفُ به، كما قيل: جَبَلا طَيِّئ. فأُضِيفا إلى طَيِّئٍ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبلٌ مبارَكٌ. أو كما قال من قال: معناه: حسنٌ. لكان الطور منوَّنًا، وكان قوله: {سَيْنَاءَ} من نَعْتِه. على أن سيناء بمعنى مباركٍ وحسنٍ غير معروف في
كلام العرب، فيُجْعَل ذلك من نعتِ الجبلِ. ولكنَّ القول في ذلك -إن شاء الله- كما قال ابن عباسٍ، من أنه جبلٌ عُرِف بذلك، وأنَّه الجبل الذي نُودِى منه موسى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو مع ذلك مباركٌ، لا ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف: "إلا".¥ أن معنى سيناء معنى مباركٍ.وقوله: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: {تَنْبُتُ}؛ فقرأته عامة قرأة الأمصار: {تَنبُتُ} بفتح التاء ¬وهي قراءة نافع وعاصم وابن عمر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 484.¥، بمعنى: تَنْبُتُ هذه الشجرة بثمرِ الدُّهْنِ.وقرأه بعضُ قَرَأةِ البَصْرةِ: (تُنْبِتُ بالدُّهنِ) بضمِّ التاء ¬وهى قراءة ابن كثير وأبي عمرو. المصدر السابق.¥، بمعنى: تُنْبِتُ الدُّهْنَ؛ تُخْرِجُه. وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (تُخْرِجُ الدُّهْنَ) ¬مختصر الشواذ لابن خالويه ص 99. وفيه: (يخرج) بالياء.¥. وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدةٌ، كما قيل: أَخَذْتُ ثوبَه، وأَخَذتُ بثوبِه. وكما قال الراجز ¬هو النابغة الجعدى، والرجز في شرح ديوانه ص 215، 216.¥:نحن بنو جَعْدَةَ أربابُ الفَلَجْ ¬الفلج: موضع لبنى جعدة من قيس بنجد، وهو في أعلى بلاد قيس. معجم ما استعج
م 3/ 1029.¥نَضْرِبُ بالبِيضِ ¬البيض: جمع أبيض، وهو السيف. اللسان (ب ى ض).¥ ونَرْجُو بالفَرَجْبمعنى: ونَرْجُو الفرجَ.والقولُ عندى في ذلك أنهما لغتان: نبَت وأَنْبَت. ومِن "أَنْبَت" قولُ زُهَيرٍ ¬شرح ديوان زهير ص 111.¥:رأيتَ ذَوِى الحاجاتِ حولَ بُيُوتِهِمْ ... قَطِينًا ¬القطين: أهل الرجل وحَشَمُه. والقطين: الساكن النازل في الدار. يقول: يلزمونهم فيسمنون عندهم. شرح الديوان ص 111.¥ لهم حتى إذا أنْبَتَ البَقْلُ ويُرْوَى: نَبَتَ. وهو كقوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}. و: (فاسْرِ) [هود: 81]. غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التى لا أختارُ غيرَها في ذلك، قراءةُ من قرأ: {تَنبُتُ} بفتح التاء؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها. ومعنى ذلك: تَنْبُتُ هذه الشجرةُ بثمر الدُّهْنِ.كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ}. قال: تُثْمِرُ ¬في ص، ت 2، ف: "بثمر"، وفى م: "بثمره".والأثر في تفسير مجاهد ص 485. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.حدَّثنا ا
لقاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهد مثله.والدُّهنُ الذى هو من ثمره الزيتُ.كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ عباس قوله: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ}. يقولُ: هو الزيتُ يُؤكلُ ويُدَّهَنُ به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.وقولُه: {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ}. يقولُ: تَنْبُتُ بالدُّهْنِ وبصِبْغٍ للآكِلين، يُصْطَبَعُ بالزيت الذى يأكلونه.كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ}. قال: هذه ¬في م: "هذا".¥ الزيتونُ صِبْغٌ للآكلين، يَأْتَدمون به، ويَصْطبِغون به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 8 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.قال أبو جعفر: فـ "الصِّبْغُ" عطفٌ على "الدُّهْنِ".
تفاسير بلغات أخرى · 6