تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)}.اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.ذِكرُ مَن قال ذلكحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ}. يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الرجالِ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القول. وقوله: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ}. يقولُ: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، والطيِّبون مِن الرجالِ للطيِّباتِ من القولِ، نزَلت في الذين قالوا في زوجةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما قالوا مِن البهتانِ. ويقالُ: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}: الأعمالُ الخبيثةُ تكونُ للخبيثين، وال
طيِّباتُ ¬في ص، ت 1، ت 2: "الطيبون".¥ مِن الأعمالِ تكونُ للطيِّبين ¬أخرجه الطبراني 23/ 159 (250) من طريق محمد بن سعد به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2560، والطبراني 23/ 158، 159 (248، 249) من طرق عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى ابن مردويه.¥.حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: [{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}. قال] ¬سقط من: م، ت 1، ف.¥: الخبيثاتُ [من الكلامِ] ¬سقط من: ت 1، ف.¥ للخبيثين من الناسِ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيِّبين مِن الناسِ.حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله ¬تفسير سفيان ص 223.¥.حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] ¬سقط من: م.¥ في قولِ اللهِ: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}. قال: الطيباتُ: القولُ الطيبُ يخرجُ مِن الكافرِ والمؤمنِ، فهو للمؤمنِ، والخبيثاتُ: القولُ الخبيثُ يخرجُ مِن المؤمنِ والكافرِ، فهو للكافر
ِ، {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}. وذلك أنه برَّأ كليهما مما ليسَ له ¬سقط من: م.¥ بحقٍّ مِن الكلامِ.حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}. يقولُ: الخبيثاتُ والطيباتُ: القولُ السيءُ والحَسَنُ؛ للمؤمنين ¬في ص، ت 1، ت 2: "للمؤمن".¥ الحَسَنُ، وللكافرين ¬في ت 1: "الكافر"، وفى ت 2: "للكافر"، وفى ف: "الكافرين".¥ السيئُ، {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}. وذلك بأنَّه ما قال الكافرون مِن كلمةٍ طيبةٍ فهى للمؤمنين ¬في ت 1، ت 2، ت 3، ف: "للمؤمن".¥، وما قال المؤمنون مِن كلمةٍ خبيثةٍ فهي للكافرين، كلٌّ برئٌ مما ليسَ بحقٍّ مِن الكلامِ ¬تفسير مجاهد ص 491، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2561، 2564، والطبراني 23/ 157، 161 (243، 255)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}. قا
ل: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن الكلامِ ¬أخرجه الطبراني 23/ 157، 158 (244) من طريق محمد بن ثور به.¥.حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال أخبَرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 55.¥.حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} الآية. يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين من الرجالِ، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الرجالِ، والطيبون مِن الرجالِ للطيباتِ مِن القولِ، فهذا في الكلامِ، وهم الذين قالوا لعائشةَ ما قالوا، هم الخبيثون. والطيبون هم المبرَّءُون مما قال الخبيثون.حدَّثنا أبو زرعةَ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سلمةُ، يعنى ابنَ نُبَيْطٍ الأشجعيَّ، عن الضحاكِ: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}. قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والطيباتُ مِن الكلامِ للطيبين مِن الناسِ ¬أخرجه الطبراني 23/ 157 (242) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد.¥.قال: ثن
ا قبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ وعثمانَ بن الأسودٍ، عن مجاهدٍ: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}. قال: الخبيثاتُ مِن الكلامِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ.قال: ثنا سفيانُ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، قال: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}. قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ، والطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ ¬تفسير سفيان ص 224، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2562، 2563، والطبراني 23/ 156 (239) من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بنحوه.¥.قال: ثنى محمدُ بنُ أبى ¬سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال 24/ 534.¥ بكرِ بن مُقَدَّمٍ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الملكِ، يعنى ابنَ أبى سليمانَ، عن القاسمِ بن أبى ب
َزَّةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن مجاهدٍ: {وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ}. قال: الخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناس ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2562، والطبراني (158/ 23 (247) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به. وعند ابن أبي حاتم: عن مجاهد وسعيد. وعند الطبراني: عن مجاهد أو سعيد بن جبير. وأخرجه الطبراني 23/ 158 (246) من طريق عبد الملك، عن القاسم، عن سعيد قوله.¥.قال: ثنا عباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}. يقولُ: الخبيثاتُ مِن القولِ والعملِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ والعملِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 8/ 2563، 2564، والطبراني 23/ 160 (252) من طريق عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد.¥.حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ بن عمروٍ، عن عطاءٍ، قال: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}. قال: الطيباتُ مِن القولِ للطيبين مِن الناسِ، والط
يبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القولِ، والخبيثاتُ مِن القولِ للخبيثين مِن الناسِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد. وأخرجه الطبراني 23/ 159 (249) مِن طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس.¥.وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثاتُ مِن النساءِ للخبيثين مِن الرجال، والخبيثون مِن الرجالِ للخبيثاتِ مِن النساءِ.ذِكرُ مَن قال ذلكحدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زَيْدٍ في قولِه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}. قال: نزَلت في عائشةَ حينَ رماها المنافقُ بالبهتانِ والفِرْيْةِ، فبرَّأها اللهُ مِن ذلك. وكان عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ هو خبيثٌ، وكان هو أَوْلَى بأن تكونَ له الخبيثةُ ويكونَ لها، وكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طيبًا، وكان أَوْلَى أن تكونَ له الطيبةُ، وكانت عائشةُ الطيبةَ، وكانَ أَوْلَى أن يكونَ لها الطيبُ، {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}. قال: هاهنا بُرِّئتْ عائشةُ. {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفس
يره 8/ 2562، 2564، والطبراني 23/ 156، 162 (240، 258) مِن طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.¥.وأَوْلَى هذه الأقوالِ في تأويلِ الآية قولُ مَن قال: عَنَى بالخبيثاتِ: الخبيثاتِ مِن القولِ، وذلك قبيحُه وسيئُه، للخبيثين مِن الرجالِ والنساءِ، والخبيثون مِن الناسِ للخبيثاتِ مِن القولِ هم بها أَوْلَى؛ لأنَّهم أهلُها، والطيباتُ مِن القولِ، وذلك حسنُه وجميلُه، للطيبين مِن الناسِ، والطيبون مِن الناسِ للطيباتِ مِن القول؛ لأنَّهم أهلها وأحقُّ بها.وإنما قُلْنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الآياتِ قبلَ ذلك إنما جاءَت بتوبيخِ اللَّهِ للقائلين في عائشةَ الإفكَ، والرامين المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ، وإخبارِهم ما خَصَّهم به على إفكِهم، فكان ختمُ الخبرِ عن أَوْلَى الفريقين بالإفكِ مِن الرامي والمرميِّ به، أشبهَ مِن الخبرِ عن غيرِهم.وقولُه: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ}. يقولُ: الطَّيبون مِن الناسِ مبرَّءون مِن خبيثاتِ القولِ، إن قالوها فإنَّ اللَّهَ يَصفحُ لهم عنها، ويَغْفِرُها لهم، وإن قِيلت فيهم ضرَّت قائلَها ولم تَضرَّهم، كما لو قال الطَّيِّبَ مِن القول الخبيثُ مِن الناسِ لم يَنْفَعُه الله به؛ لأنَّ الله لا يتقبَّلُ
ه، ولو قِيلت له لضرَّتْه؛ لأنه يَلْحَقُه عارُها في الدنيا وذلُّها في الآخِرة.كما حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}: فَمَن كان طيِّبًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ خبيثٍ، يقول: يغفِرُه اللهُ. ومَن كان خبيثًا فهو مُبَرَّأٌ مِن كلِّ قولٍ صالحٍ، فإنه يَرُدُّه الله عليه، لا يَقبلُه منه ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 55. وهو بعض الأثر المتقدم في ص 235.¥.وقد قِيل: عُنِى بقولِه: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ}: عائشةُ وصفوانُ بنُ المُعَطَّلِ الذي رُمِيت به. فعلى هذا القولِ قيل: {أُولَئِكَ}. فجُمِع، والمرادُ ذانِك، كما قيل: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11]. والمرادُ أخوَان.وقولُه: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ}. يقولُ: لهؤلاءِ الطيِّبين مِن الناسِ مغفرةٌ مِن اللهِ لذنوبِهم، والخبيثِ مِن القولِ إن كان منهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. يقولُ: ولهم أيضًا مع المغفرةِ عَطيةٌ مِن الله كريمةٌ، وذلك الجنةُ وما أُعِدَّ لهم فيها مِن الكرامةِ.كما حدَّثنا أبو زرْعةَ، قال: ثنا العباسُ بنُ الوليدِ النَّرْسِيُّ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُ
رَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: مغفرةٌ لذنوبِهم، ورزقٌ كريمٌ في الجنةِ ¬أخرجه الطبراني 23/ 162 (259) مِن طريق عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد.¥.