تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجُمِع لسليمانَ جنودُه من الجنِّ والإنسِ والطيرِ في مَسِيرٍ له فهم يُوزَعون.
واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {فَهُمْ يُوزَعُونَ}؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فهم يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخِرِهم حتى يَجْتَمِعوا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: جُعِل على كلِّ صِنْفٍ وزَعَةٌ ¬في م: "من". والوزعة: جمع وازع، وهو الحابس العسكر الموكل بالصفوف، يتقدم الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر. اللسان (و ز ع).¥، يَرُدُّ أُولَاها على أُخْراها؛ لئلا يَتَقدَّموا في المَسِيرِ، كما تصنعُ الملوكُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 104 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: [ثنا الحسينُ، قال] ¬سقط من: م.¥: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ قولَه: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}. قال: يردُّ أوَّلُهم على آخرِهم ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 79 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 104 إلى عبد بن حميد.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: فهم يُساقُون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}. قال: {يُوزَعُونَ}: يُساقُون ¬ذكره الطوسي في التبيان 8/ 74.¥.
وقال آخرون: بل معناه: فهم يَتَقدَّمون.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: {يُوزَعُونَ}: يتقدَّمون ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 79 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 2857 عن معمر به.¥.
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: يُرَدُّ أَوَّلُهم على آخِرهم. وذلك أن الوازِعَ في كلامِ العربِ هو الكافُّ، يقالُ منه: وَزَعَ فلانٌ فلانًا عن الظلمِ. إذا كَفَّه عنه، كما قال الشاعرُ ¬التبيان 8/ 75.¥:
ألم يَزَعِ الهَوَى إِذْ لم يُؤَاتِ؟ ... بلى وسَلَوْتُ عن طَلَبِ الفَتاةِ ¬في ص، ت 1، ت 3: "العتات"، وفى ت 2: "العتاب"، وفى التبيان: "العتاة".¥
وقولُ الآخرِ ¬هو النابغة الذبياني، والبيت في ديوانه ص 44.¥:
على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا ... وقُلْتُ أَلَمَّا تصْحُ ¬في م: "أصح".¥ والشَّيْبُ وَازِعُ
وإنما قيل للذين يدفَعون الناسَ عن الوُلاةِ والأمراءِ: وَزَعَةٌ. لِكَفِّهم إيَّاهم عنهم ¬في ص، م، ت 1، ف: "عنه".¥.