تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وأما قولُه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}. فإن ¬في ص، ت 1، ت 2: "قال".¥ معناه: أظَنَّ الذين خرَجوا يا محمدُ من أصحابِك من أذى المشركين إياهم، أن نَتْرُكَهم بغيرِ اختبارٍ، ولا ابتلاءِ امتحانٍ، بأن قالوا: آمنا بك يا محمدُ، وصدَّقْناك فيما جئْتَنا به مِن عندِ اللهِ؟ كلا، لنَخْتَبِرَنَّهم؛ ليتبيَّنَ الصادقُ منهم من الكاذبِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: {آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}. قال: يُبْتَلَوْن فى أنفسِهم وأموالِهم ¬تفسير مجاهد ص 534، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 9/ 3032، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 141 إلى الفريابي وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}. أى: لا يُبْتَلَوْن ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1916 من طريق سعيد بن بشير عن قتادة مطولا، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 96 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 141 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: {وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}. قال: لا يُبْتَلَوْن ¬تفسير سفيان ص 235.¥.
[و {أَنْ}] ¬في م: "فأن".¥ الأولى منصوبةٌ بـ "حسب"، والثانيةُ منصوبةٌ في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بتعلُّقِ {يُتْرَكُوا} بها، وأن معنى الكلامِ على قولِه: أحسِب الناسُ أن يتركوا لِأن يقولوا: آمَنا. فلمَّا حُذِفَت اللامُ الخافضةُ من "لأِن" نُصِبَت على ما ذكَرْتُ.
وأما على قولِ غيرِه، فهى فى موضعِ خفضٍ بإضمارِ الخافضِ، ولا تكادُ العربُ تقولُ: [ترَكْتُ فلانًا أن يَذْهَبَ. فَتُدْخِلُ "أن" في الكلامِ، وإنما تقولُ] ¬سقط من: ت 2.¥: ترَكْتُه يَذْهَبُ. وإنما أُدْخِلَت {أَنْ}؛ هاهنا؛ لاكتفاءِ الكلامِ بقولِه: {أَنْ يُتْرَكُوا}. إذ كان معناه: أحسِب الناسُ أن يُتْرَكوا وهم لا يُفْتَنون؛ مِن أجلِ أن يقولوا: آمَنَّا. فكان قولُه: {أَنْ يُتْرَكُوا}. مكتفيةً بوقوعِها على "الناسِ"، دونَ أخبارِهم.
وإن جُعِلَت {أَنْ} فى قولِه: {أَنْ يَقُولُوا} منصوبةٌ بنيةِ تكريرِ {أَحَسِبَ}، كان جائزًا، فيكونُ معنى الكلامِ: [أحَسِب الناسُ] ¬سقط من: ت 2.¥ أن يُتْرَكوا، أحسِبوا أن يقولوا: آمنا. وهم لا يُفْتَنون.