تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)}.
يعني بذلك جلَّ ثناؤه: فمن أعرَض عن الإيمانِ برُسُلِي الذين أرسلْتُهم بتصديقِ ما كانَ مع أنبيائى مِن الكُتبِ والِحكمةِ، وعن نُصرتِهم، فأَدْبرَ ¬في ص، ت 1: "فأدبروا".¥ ولم يُؤْمِنْ بذلك، ولم يَنْصُرُ، ونكَث عهدَه وميثاقَه، {بَعْدَ ذَلِكَ}. يعنى: بعْدَ العهدِ و الميثاقِ الذي أخذَه اللهُ عليه ¬بعده في ص، ت 1: "به".¥، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. يعني بذلك أنّ المتولِّين عن الإيمانِ بالرسلِ الذين وصَف اللهُ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أمرَهم ونُصرتهَم، بعدَ العهدِ والميثاقِ اللذَيْنِ أُخِذَا عليهم بذلك، {هُمُ الْفَاسِقُونَ}، يعني بذلك: الخارجون من دينِ اللهِ وطاعةِ رَبِّهم.
كما حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيْفُ بنُ عمرَ، عن أبي رَؤقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ: {فَمَنْ تَوَلَّى} عنك يا محمدُ بعدَ هذا العهدِ من جميعِ الأممِ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: هم العاصُونَ في الكفرِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 48 إلى المصنف.¥.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه - قال أبو جعفرٍ: يَعنى الرازِيَّ -: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ}. يقولُ: بعدَ العهدِ والميثاقِ الذي أُخِذَ عليهم {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، [عن أبيه] ¬سقط من النسخ.¥، عن الربيعِ مثلَه.
وهاتان الآيتان وإنْ كان مَخرَجُ الخبرِ فيهما مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ بما أخبرَ أنه أَشْهَدَ وأخَذ به ميثاقَ مَن أخَذ ميثاقَه به عن أنبيائِه ورُسلِه؛ فإنه مقصودٌ به إخبارُ مَن كان حوالَىْ مُهاجَرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِن يِهودِ بني إسرائيلَ أيامَ حياتِه - صلى الله عليه وسلم -، عَمَّا للهِ عليهم من العهدِ في الإيمانِ بنبوَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَمعنيٌّ تذْكيرُهم ما كان اللهُ آخذًا على آبائِهم وأسلافِهم مِن المواثيقِ والعهودِ، وما كانت أنبياءُ اللَّهِ عرَّفتْهم، وتقدَّمتْ إليهم في تصديقِه واتباعه ونُصرتِه على مَن خالَفَه وكذَّبه - وتعريفُهم ما في كُتبِ اللَّهِ التي أنزلَها إلى أنبيائِه، التي ابتَعثَهم إليهم، مِن صِفتِه وعلامتِه.