تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: لن تُدْرِكوا أَيُّها المؤمنون البِرَّ، وهو البِرُّ من اللهِ الذي يَطْلُبونه منه بطاعتِهم إيّاه، وعبادتِهم له، ويَرْجونه منه، وذلك تَفَضُّلُه عليهم بإدخالِهم جنتَه، وصَرْفِ عذابِه عنهم. ولذلك قال كثيرٌ من أهلِ التأويلِ: البِرُّ الجنةُ؛ لأن بِرَّ الرَّبِّ بعبدِه في الآخرةِ إكرامُه ¬في م: "وإكرامه".¥ إيَّاه بإدخالِه الجنةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، في قولِه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ}. قال: الجنةُ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 424 عن شريك به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ في قولِه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ}. قال: البِرُّ الجنةُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ}: أما البِرُّ فالجنةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 703 عقب الأثر (3809) من طريق عمرو، عن أسباط به.¥.
فتأويلُ الكلامِ: لن تَنالوا أيُّها المؤمنون جنةَ ربِّكم {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. يقولُ: حتى تَتَصَدَّقوا مما تُحِبُّون [وتَهْوَون] ¬في ص، ت 1، ت 2: "فتهوون".¥ أن يكونَ لكم من نَفيسِ أموالِكم.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. يقولُ: لن تَنالوا [بِرَّ رَبِّكم] ¬في ص: "بربكم"، وفي ت 2: "بيركم"، وفي ت 1، س: "بركم".¥ حتى تُنْفِقوا مما يُعْجِبُكم، ومما تَهْوَوْن من أموالِكم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 51 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ قولَه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. قال: من المالِ.
وأما قولُه: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. فإنه يعنى به: ومهما تُنْفِقوا من شيءٍ فتَتَصَدَّقوا به من أموالِكم، فإن الله تعالى ذكرُه بما يَتَصَدَّقُ به المُتَصَدِّقُ منكم، فيُنْفِقُه مما يُحِبُّ من مالِه في سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك {عَلِيمٌ}. يقولُ: هو ذو علمٍ بذلك كلِّه، لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ منه، حتى يُجازِىَ صاحبَه عليه جزاءَه في الآخرةِ.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. يقولُ: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ، شاكرٌ له ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 704 (3815) من طريق شيبان، عن قتادة.¥.
وبنحوِ التأويل الذي قلنا تأوَّل هذه الآيةَ جماعةٌ من الصحابةِ والتابعين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. قال: كتب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبي موسى الأشعريِّ أن يَبْتاعَ له جاريةً من جَلُولاءَ ¬أي من سبى جلولاء. وجلولاء اسم للوقعة التي كانت بين المسلمين والفرس في صفر من سنة ست عشرة، وفيها انتصر المسلمون بعد قتال لم يسمع بمثله، وقتل من الفرس يومئذ مائة ألف، حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء. ينظر تاريخ المصنف 4/ 24 - 34، والبداية والنهاية 10/ 20 - 24.¥ يومَ فُتِحَت مدائنٌ كسرى في قتالِ سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ، فدَعا بها عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: إن الله يقولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. فَأَعْتَقَها عمرُ. وهي مِثْلُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان 8]. {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ¬تفسير مجاهد ص 255، 256، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 50 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥ [الحشر: 9].
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه سواءً.
حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن حُمَيدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. أو هذه الآيةُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245/ الحديد: 11]. قال أبو طلحة: يا رسولَ اللهِ، حائِطى الذي بكذا وكذا صدقةً، ولو استطعتُ أن أجعَلَه سِرًّا لم أجعَلْه علانيةً، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اجْعَلْها في فُقراءِ أهلِكَ" ¬أخرجه أحمد 19/ 191، 20/ 179، 21/ 295 (12144، 12781، 13767)، وعبد بن حميد (1413)، والترمذي (2997)، وأبو يعلى (3865)، وابن خزيمة (2458، 2459)، والطحاوي، 3/ 289، 4/ 386، والدارقطني 4/ 191 من طريق حميد به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ بن مالكٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. قال أبو طلحةَ: يا رسولَ اللهِ، إن الله يسألُنا من أموالِنا، اشْهَدْ أَنِّي قد جعَلتُ أرضِى بأَرْيَحَا ¬كذا في النسخ، وسنن أبى داود. ويقال أيضًا: بيرحاء. بالمد والقصر، بفتح الراء وضمها، مصروف وممنوع. قال الزمخشري: هو بوزن "فَيْعَلى" من البراح، وهي الأرض الظاهرة، وهو اسم مال وموضع بالمدينة. ينظر الفائق 1/ 93، ومشارق الأنوار 1/ 115، 116، والنهاية 1/ 114، وعون المعبود 2/ 58.¥ للهِ. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اجعَلها في قَرابتِك". فَجَعَلها بينَ حسانَ بن ثابتٍ وأبيِّ بن كعبٍ ¬أخرجه أحمد 21/ 431 (14036)، ومسلم 43/ (998)، وأبو داود (1689)، والنسائي (3604)، وابن خزيمة (2460)، وابن حبان (7183)، والدارقطني 4/ 191، والبيهقي 6/ 165، 285، وفي الشعب (3423)، وابن عبد البر في التمهيد 1/ 216 من طريق حماد بن سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 50 إلى ابن المنذر وابن مردويه.¥.
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا ليثٌ، عن ميمونِ بن مِهْرَانَ، أن رجلًا سأل أبا ذرٍّ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: الصلاةُ عمادُ الإسلامِ، والجهادُ سَنامُ العملِ، والصدقةُ شيءٌ عَجَبٌ ¬في م: "عجيب".¥. فقال: يا أبا ذرٍّ، لقد ترَكتَ شيئًا هو أوثَقُ عملى في نفسى لا أراك ذكَرْتَه. قال: ما هو؟ قال: الصيامُ. فقال: قُرْبةٌ، وليس هنا ¬في ص، م، ت 1، ت 3: "هناك". والمثبت موافق لما في الدر المنثور.¥. وتلا هذه الآيةَ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 50 إلى المصنف.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني داودُ بنُ عبدِ الرحمنِ المكيُّ، عن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي حسينٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. جاء زيْدٌ بفرسٍ له، يقالُ لها: سَبْلٌ ¬في م: "سيل". والمثبت موافق لما في كتاب الخيل لأبي عبيدة ص 179. وينظر تاج العروس (س ب ل).¥. إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: تَصَدَّق بهذه يا رسولَ اللهِ. فأعطاها
رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ابنه أسامةَ بن زيدِ بن حارثةَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما أردتُ أن أَتصَدَّقَ به. فقال رسولُ اللهِ: "قد قُبِلَت صَدَقَتُك" ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخه 19/ 367 من طريق ابن وهب به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ وغيرِه أنها حينَ نزَلَت: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. جاء زيدُ بنُ حارثةَ بفرسٍ له كان يُحِبُّها، فقال: يا رسولَ اللهِ، هذه في سبيلِ اللهِ. فحَمَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عليها أسامةَ بنَ زيدٍ، فكأنَّ زيدًا وَجَد في نفسِه، فلما رأى ذلك منه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أمَا إِنَّ الله قَدْ قَبلها" ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 126.¥.