تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقولُه: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}. يقولُ: فلمَّا بلَغ الغلامُ الذي بُشِّر به إبراهيمُ مع إبراهيمَ، العملَ، وهو السعىُ، وذلك حينَ أطاق معونتَه على عملِه.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}. يقولُ: العملَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في الإتقان- 2/ 39 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 280 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}. قال: لما شَبَّ حتى أَدْرَك سعيه سَعْيَ إبراهيمَ في العملِ ¬تفسير مجاهد ص 569، وذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 23، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 5/ 280 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: لما شَبَّ حينَ أَدْرَك سعيَه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}. قال: سَعْيَ إبراهيمَ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}. قال: سَعْىٌ لإبراهيمَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}. قال: السعىُ هاهنا العبادةُ ¬ذكره الطوسى فى التبيان 8/ 473، والقرطبي في تفسيره 15/ 99.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: فلمَّا مشَى مع إبراهيمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}. أي: لما مشَى مع أبيه ¬ذكره البغوى فى تفسيره 7/ 46، والقرطبي في تفسيره 15/ 99، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 280 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.¥.
وقولُه: {قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}. يقول تعالى ذكرُه: {قَالَ} إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ لابنِه: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}. وكان فيما ذُكِر أن إبراهيمَ نذَر حينَ بشَّرَته الملائكةُ بإسحاقَ ولدًا، أن يَجْعَلَه إذا ولَدَته سارَةُ للَّهِ ذَبيحًا، فلمَّا بلَغ إسحاقُ مع أبيه السعىَ أُرِى إبراهيمُ في المنامِ، فقيل: فِ ¬في م: "أوف".¥ للهِ بنذرِك. ورُؤيا الأنبياء، صلوات الله عليهم، يقينٌ؛ فلذلك مضَى لِما رأَى فى المنامِ، وقال له ابنُه إسحاقُ ما قال.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال جبريلُ عليه السلامُ لسارَةَ: أبْشِرِى بولدٍ اسمُه إسحاقُ، ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبُ. فضرَبت جبهتَها عَجَبًا، فذلك قولُه: {[قَالَتْ يَاوَيْلَتَى] ¬في النسخ: "فصكت وجهها".¥ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}. إلى قولِه: {حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 72، 73]. قالت سارَةُ لجبْرِيلَ: ما آيةُ ذلك؟ فأخَذ بيدِه عُودًا يابسًا، فَلَواه بينَ أصابعِه، فاهْتَزَّ أخضرَ، فقال إبراهيمُ: هو للهِ إذن ذبيحٌ. فلما كبِر إسحاقُ أُتِي إبراهيمُ في النومِ، فقيل له: أوْفِ بنذرِك الذى نذَرْتَ؛ إنِ اللهُ رزَقَك غلامًا مِن سارَةً أن تَذْبَحَه. فقال لإسحاقَ: انْطَلِقُ نُقَرِّبْ قُرْبانًا إلى اللهِ. وأخَذ سكينًا وحبلًا، ثم انْطَلَق معه حتى إذا ذهَب به بين الجبالِ، قال له الغلامُ: يا أبتِ، أين قُربانُك؟ قال: يا بُنَيَّ، إني رأيْتُ فى المنامِ أني أَذْبَحُك، فانْظُرْ ماذا تَرَى؟ قال: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، ستَجِدُنى إن شاء اللهُ مِن الصابرين. فقال له إسحاقُ: يا أَبَتِ، اشْدُدْ رِباطي حتى لا أَضْطَرِبَ، واكْفُفْ
عنى ثيابَك، حتى لا يَنْتَضِحَ عليها مِن دمى شيءٌ، فتراه سارَةُ فتَحْزَنَ، وأَسْرِعْ مَرَّ السكين على حَلْقى؛ ليكونَ أهونَ للموتِ عليَّ، فإذا أَتَيْتَ سارَةً، فاقْرَأْ عليها منى السلامَ. فأقْبَل عليه إبراهيمُ يُقبِّلُه، وقد ربَطه، وهو يَبْكي، وإسحاقُ يَبْكى. حتى اسْتَنْقَع الدموعُ تحتَ خدِّ إسحاقَ، ثم إنه جرَّ السكينَ على حَلْقِه، فلم تُحِكِ السكينُ، وضرَب اللهُ صَفيحةً مِن نُحاسٍ على حَلْقِ إسحاق، فلما رأَى ذلك، ضرَب به على جَبينِه، وحزَّ مِن قَفاه، فذلك قولُه: {فَلَمَّا أَسْلَمَا}. يقولُ: سلَّما للَّهِ الأمرَ، {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}. فنُودِى يا إبراهيمُ: قد صدَّقْتَ الرؤيا بالحقِّ. فالْتَفَت فإذا بكبشٍ، فأخَذَه وخلَّى عن ابنِه، فأَكَبَّ على ابنِه يُقبِّلُه وهو يقولُ: اليوم يا بُنَيَّ وُهِبْتَ لى. فلذلك يقولُ اللَّهُ: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}. فرجَع إلى سارَةً، فأخْبَرها الخبرَ، فجزِعت سارَةُ، وقالت: يا إبراهيمُ، أَرَدْتَ أن تَذْبَحَ ابنى ولا تُعْلِمَنى ¬أخرجه المصنف في تاريخه (1/ 272، 1/ 267 مختصرًا، وعزاه الحافظ في الفتح 12/ 377، 378، والسيوطى في الدر المنثور (5/ 282، 283 إلى ابن أبي حاتم، وذكر
ه البغوى في تفسيره 7/ 47، 49.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}. قال: رؤيا الأنبياء حقٌّ، إذا رأوا في المنام شيئًا فعَلُوه ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 280 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: رؤيا الأنبياءِ وَحْىٌ. ثم تلا هذه الآيةَ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} ¬أخرجه الحميدى (474)، والبخارى (138، 859)، والبيهقى 1/ 122، وفي الأسماء والصفات (420) من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 280 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني.¥.
وقوله: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}. اختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {مَاذَا تَرَى}؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} بفتحِ التاءِ ¬هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص 548.¥؛ بمعنى: أيَّ شيءٍ تَأْمُرُ؟ أو فانْظُرْ ما الذي تَأْمُرُ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (ماذا تُرِى) بضمِّ التاءِ ¬هي قراءة حمزة والكسائي. المصدر السابق.¥؛ بمعنى: ماذا تُشِيرُ، وماذا تُرِينى ¬في م: "ترى".¥ مِن صبرِك أو جَزَعِك من الذبحِ؟
والذى هو أولى القراءتين فى ذلك عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: {مَاذَا تَرَى} بفتحِ التاءِ ¬القراءتان كلتاهما صواب.¥، بمعنى: ماذا تَرَى مِن الرأيِ؟
فإن قال قائلٌ: أوَ كان إبراهيمُ يُؤامِرُ ابنَه في المُضِيِّ لأمرِ اللهِ، والانتهاءِ إلى طاعته؟
قيل: لم يَكُنْ ذلك منه مُشاوَرةٌ لابنِه في طاعةِ اللهِ، ولكنه كان منه ليَعْلَمَ ما عندَ ابنِه مِن العَزْمِ؛ هل هو مِن الصبرِ على أمرِ اللَّهِ على مثلِ الذي هو عليه، فيُسَرَّ بذلك، أم لا؟ وهو في الأحوالِ كلّها ماضٍ لأمرِ اللهِ.
وقولُه: {قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}. يقولُ تعالى ذكرُه: قال إسحاقُ لأبيه: يا أبتِ، افْعَلْ ما يَأْمُرُك به ربُّكَ مِن ذَبحى، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}. يقولُ: سَتَجِدُنى إن شاء الله صابرًا من الصابرين لِما يَأْمُرُنا به ربُّنا. وقال: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ}. ولم يَقُلْ: ما تُؤْمَرُ به. لأن المعنى: افْعَلِ الأمرَ الذى تُؤْمَرُه، وذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (إنى أرَى فى المنامِ افْعَلْ ما أُمِرْتَ به) ¬وهى قراءة شاذة، ينظر معانى القرآن للفراء 2/ 390.¥.