تفسير هذه الآية

السورة 37 : الآية 130

السورة 37 : الآية 130

سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ لآلِ ياسينَ.
واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}. فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ والكوفةِ: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} بكسرِ الألفِ مِن {إِلْ يَاسِينَ} ¬هي قراءة حمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص 549.¥.
فكان بعضُهم يقولُ: هو اسمُ إلياسَ. ويقولُ: إنه كان يُسَمَّى باسمَيْن؛ إلياسَ، وإلياسينَ، مثلَ إبراهيمَ، وإبراهامَ، يُسْتَشْهَدُ على أن ذلك كذلك، بأن جميعَ ما في السورةِ مِن قوِله: {سَلَامٌ}. [فإنما هو] ¬في م: "فإنه".¥ سلامٌ على النبيِّ الذي ذُكِر دونَ آلِه، فكذلك إلياسينُ ¬في ص: "إلياس".¥، إنما هو سلامٌ على إلياسَ دونَ آلِه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: إلياسُ اسمٌ مِن أسماءِ العبْرانيةِ؛ كقولِهم: إسماعيلُ وإسحاقُ. والألفُ واللامُ منه، ويقولُ: لو جَعَلْته عربيًّا مِن الأَلْيَسِ ¬في م: "الألس". وينظر معانى القرآن للفراء 2/ 391.¥، فتَجْعَلُه إفعالًا، مثلَ الإخراجِ، والإدخالِ، أُجْرِى. ويقولُ: قال: سلامٌ على إلْياسينَ، فتَجْعَلُه بالنونِ، والعَجَمِيُّ مِن الأسماءِ قد تَفْعَلُ به هذا العربُ، تقولُ: مِيكالُ وميكائيلُ وميكائينُ، وهى فى بنى أسدٍ تقولُ: هذا إسماعينُ قد جاء. وسائرُ العربِ باللامِ، قال: وأَنْشَدَنى بعضُ بنى نُمَيْرِ لضبٍّ صاده ¬البيتان بغير نسبة في معانى القرآن للفراء 2/ 391، والمعانى الكبير 2/ 646، وليس في كلام العرب لابن خالويه ص 204، والسمط 2/ 681.¥:
يقول أهلُ ¬في م، ت 2: "رب".¥ السوقِ لما جِينا ... هذا وربِّ البيتِ إسرائينا
قال: فهذا كقولِه: {إِلْ يَاسِينَ}. قال: وإن شئتَ ذَهَبْتَ بـ "إلياسينَ" إلى أن تَجْعَلَه جمعًا، فتَجْعَلَ أصحابَه داخلين في اسمِه، كما تقولُ لقومٍ رئيسُهم المُهَلَّبُ: قد جاءَتكم المهالِيةُ والمُهَلَّبون، فيكونُ بمنزلةِ قولِهم: الأشْعَرِين بالتخفيفِ، والسَّعْدِين بالتخفيفِ وشِبهِه، قال الشاعرُ ¬البيت في ملحق ديوان رؤبة 191 برواية: "أكرم".¥:
أنا ابنُ سعدٍ سَيِّدِ السَّعْدِينا
قال: وهو في الاثنَين أن يُضَمَّ أحدُهما إلى صاحبِه إذا كان أشهرَ منه اسمًا كقولِ الشاعرِ ¬البيت لقيس بن زهير فى مجاز القرآن 2/ 173، والأغانى 11/ 151، و المخصص 13/ 227، واللسان (ز هدم)، وبلا نسبة فى المقتضب 4/ 326 وأمالي المرتضى 2/ 149، ومعاني القرآن للفراء 2/ 392.¥.
جَزَانِي الزَّهْدَمَانِ ¬الزهدمان: قال أبو عبيدة: هما زهدم و كردم. قال ابن بري في الزهدمان: قال أبو عبيد: ابنا جزء. وقال على بن حمزة: ابنا حزن. وزهدم من أسماء الأسد. اللسان (زهدم).¥ جَزاءَ سَوءٍ ... وكُنْتُ المَرْءَ يُجْزَى بالكَرامَهْ
واسمُ أحدِهما زَهْدَمٌ. وقال الآخرُ ¬البيت للأخطل وهو في شرح ديوانه ص 674 برواية: "منعة .. وفروة".¥:
جَزَى اللهُ فيها الأَعْوَرَينِ ذمامةً ... وفَرْوَةَ ثَفْرَ الثَّوْرِةِ المُتَضاجِمِ ¬المتضاجم: المعوج الفم. اللسان (ض ج م).¥
واسمُ أحدِهما أعورُ.
وقَرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ: (سَلَامٌ عَلَى آلِ ياسِينَ). بقطعِ آلِ مِن ياسينَ ¬هي قراءة نافع وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 549.¥؛ فكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك بمعنى: سلامٌ على آلِ محمدٍ. وذُكِر عن بعضِ القرأةِ أنه كان يقرأُ قولَه: (وَإِنَّ الْيَاسَ) بتَرْكِ الهمزِ فى "الياسَ"، ويجعَلُ الألفَ واللامَ داخلتَين على "ياس" للتعريفِ، ويقولُ: إنما كان اسمُه "ياس"، أُدخلت عليه ألفٌ ولامٌ، ثم يقرأُ على ذلك: (سلامٌ على الياسينَ).
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا، قراءةُ مَن قرَأه: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} بكسر ألفِها ¬القراءتان كلتاهما صواب.¥، على مثال "إِدْرَاسِينَ"؛ لأن الله تعالى ذكرُه إنما أخبَر عن كلِّ موضعٍ ذكَر فيه نبيًّا من أنبيائِه، صلواتُ اللهِ عليهم، فى هذه السورةِ، بأن عليه سلامًا، لا على آلِه، فكذلك السلامُ فى هذا الموضعِ، ينبغى أن يكونَ على "إلياسَ" كسلامِه على غيرِه من أنبيائِه، لا على آلهِ، على نحوِ ما بَيَّنَّا من معنى ذلك.
فإن ظَنَّ ظانٌّ أن "إلياسينَ" غيرُ "إلياسَ"، فإن فيما حكَينا، مِن احتجاجِ مَن احتجَّ بأن "إلياسينَ" هو "إلياسُ"، غِنًى عن الزيادةِ فيه.
مع أن فيما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}. قال: إلياسَ.
وفي قراءة عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ¬هى قراءة شاذة. وينظر المصاحف ص 69.¥: (سَلامٌ علَى إِدْرَاسِينَ) دلالةٌ واضحةٌ على خطأِ قولِ مَن قال: عُنى بذلك: سلامٌ على آلِ محمدٍ، وفسادِ قراءةِ مَن قرأ: (وإنَّ الياسَ) بوصلِ النونِ مِن "إن" بإلياسَ ¬هي قراءة شاذة.¥، وتوجيهِ الألفِ واللامِ فيه، إلى أنهما أدخِلَتا تعريفًا للاسْمِ الذى هو "ياسُ"، وذلك أن عبدَ اللهِ كان يقولُ: إلياسُ هو إدريسُ، ويقرأُ: (وَإِنَّ إدريسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ)، ثم يقرأُ على ذلك: (سلامٌ علَى إدْرَاسِينَ)، كما قرَأ الآخرون: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ}. فلا وجهَ على ما ذكَرنا مِن قراءةِ عبدِ اللهِ، لقراءةِ مَن قرَأ ذلك: [(سَلامٌ علَى آلِ ياسينَ)] ¬سقط من: ص، ت 1.¥ بقطعِ "الآلِ" مِن "ياسينَ"، ونظيرُ تَسْميةِ إلياسَ بالياسينَ: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ} [المؤمنون: 20]. ثم قال فى موضعٍ آخرَ: {وَطُورِ سِينِينَ} [التين: 2]، وهو موضعٌ واحدٌ، سُمِّي بذلك.

تفاسير بلغات أخرى · 6