تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويل قوله: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}.
قال أبو جعفرٍ: يعني بذلك تعالى ذكرُه أوصياء اليتامى، يَقُولُ لهم: وأعطُوا يا معشَرَ أوصياءِ اليتامى اليتامى ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ أموالهم، إذا هم بلغوا الحُلُمَ، وأُويس منهم الرُّشْدُ، {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} يَقُولُ: ولا تَسْتَبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله جل وعز: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}. قال: الحلال بالحرام ¬تفسير مجاهد ص 265، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 855 (4733) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 117 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، -، عن مجاهدٍ مثله ¬تفسير سفيان ص 85، 86 ومن طريقه البيهقي في الشعب (1184). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 117 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}. قال: الحرام مكانَ الحلال ¬¥.
قال أبو جعفرٍ: ثم اختلف أهلُ التأويلِ في صفة تبدُّلهم الخبيث ¬بعده في الأصل: "كان".¥ بالطَّيبِ الذي نُهُوا عنه ومعناه؛ فقال بعضُهم: كان أوصياءُ اليتامى يَأْخُذون الجيدَ مِن مالِهم ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "ماله".¥ والرفيعَ منه، ويجعلون مكانه لليتيم الردئ والخسيسَ، فذلك تبديلُهم الذي نهاهم الله تعالى عنه.
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}. قال: لا تُعْطِ زَيْفًا وتأخذ جيدًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 856 (4737) من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 117 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن السديِّ، وعن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدٍ بن المسيبِ، ومَعْمَرٍ عن الزهريِّ، قالوا: يُعْطِى مَهْزولًا ويَأْخُذُ سمينًا.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاك، قال: لا تُعْطِ فاسدًا وتَأْخُذَ جيدًا ¬قول السدى في تفسير سفيان ص 86، وقول سعيد أخرجه ابن أبي حاتم 3/ 855 (4736) من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 117 إلى ابن المنذر. وقول الزهري أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 855 عقب أثر (4736) معلقًا. وقول الضحاك في تفسير سفيان ص 86.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}: كان أحدُهم يَأْخُذُ الشاةَ السمينةَ مِن غنمِ اليتيم، ويَجْعَلُ ¬بعده في ص، ت 2، س: "فيها".¥ مكانَها الشاةَ المهزولة، ويَقُولُ: شاةٌ بشاةٍ. ويَأْخُذُ الدرهم الجيدَ ويَطْرَحُ مكانَه الزيفَ، ويَقُولُ: درهمٌ بدرهمٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 156 (4738) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَسْتَعْجِلِ الرزقَ الحرامَ وتَأْكُلُه قبل أن يَأتيَك الذي قد قُدِّر لك من الحلال.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}. قال: لا تَعْجَلْ بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلالُ الذي قُدِّر لك ¬أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (1184) من طريق أبى كريب به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ عن سفيانَ، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ مثله ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 855 (4732) من طريق يحيى بن يمان به، وفي 3/ 855 (4734) من طريق يحيى بن يمان عن سفيان عن أبي صالح.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك كالذي حدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}. قال: كان أهلُ الجاهلية لا يُورِّثون النساء ولا يُوَرِّثون الصغارَ، يَأْخُذُه الأكبرُ، وقرأ: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127]. قال: إذا لم يَكُنْ لهن ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "لهم".¥ شئٌ، {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} لا [تُوَرِّثُونَهم شيئًا] ¬في ص، م، ت 3: "يورثونهم".¥، قال: فنصيبُه من الميراث طيبٌ، وهو للذي أخَذه خبيثٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 117 إلى المصنف.¥.
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بتأويل هذه الآية قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: ولا تَتَبدَّلوا أموالَ أيتامكم - أيُّها الأوصياءُ - الحرام عليكم، الخبيثَ لكم، فتأخُذوا رفائعَها وجيادَها وخيارَها، بالطيبِ الحلالِ لكم من أموالكم [وتجعلوا] ¬سقط من: الأصل، ص، ت 1، س.¥ الردئ الخسيسَ بدلًا منه. وذلك أن تَبَدُّلَ الشئِ بالشئِ في كلام العربِ، أَخْذُ شيءٍ مكان آخر غيره، يُعْطِيه المأخوذ منه أو يَجْعَلُه مكان الذي أخَذه، فإذ كان ذلك معنى التَّبَدُّلِ والاستبدال، فمعلومٌ أن الذي قاله ابن زيدٍ - من أن معنى ذلك هو أخذُ أكبر ولد الميتِ جميعَ مالِ ميْتِه ووالده دونَ صغارِهم إلى ماله - قولٌ لا معنى له؛ لأنه إذا أخذ الأكبرُ من ولدِه جميع مالِه دونَ الأصاغر منهم، فلم يَسْتَبْدِلْ مما أَخَذ شيئًا، فما التبدُّلُ الذي قاله جل ثناؤه: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ}. ولم يبذُل الآخِذُ مكان المأخوذ بدلًا؟
وأما الذي قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ من أن معنى ذلك: لا تَتَعَجَّل الرزقَ الحرامَ قبلَ مجئ الحلال. فإنهما أيضًا إن لم يَكُونا أرادا بذلك نحو الذي رُوى عن ابن مسعودٍ أنه قال: إن الرجلَ ليُحْرَمُ الرزقَ بالمعصيةِ يَأْتيها. ففسادُه نظيرُ فسادِ قول ابن زيدٍ؛ لأن من اسْتَعْجَل الحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقَه الحلال فأكله ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥، فلم يُبَدِّلُ شيئًا مكانَ شيءٍ. وإن كانا أرادا بذلك أن الله جل ثناؤه نهى عباده أن يَسْتَعْجِلُوا الحرام، فيَأْكُلوه قبل مجيء الحلالِ، فيكون أكلُهم ذلك سببًا لحرمان الطيِّب منه، فذلك وجهٌ معروفٌ ومذهبٌ مقولٌ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "معقول".¥ يَحْتَمِلُه التأويلُ. غير أن [أشبه من] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الأشبه في".¥ في ذلك بتأويل الآية ما قلنا؛ لأن ذلك هو الأظهرُ من معانيه؛ لأن الله جلّ ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصةِ أموال اليتامى وأحكامها، فَلأنُ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ يكونُ ذلك من جنس حكم أوّل الآية [وآخرِها، أولى] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فآخرها".¥ فأخرَجها مِن أَن يَكُونَ مِن غيرِ جنسِه.
القولُ في تأويل قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}.
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكرُه: ولا تَخْلِطوا أموالهم - يَعْنى أموال اليتامى - بأموالكم فتأكُلوها مع أموالكم.
كما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، [قال: ثنا عبدُ الرحمن] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}. [قال: أموالهم مع أموالكم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 856 عقب الأثر (4739) معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 117 إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب.¥.
حدَّثنا محمدٌ، قال: نا أحمدُ، قال نا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ}] (5). يَقُولُ: لا تَأْكُلوا أموالكم وأموالهم، تَخْلِطوها فتَأْكُلُوها جميعًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 856 (4739) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ في أموال اليتامى، كرهوا أن يُخالطوهم، وجعَل وليُّ اليتيم يَعْزِلُ مالَ اليتيم عن مالِه، فشكَوا ذلك إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل اللهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220]. قال: فخالَطوهم واتقَوا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 117 إلى المصنف.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)}.
قال أبو جعفرٍ: يعني بذلك عز ذكرُه: إن أكلَكم أموالَ أيتامِكم مع أموالِكم حُوبٌ كبيرٌ، والهاء في قوله {إِنَّه} دالَّةٌ على اسم الفعلِ، أَعْنى الأكلَ.
وأما الحُوبُ: فإنه الإثم. يقالُ منه: حاب الرجلُ يحوبُ حُوبًا وحَوْبا وحيابةً. ويُقالُ منه: قد تحوّب الرجلُ من كذا ¬بعده في الأصل: "وكذا".¥. إذا تأثَّم منه، ومنه قولُ أميةَ بن الأَسْكَرِ الليثيِّ ¬تقدم في 1/ 722.¥:
وإِنَّ مُهَاجِرَين تَكنَّفَاهُ ... غَدَاتَئِذٍ لقد خَطِئَا وحابَا
ومنه قيل: نزَلنا بحَوبةٍ مِن الأرضِ، وبحِيبةٍ من الأَرضِ. إذا نزَلوا بموضعِ سُوءٍ منها. والكبيرُ: العظيمُ، فمعنى ذلك: إن أكلَكم أموالَ اليتامى مع أموالِكم إثمٌ عندَ اللهِ عظيمٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في الحُوبِ، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو [وعمرُو] ¬سقط من: ت 2، س.¥ بنُ عليٍّ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قول اللهِ عز وجل: {حُوبًا كَبِيرًا}. قال: إثمًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 856 عقب أثر (4740) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 117 إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 857 (4743) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 118 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}. قال: إثمًا عظيمًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 856 عقب أثر (4740) من طريق أسباط به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّلِ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن السُّدِّيِّ: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} له قال: أما حُوبًا فإثمًا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 145.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}. قال: إثمًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 181 عن قتادة بلفظ: إثما كبيرًا.¥.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}. يَقُولُ: ظلمًا كبيرًا ¬¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}. قال: ذنبًا كبيرًا، قال وهي لأهلِ الإسلامِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 856 عقب أثر (4740) معلقًا، وابن كثير في تفسيره 2/ 181.¥.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا قرةُ بنُ خالدٍ، قال: سمِعت الحسنَ يَقُولُ: {حُوبًا كَبِيرًا}. قال: إثمًا واللهِ عظيمًا ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 856 عقب أثر (4740) معلقًا، وابن كثير في تفسيره 2/ 181.¥.