تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)}.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: له مفاتيحُ خزائنِ السماواتِ والأرضِ، وبيدِه مَغاليقُ الخيرِ والشرِّ ومفاتيحُها، فما يَفْتَحْ من رحمةٍ فلا مُمْسِكَ لها، وما يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ له من بعدِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. قال: مفاتيحُ، بالفارسيةِ ¬تفسير مجاهد ص 588.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. قال: مفاتيح السماوات والأرض. وعن الحسنِ بمثل ذلك ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 190 عن معمر به. وينظر ما تقدم ص 242.¥.
حدَّثنا محمدُ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. قال: خزائنُ السماواتِ والأرضِ ¬تقدم تخريجه ص 242.¥.
وقولُ: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}. يقولُ: يُوسِّعُ رزقَه وفضلَه على على من يشاءُ مِن خلقه، ويَبْسُطُ له، ويُكْثِرُ مالَه ويُغْنِيه، {وَيَقْدِرُ}. يقولُ: ويُقَتِّرُ على مَن يشاءُ منهم، فيُضيقُه ويُفْقِرُه، {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. يقولُ: إِن اللَّهَ تبارك وتعالى بكلِّ ما يَفْعَلُ؛ مِن توسيعه على مَن يُوَسِّعُ، وتَقْتِيرِه على مَن يُقَتِّرُ، ومَن الذي يُصْلِحُه البَسْطُ عليه في الرزق ويُفْسِدُه مِن خلقِه، والذي يُصْلِحُه التقتيرُ عليه ويُفسده، وغير ذلك من الأمورِ، ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليه موضعُ البسطِ والتقتيرِ وغيرُه مِن صلاحِ تدبيرِ خلقِه.
يقولُ تعالى ذكرُه: فإلى مَن له مقاليدُ السماواتِ والأرضِ، الذي صفتُه ما وصَفْتُ لكم في هذه الآياتِ أيُّها الناسُ فارْغَبوا، وإياه فاعْبُدوا، مُخْلِصين له الدينَ، لا الأوثانَ والآلهةَ والأصنامَ، التي لا تَمْلِكُ لكم ضرًّا ولا نفعًا.