تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القول في تأويلِ قوله تعالى: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أخْبَرْتُكم أيُّها الناسُ أنى أعْدَدْتُه للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرةِ من النعيمِ والكرامة - البُشْرَى التي يُبَشِّرُ اللهُ بها عبادَه الذين آمنوا به في الدنيا، وعمِلوا بطاعتِه فيها، {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا}. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قلْ يا محمدُ للذين يُمارُونك في الساعةِ من مُشْرِكي قومِك: لا أسْألكم أيُّها القومُ على دِعايتِكم ¬في ت 2، ت 3: "دعائكم"، وكلاهما بمعنى.¥ إلى ما أدْعُوكم إليه من الحقِّ الذي جئتُكم به، والنصيحةِ التي أنْصَحُكم - ثوابًا وجزاءً وعِوَضًا من أموالِكم تُعْطُونَنِيهِ ¬في الأصل: "تعطونيه".¥ {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولَه: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا أن تَوَدُّونى في قَرابتى منكم، وتَصِلوا رَحِمى بينى وبينَكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} قال: لم يَكُنْ بطنٌ مِن بطونِ قريشٍ إلا وبينَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وبينَهم قرابةٌ، فقال: قل: لا أسْأَلُكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّونى في القرابةِ التي بينى وبينَكم ¬أخرجه الطبراني (12569)، والحاكم 2/ 444 من طريق داود به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "قال ثنا".¥ شعبةُ، عن عبد الملك بن مَيْسَرةَ، عن طاوس في قولَه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: سُئِل عنها ابن عباسٍ، فقال ابن جبيرٍ: هم قُرْبَى آلِ محمدٍ. فقال ابن عباسٍ: عجِلْتَ ¬في الأصل: "عجل".¥، إن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكُنْ بطنٌ من بطونِ قريشٍ إلا وله فيهم قَرابةٌ. قال: فنزَلَت: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} قال: إلا القرابةَ التي بيني وبينَكم أن تَصِلوها ¬أخرجه أحمد 3/ 468 (2024)، والبخارى (4818)، والترمذى (3251)، والنسائي (11474)، وابن حبان (6262) من طريق شعبة به.¥ حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: كان لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَرابةٌ في جميعِ قريشٍ، فلما كذَّبوه وأبَوْا أن يُبايعوه، قال: "يا قومِ، إذ أبَيْتُم أن تُبايعونى فاحْفَظوا قَرابتي فيكم، لا يَكُنْ غيرُكم من العربِ أولى بحفظى
ونُصْرتى منكم" ¬أخرجه الطبراني (13026) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 6 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. يعنى: محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، قال لقريشٍ: و لا أسْأَلُكم مِن أموالِكم شيئًا، ولكن أسْأَلكم أن لا تُؤذونى؛ لقرابة ما بينى وبينَكم، فإنكم قومى وأحقُّ من أطاعنى وأجابني" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 6 إلى عبد بن حميد وابن مردويه.¥.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عكرمةَ، قال: إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان واسطًا في قريشٍ، وكان له في كلِّ بطنٍ مِن قريشٍ نسبٌ، فقال: "لا أسْأَلُكم ¬بعده في الأصل: "عليه أجرا".¥ على ما أدْعُوكم إليه إلا أن تَحفظُونى في قَرابتي، {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ¬ذكرُه البغوي في تفسيره 7/ 191، والقرطبي في تفسيره، 16/ 21، وابن كثير في تفسيره 7/ 187.¥.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - واسطَ النسبِ من قريشٍ، ليس حيٌّ من أحياءِ قريشٍ إلا وقد ولَدوه. قال: فقال اللهُ عزَّ وجل: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ [عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] ¬في الأصل: "على ما أدعوكم إليه أجرا".¥}: إلا أن تَوَدُّونى؛ لقَرابتي منكم وتَحْفَظونى ¬ذكره القرطبي في تفسيره 21/ 16، وابن كثير في تفسيره 7/ 187.¥.
حدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونُسَ، قال: ثنا عَبْرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من بنى هاشمٍ، وأمُّه مِن بني زُهْرَةَ، وأمُّ أبيه من بني مَخْزومٍ، فقال: "احْفظُوني في قَرابتي".
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَميٌّ ¬في الأصل: "جرمى". وينظر تهذيب الكمال 5/ 556.¥، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرني عُمارة، عن عكرمةَ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: تَعْرِفون قَرابتي، وتُصَدِّقُونى بما جئتُ به، وتَمْنَعونى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. وإن الله تبارك وتعالى أمَر محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن لا يَسْأَل الناسَ على هذا القرآنِ أجرًا إلا أن يَصِلوا ما بينَه وبينَهم من القَرابةِ، وكلُّ بُطُونِ قريشٍ قد ولَدَته، وبينَه وبينَهم قرابةٌ ¬ذكره الطوسى في التبيان 9/ 156 بمعناه.¥
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}: قال: أن تَتَّبِعونى، وتُصَدِّقونى، وتصلوا قَرابتي ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "رحمي".
والأثر في تفسير مجاهد ص 589 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 6 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا محمدٌ، قال: [ثنا أحمدُ، قال] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: لم يَكُنْ بطنٌ مِن بُطُونِ قريشٍ إلا الرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما فيهم ولادةٌ، فقال: قل لا أسْأَلكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّوني؛ لقَرابتي منكم ¬ذكره البغوي في تفسيره 7/ 191، والقرطبي في تفسيره 16/ 21، وابن كثير في تفسيره 7/ 187.¥.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، يعنى قريشًا. يقولُ: إنما أنا رجلٌ منكم، فأعِينونى على عدوِّى، واحْفَظوا قَرابتي، وإن الذي جئتُكم به لا أسْألُكم عليه أجرًا إلا المودةَ فى القربي، أن تَوَدُّوني لقَرابتي، وتُعينوني على عدوِّى ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 187.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: يقولُ: إلا أن تَوَدُّوني في قَرابتي ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "لقرابتي".¥، كما تَوادُّون في قَرابتِكم، وتَواصَلون بها، ليس هذا الذي جئتُ به يَقْطَعُ ذلك عنى، فلسْتُ أبْتَغِى على هذا الذي جئتُ به أجرًا آخُذُه على ذلك منكم ¬ينظر التبيان للطوسى 9/ 157¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: أخبرني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن عطاءِ بن دينارٍ في قولَه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. يقولُ: لا أسْأَلكم على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدُّونى في قَرابتى منكم، وتَمْنَعونى من الناسِ ¬في الأصل، ص، ت 1 ت 2: "بينه". والمثبت من مصدر التخريج.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنَ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: كلُّ قريشٍ قد كانت بينَهم ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 191 عن معمر به.¥ وبينَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرابةٌ، فقال: قل: لا أسْأَلكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّونى بالقرابةِ التي بينى وبينَكم ¬¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قلْ لمن اتَّبَعك من المؤمنين: لا أسْأَلكم على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدُّوا قَرابتى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبان، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بن يحيى المُزَنِيُّ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "المرى".¥، عن السديِّ، عن أبي الدَّيْلَمِ قال: لمَّا جِئ بعليٍّ بن الحسينِ رضِي اللهُ عنهما أسيرًا، فأُقيم على دَرَج دمشقَ، قام رجلٌ من أهلِ الشامِ فقال: الحمدُ للهِ الذي قتَلكم واسْتَأْصَلَكم، وقطَع قَرْنَ ¬في ص، ت 1، ت 3: "قرني" وفى م: " قربى".¥ الفتنةِ. فقال له عليُّ بنُ الحسينِ: أقرَأْتَ القرآنَ؟ قال: نعم. قال: أقرأْتَ "آلَ حم"؟ قال: قرأتُ القرآنَ ولم أقْرَأْ "آل حم؟!. قال: ما قرَأْتَ: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم ¬تقدم تخريجه في 11/ 193، 14/ 563، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 7 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ قال: قالت الأنصارُ: فعَلْنا وفعَلْنا، فكأنهم فخَروا، فقال ابن عباسٍ، أو العباسُ - شكٍّ عبدُ السلامِ -: لنا الفضلُ عليكم. فبلَغ ذلك رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأتاهم في مجالسِهم فقال: "يا معشرَ الأنصارِ، ألم تكونوا أذِلَّةٌ فأَعَزَّكم الله بي؟ "قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: "ألم تكونوا ضُلَّالًا فهداكم اللهُ بي؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: "أفلا تُجِيبُونى؟ " قالوا: ما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "ألا تقولون: ألم يُخْرِجُك قومُك فَآوَيْناك، أو لم يُكَذِّبوك فصدَّقْناك، أو لم يَخْذُلوك فنصرناك؟ ". قال: فما زال يقولُ حتى جثوا على الرُّكَب وقالوا: أموالُنا وما في أيدينا للهِ ولرسولِه. قال: فنزَلَت: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ¬أخرجه الطبراني في الأوسط (3864)، وابن أبي حاتم وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي 3/ 237 - من طريق عبد السلام به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن يَحْيَى بن كثيرٍ، عن أبي العاليةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: هي قُرْبَى رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 7/ 6 إلى سعيد بن منصور.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ ومحمدُ بنُ خلفٍ، قالا: ثنا عُبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، قال: سأَلْتُ عمرَو بنَ شعيبٍ عن قول الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: قُرْبَى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ¬ذكره البغوي في تفسيره 7/ 191، والقرطبي في تفسيره 21/ 16، وابن كثير في تفسيره 7/ 189.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسْأَلكم أيها الناسُ على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ، وتَتَقَرَّبوا بالعملِ الصالحِ والطاعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ [ومحمدٌ ابنا داودَ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "بن داود أخوه أيضا".¥ قالا: ثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا قَرَعةُ بنُ سُوَيْدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال ¬في النسخ: "قل". والمثبت من مصادر التخريج.¥: ولا أَسْأَلُكم على ما أتَيْتُكم به مِن البيناتِ والهدى أجرًا، إلا أن تَودُّدُوا ¬في الأصل: "تودوا".¥ للهِ وتَتَقَرَّبوا إليه بطاعتِه ¬أخرجه أحمد 4/ 38 (2415)، وابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 7/ 188، والطبراني (11144)، والحاكم 2/ 444،443 من طريق قزعة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 6 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ بن زاذان، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: القُرْبَى إلى اللهِ.
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: إلا التقربَ إلى اللهِ، والتودُّدَ إليه بالعملِ الصالحِ ¬ذكره الحافظ في الفتح 8/ 565 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 7 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قل: لا أَسْأَلُكم على ما جئتُكم به، وعلى هذا الكتاب أجرًا، {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}: إلا أن تَوَدَّدُوا ¬في الأصل: "تودوا".¥ إلى الله بما يُقَرِّبُكم إليه، وعملٍ بطاعتِه.
قال بشرٌ: قال يزيدُ: وحدثنيه يونُسُ، عن الحسن.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. [قال: قال الحسنُ: قل لا أسْأَلكم عليه أجرً] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ فيما يُقَرِّبُكم إليه ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 191 عن معمر به.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تَصِلوا قرابتكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا [ابن بشارٍ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "بشر". وينظر تهذيب الكمال 18/ 367.¥، قال ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عبدِ اللهِ بن القاسمِ في قولِه: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. قال: أُمِرتَ أن تصلَ قرابتَك.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، وأشبهُها بظاهر التنزيلِ قولُ مَن قال: معناه: قل لا أسْأَلكم عليه أجرًا يا معشرَ قريشٍ، إلا أن تودُّوني في قَرابتي منكم، وتَصِلوا الرحمَ التي بيني وبينَكم.
وإنما قلتُ: هذا القولُ ¬في ص، ص، م: "التأويل".¥ أولى بتأويلِ هذه الآيةِ؛ لدخولِ "في" في قولِه: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تَودُّوا قَرابتي. [أو على ما قاله من قال: إلا أن تَودَّدُوا وتَقرّبوا إلى اللهِ] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "أو تقربوا إلى الله".¥. لم يَكُنْ لدخولِ "في" في الكلامِ في هذا الموضعِ وجهٌ معروفٌ، ولَكان التنزيلُ: "إلا مودة القربَى". إن عُنِى به الأمرُ بمودةِ قَرابةِ رسولَ اللهِ، أو: "إلا المودة بالقربى"، أو: "و ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "ذا".¥ القربَي". إن عُنى به التودُّدُ بالتقرُّبِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 2: "والتقرُّب".¥ [إلى اللهِ جلَّ وعزَّ بصالحِ الأعمالِ، أو عُنى به: إلا التودُّد والتقرُّبِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
وفي دخولِ (في) في الكلامِ أوضحَ الدليلِ على أن معناه: إلا مودَّتي في قَرابتي منكم. وأن الألفَ واللامَ في {الْمَوَدَّةَ} أُدْخِلَتَا بدلًا من الإضافةِ، كما قيل: {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41]. {إِلَّا}: إلَّا في هذا الموضع واستثناءٌ منقطعٌ. ومعنى الكلامِ: قل لا أسْأَلُكم عليه أجرًا، لكني أَسْأَلُكم المودةَ في القربى. فالمودةُ منصوبةٌ على المعنى الذي ذكَرْتُ. وقد كان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: هي منصوبةٌ بمضمرٍ من الفعلِ، بمعنى: إلا أن أَذْكُرَ مودةً قَرابتِي.
وقولُه: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا}. يقولُ جلَّ وعزَّ: ومَن يعملْ حسنةً - وذلك أن يَعمَلَ عملا يُطِيعُ الله فيه - من المؤمنين {نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا}. يقولُ جلَّ وعزَّ: نُضاعِفْ عمله ذلك الحسنَ، فَنَجْعَلْ له مكان الواحد عشرًا إلى ما شئْنا من الجزاءِ والثوابِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، في قولِ اللهِ: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً}. قال: يَعْمَلْ حَسَنةً.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا}. قال: مَن يَعْمَلْ خيرًا نَزِدْ له. الاقترافُ العملُ.
وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}. يقولُ: إن الله غفورٌ لذنوبِ عبادِه، شكورٌ لحسناتِهم وطاعتهم إياه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}: للذنوبِ، {شَكُورٌ}: للحسناتِ يُضاعِفُها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 7 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}. قال: غفر لهم الذنوبَ، وشكر لهم نعمًا هو أعْطاهم إياها وجَعَلها فيهم.