تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ}. اليهودَ الذين كانوا بين ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ نزَلت هذه الآيةُ، وذلك أنهم أو بعضَهم، فيما ذُكِر، لما ¬في ت 1، س: "لنا".¥ دعاهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى الإيمانِ به، وبما جاءهم به من عندِ اللهِ، قالوا: ما بَعث اللهُ من نبيٍّ بعدَ موسى، ولا أَنْزَل بعدَ التوراةِ كتابًا.
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بن جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: قال معاذُ بنُ جبلٍ وسعدُ بنُ عُبادةَ وعقبةُ بنُ وهبٍ لليهودِ: يا معشرَ اليهودِ، اتقوا الله، فواللهِ إنكم لتعلَمون أنه رسولُ اللهِ، لقد كنتم تذكُرونه لنا قبلَ مبعَثِه، وتصِفونه لنا بصفتِه. فقال رافعُ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "نافع".¥ بن حُريملةَ ¬في النسخ: "حرملة". وتقدم على الصواب في 2/ 409.¥ ووهبُ بنُ يَهودًا: ما ¬في م: "أما".¥ قلنا هذا لكم، وما أَنْزَل اللهُ من كتابٍ بعدَ موسى، ولا أَرْسَل بشيرًا ولا ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ نذيرًا بعدَه.
فأَنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ في قولِهما: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ¬هذا الأثر طرف من الأثر المتقدم في ص 269.¥.
ويعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا}: قد جاءكم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - رسولُنا، {يُبَيِّنُ لَكُمْ}. يقولُ: يعرِّفُكم الحقَّ، ويوضِّحُ لكم أعلامَ الهدى، ويُرْشِدُكم إلى دينِ اللهِ الْمُرْتَضَى.
كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ}: وهو محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، جاء بالفرقانِ الذي فرَّق اللهُ به بينَ الحقِّ والباطلِ، فيه بيانُ اللهِ ونورُه وهُدَاه، وعصمةٌ لمن أخَذ به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 269 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
{عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ}. يقولُ: على انقطاعٍ من الرسلِ، والفَتْرةُ في هذا الموضعِ الانقطاعُ. يقولُ: قد جاءكم رسولُنا يبيِّنُ لكم الحقَّ والهُدَى على انقطاعٍ من الرسلِ.
والفَتْرةُ الفَعْلةُ، من قولِ القائلِ: فتَر هذا الأمرُ يَفْتُرُ فُتورًا. وذلك إذا هدَأ وسكَن، وكذلك الفَتْرةُ في هذا الموضعِ معناها السكونُ، يرادُ به سكونُ مجئِ الرسلِ، وذلك انقطاعُها.
ثم اختلف أهلُ التأويلِ في قَدْرِ مدةِ تلك الفترةِ، فاخْتُلِف في الروايةِ في ذلك عن قتادةَ؛ فروَى معمرٌ عنه ما حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ}. قال: كان بينَ عيسى ومحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - خمسُمائةٍ وستون سنةً ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 186، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 269 إلى عبد بن حميد.¥.
وروَى سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ عنه ما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الفترةُ بينَ عيسى ومحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ذُكِر لنا أنها كانت ستَّمائةِ سنةٍ، أو ما شاء اللهُ من ذلك، اللهُ أعلمُ ¬طرف من الأثر المتقدم في ص 274.¥.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن أصحابِه قولَه: {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ}. قال: كان بينَ عيسى ومحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - خمسُمائةِ سنةٍ وأربعون سنةً. قال معمرٌ: قال قتادةُ: خمسُمائةِ سنةٍ وستون سنةً ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 65.¥.
وقال آخرون بما حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخبرنا عُبيد بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ}. قال: كانت الفترةُ بينَ عيسى و ¬بعده في ت 1، ت 2، ت 3، س: "بين".¥ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أربعَمائةِ سنةٍ وبضعًا وثلاثين سنةً ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 65، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 269 إلى المصنف.¥.
ويعنى بقولِه: {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ}: ألّا تقولوا، وكى لا تقولوا. كما قال جلَّ ثناؤُه: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176]. بمعنى: ألَّا تضِلُّوا، وكى لا تضِلُّوا.
فمعنى الكلامِ: قد جاءكم رسولُنا يبيِّنُ لكم على فترةٍ من الرسلِ، كي لا تقولوا: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ. يُعْلِمُهم عزَّ ذكرُه أنه قد قطَع عُذْرَهم برسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وأبْلَغ إليهم في الحجةِ. ويعنى بالبشيرِ المبشِّرَ من أطاع الله، وآمن به وبرسولِه، وعمل بما أتاه من عندِ اللهِ، بعظيمِ ثوابِه في آخرتِه. وبالنذيرِ المُنذِرَ مَن عصاه، وكذَّب رسولَه - صلى الله عليه وسلم -، وعمِل بغيرِ ما أتاه من عندِ اللهِ من أمرِه ونهيِه، بما لا قِبَلَ له به من أليمِ عقابِه في مَعادِه، وشديدِ عذابِه في قيامتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفنا صفتهم: قد أَعْذَرنا إليكم، واحتجَجنا عليكم برسولِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، إليكم، وأَرْسَلناه إليكم ليبين لكم ما أَشْكَل عليكم من أمرِ دينِكم، كي لا تقولوا: لم يأتِنا من عندِك رسولٌ يبين لنا ما نحن عليه من الضلالِة. فقد جاءكم من عندى رسولٌ يبشِّرُ من آمن بي وعمِل بما أمرتُه وانتهَى عما نهَيته عنه، وينذِرُ من عصاني وخالَف أمرى، وأنا القادرُ على كلِّ شيءٍ، أقدِرُ على عقابِ من عصاني، وثوابِ من أطاعنى، فاتَّقوا عقابي على معصيتِكم إِيَّايَ، وتكذيبِكم رسولى، واطْلُبوا ثوابى على طاعتكم إيَّايَ، وتصديقِكم بشيرى ونذيرى، فإنى أنا الذي لا يُعْجِزُه شيءٌ أراده، ولا يفوتُه شيءٌ طلبه.