تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الناصبِ لـ "الأربعين"؛ فقال بعضُهم: الناصبُ لها قولُه: {مُحَرَّمَةٌ}. وإنما حرَّم اللهُ جلَّ وعزَّ على ¬سقط من النسخ، ولا بد منها لاستقامة الكلام.¥ القوم الذين عصَوه وخالفوا أمرَه من قومِ موسى، وأبَوا حربَ الجبَّارين - دخولَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ودخول".¥ مدينتِهم أربعين سنةً، ثم فتَحها عليهم وأسكَنَهموها ¬في م: "أُسكِنوها".¥، وأَهْلَك الجبَّارين بعدَ حربٍ منهم لهم، بعد أن انقَضَتِ ¬في م: "قضيت".¥ الأربعون سنةً، وخرَجوا من التِّيهِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: لما قال لهم القومُ ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى اللهُ إلى موسى: إنَّها محرَّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرضِ، فلا تأسَ على القومِ الفاسقين. وهم يومَئذٍ فيما ذُكر ستُّمِائةِ ألفِ مقاتلٍ، فجعَلهم فاسقين بما عصَوا، فلبِثوا أربعين سنةً في فراسخَ ستةٍ، أو دونَ ذلك، يَسِيرون كلَّ يومٍ جادِّين لكي يَخْرُجوا منها، حتى [سئِموا ونزَلُوا] ¬في م: "يسموا وينزلوا".¥، فإذا هم في الدارِ التي منها ارْتَحلوا، وإنهم اشتكُوْا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، وأُعْطوا من الكِسْوةِ ما هي قائمةٌ لهم، ينشأُ الناشئُ فتكونُ معه على هيئتِه، وسأل موسى ربَّه أن يَسْقِيَهم، فأُتِيَ بحجرِ الطُّورِ، وهو حجرٌ أبيضُ، إذا ما نزَل القومُ ضرَبه بعصاه، فيخرُجُ منه اثنتا عشرَةَ عينًا، لكل سِبطٍ منهم عينٌ، قد علِم كلُّ أناسٍ مَشْرَبَهم، حتى إذا خلَت أربعون سنةً، وكانت عذابًا بما اعتدَوا وعصَوا، وأنه أوْحَى إلى موسى أن يَأْمُرَهم ¬في م: "مرهم".¥ أن يسيروا إلى الأرضِ المقدسةِ، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقلْ لهم إذا أَتَوا
المسجدَ أن يأتوا البابَ ويسجُدوا إذا دخَلوا، ويقولوا: حِطَّةٌ - وإنما قولُهم: حِطَّةٌ. أن يَحُطَّ عنهم خطاياهم - فأبى عامَّةُ القومِ وعصوا، وسجَدوا على خدِّهم، وقالوا: حِنْطَةٌ. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} إلى: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59].
وقال آخرون: بل الناصبُ لـ "الأربعين"، {يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}. قالوا: ومعنى الكلامِ: قال: فإنها محرَّمةٌ عليهم أبدًا يتيهون في الأرضِ أربعين سنةً. قالوا: ولم يدخُلْ مدينةَ الجبَّارين أحدٌ ممن قال: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}. وذلك أن الله عزّ ذكرُه حرَّمها عليهم. قالوا: وإنما دخَلها من أولئك القومِ يوشعُ، وكلابُ اللذان قالا لهم: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}. وأولادُ الذين حرَّم اللهُ عليهم دخولَها، فتيَّهَهم اللهُ فلم يدخُلْها منهم أحدٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ}. قال: أبدًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 436.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: {يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}. قال: أربعين سنةً.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هارونُ النحْويُّ، قال: ثنى الزبيرُ بنُ الخِرِّيتِ، عن عكرمةَ في قولِه: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}. قال: التحريمُ التِّيهُ ¬في ص: "المنتهى"، وفى م: "لا منتهى له"، وفى ت 1، ت 2، ت 3: "انتهى".
والأثر أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 436، وأثبتنا هذه الكلمة منه.¥.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: غضِب موسى على قومِه فدعا عليهم، فقال: {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} الآية. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}. فلما ضرَب عليهم التيةَ، ندِم موسى، وأتاه قومُه الذين كانوا يُطِيعونه، فقالوا له: ما صنَعتَ بنا يا موسى؟ فمكَثوا في التيهِ، فلما خرَجوا من التيهِ، رُفِع المنُّ والسَّلْوَى، وأكَلوا من البقولِ، والتقى موسى وعاجٌ ¬في م: "عوج".¥، فنزَا ¬في م: "فوثب"¥ موسى في السماءِ عشَرةَ أذرعٍ، وكانت عصاه عشَرَةَ أذرعٍ، وكان طولُه عشَرةَ أذرعٍ، فأصاب كعبَ عاجٍ (2) فقتَله، ولم يبقَ أحدٌ ¬سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.¥ ممن أبَى أن يدخُلَ قريةَ الجبَّارين مع موسى إلا مات ولم يشهَدِ الفتحَ، ثم إن الله لما انقضت الأربعون سنةً، بعَث يوشعَ بنَ النونِ نبيًّا، فَأَخْبَرهم أنه نبيٌّ، وأن الله قد أمَره أن يقاتلَ الجبَّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزَم الجبَّارين، واقْتَحموا عليهم يَقْتُلونهم ¬في م: "يقاتلونهم".¥، فكانت العِصابةُ من بني إسرائيلَ يَجْتَم
ِعون على عنقِ الرجلِ يضرِبونها لا يقطَعونها ¬تقدم تخريجه في ص 237.¥.
حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال أبو سعدٍ ¬في م: "سعيد".¥، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال اللهُ جل وعزّ، لما دَعا موسى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}. قال: فدخَلوا التيهَ، فكلُّ من دخَل التيهَ ممن جاوز ¬في ص، ت 1: "جاز".¥ العشرين سنةً مات في التيهِ. قال: فمات موسى في التيهِ، ومات هارونُ قبلَه. قال: فلبِثوا في تيهِهم أربعين سنةً، فناهَض يوشعُ بمن بقِى معه مدينةَ الجبَّارين، فافْتَتح يوشعُ المدينةَ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 435، وأخرجه ابن أبي حاتم - كما في تفسير ابن كثير 3/ 74 - من طريق سفيان به مطولا.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً}: حُرِّمت عليهم القُرَى ¬سقط من النسخ، وأثبتناه من تاريخ المصنف.¥، وكانوا لا يهبِطون قريةً، ولا يقدِرون على ذلك، إنما يتَّبعون الأطواءَ ¬الأطواء جمع طَوِىً: وهى البئر المطوية - أي المبنية أو المعرشة - بالحجارة. اللسان، الوسيط (ط و ى).¥ أربعين سنةً. وذُكِر لنا أن موسى - صلى الله عليه وسلم - مات في الأربعين سنةً، وأنه لم يدخُلْ بيتَ المقدسِ منهم إلا أبناؤُهم والرجلان اللذان قالا ما قالا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 436 دون قوله: إنما يتبعون الأطواء. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 271 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأولِ، قال: لما فعَلت بنو إسرائيلَ ما فعَلت، من معصيتِهم نبيَّهم، وهمِّهم بكالبَ ويوشعَ، إذ أمَراهم بدخولِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أمرهم".¥ مدينةِ الجبَّارين، وقالا لهم ما قالا، ظهَرت عظمةُ اللهِ بالغمامِ على [بابِ قُبّةِ الزُّمَرِ] ¬في ص غير منقوطة، وفى م: "نار فيه الرمز". وفى ت 1، ت 2، ت 3: "نار فيه الزمر"، ومثله في ص، ولكن غير منقوطة، وفى عرائس المجالس ص 215: "باب قبة موسى". وفي نهاية الأرب 13/ 264: "قبة الزمان". وقد ورد في سفر العدد ذكر باب خيمة الاجتماع، كما في الأصحاح 6/ 11، 12، 10/ 3، 16/ 18، 19، 18/ 4، والقبة هي الخيمة، والزمر: جمع زمرة، وهي الجماعة. ويقابل هذه الرواية ما في سفر العدد الأصحاح 14/ 11: ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل.¥ على كلِّ بني إسرائيل، فقال جلَّ ثناؤُه لموسى: إلى متى يعصينى هذا الشعبُ؟ وإلى متى لا يصدِّقون بالآياتِ كلِّها التي وضَعتُ بينَهم، أضرِبُهم بالموتِ فأُهْلِكُهم، وأجعَلُ لك شعبًا أشدَّ وأكثرَ منهم. فقال موسى للهِ: يسمَعُ أهلُ المِصْرِ الذين أَخْرَجت هذا الشعبَ بقوتِك م
ن بينِهم، ويقولُ ساكنُ ¬في م: "ساكنوا".¥ هذه البلادِ الذين قد سمِعوا أنك أنت اللهُ في هذا الشعبِ، فلو أنك قتَلت هذا الشعبَ كلَّهم كرجلٍ واحدٍ، لقالت الأممُ الذين سمِعوا باسمِك: إنما قتَل هذا الشعبَ من أجل ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "الذين".¥ لا يستطيعُ أن يُدْخِلَهم الأرضَ التي خلَق لهم، فقتَلهم في البرِّيَّةِ، ولكن لِتَرْتَفِعْ أياديك، ويَعْظُم جزاؤُك يا ربِّ، كما كنت تكلَّمتَ وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرُك، كثيرةٌ نعمُك، وأنت تغفِرُ الذنوبَ فلا تُوبِقُ، وإنك تحفَظُ ذنبَ ¬سقط من النسخ، والكلام لا يستقيم بدونها، والمثبت مستفاد مما في سفر العدد الأصحاح 14/ 18.¥ الآباءِ على الأبناءِ وأبناءِ الأبناءِ إلى ثلاثةِ أَحْقابٍ ¬في م: "أجيال"، والأحقاب جمع حُقُب، وهو الدهر. وقيل: ثمانون سنة. وقيل: سنة أو السنون. ينظر تاج العروس (ح ق ب).¥ وأربعةٍ، فاغفِرْ أَيْ رَبِّ آثامَ هذا الشعبِ، بكثرةِ نعمِك، وكما غفَرت لهم منذ أَخرْجَتُهم من أرضِ مصرَ إلى الآنَ. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لموسى - صلى الله عليه وسلم -: قد غفَرتُ لهم بكلمتِك، ولكن حَيٌّ ¬في ص، ت 1: "حتى"، وفى م: "قد أنى لى"، وفى ت 2، ت 3: "حيى" والمثبت من سفر العدد الأص
حاح 14/ 22.¥ أنا - وقد ملأتِ الأرضَ مَحمَدَتى كلَّها - لا ¬في النسخ: "ألا". والمثبت مستفاد مما في كتاب القوم.¥ يَرى القومُ الذين قد رأَوا محمدتى وآياتي التي فعَلت في أرضِ مصرَ وفى القِفارِ، [وابتلونى] ¬في م: "سألونى".¥ عشْر مراتٍ ولم يُطِيعونى، لا يَرَوْن الأرضَ التي حلَفْتُ لآبائِهم، ولا يراها من أَغْضَبني، فأما عبدى كالبُ الذي كان روحُه معى، واتَّبع هواىَ، فإنى مُدْخِلُه الأرضَ التي دخَلها، ويراها خَلَفُه.
وكان العماليقُ والكنعانيون جلوسًا في الجبالِ، ثم غدَوا فارتحلوا إلى القِفارِ في طريق [بحرِ سُوفٍ] ¬في النسخ: "يحرسون". والمثبت من سفر العدد الأصحاح 14/ 25.
وبحر سوف هو ما يطلق عليه البحر الأحمر الآن.¥، وكلَّم اللهُ عزَّ وجلَّ موسى وهارونَ، وقال لهما: إلى متى توسوسُ على هذه الجماعةُ جماعةُ السوءِ، قد سمِعتُ وسوسةَ بني إسرائيلَ. وقال: لأفعَلَنَّ بكم كما قلت لكم، ولَتُلْقَيَنَّ جِيَفُكم في هذه القفارِ كحسابِكم ¬في م: "حسابكم".¥ من بنى عشرين سنةً فما فوقَ ذلك، من أجلِ أنكم وسوستم عليَّ، فلا تدخُلوا الأرضَ التي [رفَعتُ يدى] ¬في النسخ: "دفعت". والمثبت من سفر العدد الأصحاح 14/ 30.¥ إليها، ولا ينزلُ فيها أحدٌ منكم غيرُ كالبَ بن يوفنا، ويوشعَ بن نونٍ، وتكونُ أثقالُكم كما كنتم الغنيمةَ، وأما بنوكم اليومَ الذين لم يعلَموا ما بينَ الخيرِ والشرِّ، فإنهم يدخُلون الأرضَ، وإنى بهم عارفٌ، لهم الأرضُ التي أَرُدُّ ¬في م: "أردت".¥ لهم، وتسقُطُ جيفُكم في هذه القفارِ، وتَتيهون في هذه القفارِ على حسابِ الأيامِ التي حسَسْتم ¬في م: "جسستم"¥ الأرضَ أربعين يومًا، مكانَ كلِّ يومٍ سنةً، وتُقْتَلون بخطاياكم أربعين سنةً، وتعلَمون أنكم وسوستم [قُدّامى، إِنِّي] ¬في م: "قد أني لي".¥ أنا اللهُ فاعلٌ بهذه الجماعةِ، جماعةِ بني إسرائيلَ الذين وُعِدوا قُدَّامي ¬سقط من: م.¥، بأن يَتِيهوا في القفارِ، ف
يها يموتون.
فأما الرهطُ الذين كان موسى بعَثهم لِيَتَحَسَّسوا ¬في م، ت 1، ت 2: "يتجسسون".¥ الأرضَ، ثم حرَّشوا الجماعة، فأَفْشَوا فيهم خبرَ الشرِّ، فماتوا كلُّهم بغتةً، وعاش يوشعُ وكالبُ بنُ يوفنا من الرهطِ الذين انطلقوا يتحسَّسون الأرضَ.
فلما قال موسى عليه السلامُ هذا الكلامَ كلَّه لبنى إسرائيلَ، حزِن الشعبُ حزنًا شديدًا، وغدَوْا [فارتقَوا إلى] ¬في م: "فارتفعوا على".¥ رأسِ الجبلِ، وقالوا: نَرْتَقِى الأرضَ التي قال جلَّ ثناؤُه؛ من أجلِ أنّا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لِمَ تَعْتَدون في كلامِ اللهِ؟ من أجلِ ذلك لا يصلُحُ لكم عملٌ، ولا تصعَدوا من أجلِ أن الله ليس معكم، فالآنَ تنكِسرون من قُدَّامِ أعدائِكم، من أجلِ العمالقةِ والكنعانيين أمامَكم، فلا تقعوا في الحربِ من أجلِ أنكم انقلبتم على اللهِ، فلم يكنِ اللهُ معكم. فأخَذوا يَرْقُون في الجبلِ، ولم يبرَحِ التابوتُ الذي فيه مواثيقُ اللهِ جلَّ ذكرُه وموسى من المحِلَّةِ - يعنى من الخيمة ¬في النسخ: "الحكمة". والمثبت مستفاد من سفر العدد الأصحاح 2/ 17، وفيه أن خيمة الاجتماع هي محلة اللاويين.¥ - حتى هبَط العماليقُ والكنعانيون في ذلك الحائطِ، فحرَقوهم وطرَدوهم وقتَلوهم. فتيَّههم اللهُ عزَّ ذكرُه في التيهِ أربعين سنةً بالمعصيةِ، حتى هلَك من كان اسْتَوْجب المعصيةَ من اللهِ في ذلك. قال: فلما شبَّ النواشئُ من ذراريِّهم، وهلَك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنةً التي تُيِّهوا فيها، سار بهم موسى، ومعه يوشعُ بنُ نونٍ وك
البُ بنُ يوفنا - وكان فيما يزعُمون على مريمَ ابنةِ عِمْرانَ أختِ موسى وهارونَ، وكان لهما صهرًا - قدَّم يوشعَ بنَ نونٍ إلى أريحا في بني إسرائيلَ، فدخَلها بهم، وقتَل بها الجبابرةَ الذين كانوا فيها ثم دخَلها موسى ببنى إسرائيلَ، فأقام فيها ما شاء اللهُ أن يُقِيمَ، ثم قبَضه اللهُ إليه لا يعلَمُ بقبرِه أحدٌ من الخلائقِ ¬ينظر عرائس المجالس ص 215، ونهاية الأرب 3/ 264، 265، وكتاب القوم، سفر العدد الأصحاح 14 ص 235، 236. وقوله: فلما شب النواشئ. أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 437،439.¥.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ من قال: إن "الأربعين" منصوبةٌ بـ"التحريم"، وإن قولَه: {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً}. معنيٌّ به جميعُ قومِ موسى، لا بعضٌ دونَ بعضٍ منهم؛ لأن الله عزَّ ذكرُه عمَّ بذلك القومَ، ولم يَخصُصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، وقد وفَّى الله جل ثناؤه بما وعَدهم به من العقوبةِ، فتيَّههم أربعين سنةً، وحرَّم على جميعِهم - في الأربعين سنةً التي مكَثوا فيها تائهين - دخولَ الأرضِ المقدَّسةِ، فلم يدخُلْها منهم أحدٌ؛ لا صغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا صالحٌ ولا طالحٌ، حتى انقضت السِّنون التي حرَّم اللهُ عزَّ وجلَّ عليهم فيها دخولَها، ثم أذِن لمن بقى منهم وذراريِّهم بدخولِها مع نبيِّ اللهِ موسى والرجلين اللذين أَنْعَمَ اللهُ عليهما، وافتتح قريةَ الجبَّارين إن شاء اللهُ نبيُّ الله موسى - صلى الله عليه وسلم - وعلى مقدِّمَتِه يوشعُ، وذلك لإجماعِ أهلِ العلم بأخبارِ الأولين، أنّ عوجَ بنَ عناقَ قتَله موسى - صلى الله عليه وسلم -، فلو كان قتلُه إيَّاه قبلَ مصيرِه في التيهِ، وهو من أعظمِ الجبارين خَلْقًا لم تكنْ بنو إسرائيلَ تجزَعُ من الجبارين الجزعَ الذي ظهَر منها، ولكن ذلك كان إن شاء اللهُ بعدَ فناءِ
الأمةِ التي جزَعت، وعصَت ربَّها، وأَبَت الدخولَ على الجبَّارين مدينتَهم.
وبعدُ، فإن أهلَ العلمِ بأخبارِ الأولين مجمعون أن بلعمَ بنَ باعورَ ¬في م: "باعوراء".¥ كان ممن أعان الجبَّارين بالدعاءِ على موسى، ومحالٌ أن يكونَ ذلك كان وقومُ موسى ممتنِعون من حربِهم وجهادِهم؛ لأن المعونةَ إنما يَحتاجُ إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالبَ فلا وجهَ للحاجةِ إليها.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ، قال: كان سريرُ ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "ابن".¥ عُوجٍ ثمانِمِائةِ ذراعٍ، وكان طولُ موسى عشَرةَ أذرعٍ، وعصاه عشرةَ أذرعٍ، ووثَب في السماءِ عشَرةَ أذرعٍ، فضرَب عوجًا فأصاب كعبَه، فسقَط ميِّتًا، فكان جسرًا للناسِ يمرُّون عليه ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 431.¥.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت عصا موسى عشَرة أذرعٍ، ووثبتُه عشَرةَ أذرعٍ، وطولُه عشَرةَ أذرعٍ، فوثَب فأصاب كعبَ عوجٍ فقتَله، فكان جسرًا لأهلِ النيلِ سنةً ¬في ص، ت 2، ت 3، س: "يمسون"، وفى ت 1: "يمشون".¥.
ومعنى قولِه: {يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}: يَحارون فيها ويَضِلُّون. ومن ذلك قيل للرجلِ الضالِّ عن سبيلِ الحقِّ: تائهٌ. وكان تيهُهم ذلك أنهم كانوا يُصْبِحون أربعين سنةً كلَّ يومٍ جادّين في قَدْرِ ستةِ فراسخَ للخروجِ منه، فيُمْسون ¬بعده في ص: "كذا". والأثر تقدم في ص 307، 308.¥ في الموضعِ الذي ابتدءوا السيرَ منه.
حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 272 إلى المصنف.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: تاهت بنو إسرائيلَ أربعين سنةً، يُصْبحون حيث أَمْسَوا، ويُمْسون حيث أَصْبَحوا في تِيهِهم ¬¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {فَلَا تَأْسَ}: فلا تحزَنْ. يقالُ منه: أَسِيَ فلانٌ على كذا يَأْسَى أَسًى، وقد أَسِيتُ من كذا، أي: حزِنتُ. ومنه قولُ امرئِ القيسِ ¬ديوانه ص 9.¥:
وقوفًا بها صَحْبى عليَّ مَطِيَّهُمْ ¬المَطِيَّة: البعير يمتطي ظهره، وجمعه المطايا، يقع على الذكر والأنثى. اللسان (م ط ى).¥ ... يقولون لا تَهْلِكُ أَسًى وتَجَمَّلِ
يعني: لا تَهْلِكُ حزنًا.
وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذُكر من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: {فَلَا تَأْسَ} يقولُ: فلا تحزَنْ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 272 إلى المصنف وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}. قال: لما ضُرِب عليهم التيهُ، ندِم موسى - صلى الله عليه وسلم -، فلما ندِم أَوْحَى اللهُ إليه: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}: لا تحزنْ على القومِ الذين سمَّيتُهم فاسقين [فلم يَحْزَنْ] ¬سقط من: م، وفى ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "فلا تحزن". والمثبت مما تقدم في 1/ 707، وينظر تخريجه هناك، وفي ص 237.¥.