تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 31

السورة 5 : الآية 31

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)}.
قال أبو جعفرٍ: وهذا أيضًا أحدُ الأدلةِ على أن القولَ في أمر ابْنَىْ آدمَ بخلافِ ما رواه عمرٌو، عن الحسنِ؛ لأن الرجلَين اللذين وصَف اللَّهُ صِفَتَهما في هذه الآيةِ لو كانا من بنى إسرائيلَ، لم يَجْهَل القاتلُ دَفْنَ أخيه، ومواراةَ سوأةِ أخيه، ولكنهما كانا مِن ولدِ آدمَ لصُلْبِه، ولم يكنْ القاتلُ منهما أخاه علِم سُنَّةَ اللهِ في عادةِ ¬في س: "إعادة".¥ الموتى، ولم يَدْرِ ما يَصْنَعُ بأخيه المقتولِ، فذُكِر أنه كان يَحْمِلُه على عاتقِه حينًا حتى أَراحَتْ ¬أراحت: أنتنت. تاج العروس (روح).¥ جِيفتُه، فأحبَّ اللَّهُ تعريفَه السنةَ في موتى خَلْقِه، فقَيَّضَ له الغُرَابَين اللذَيْن وصَف صفتَهما في كتابه.
ذكرُ الأخبار عن أهلِ التأويلِ بالذي كان مِن فِعْلِ القاتل مِن ابْنَىْ آدمَ بأخيه المقتولِ بعد قتلِه إياه
حدَّثنا سفيانُ بن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي رَوْقٍ الهَمْدانيُّ، عن أبيه، عن
الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: مكَث يَحْمِلُ أخاه في جرابٍ على رقبتِه سَنَةً، حتى بعَث اللهُ جلَّ وعزَّ الغُرابين، فرآهما يَبْحثان، فقال: أَعَجَزْتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغرابِ؟ فدفَن أخاه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 84 عن الضحاك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 276 إلى المصنف وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 84 عن الضحاك به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ}: بعَث اللهُ جلَّ وعزَّ غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميِّتٍ، فجعَل الغرابُ الحيُّ يُوارى سَوْأَةَ الغرابِ الميِّتِ، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} الآية.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: لمَّا مات الغلامُ ترَكه بالعراءِ، ولا يعلَمُ كيف يَدْفِنُ، فبعَث اللهُ غرابين أخوين فاقْتَتَلا، فقتَل أحدُهما صاحبَه، فحفر له، ثم حثا عليه، فلما رآه قال: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي}. فهو قولُ اللَّهِ: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} ¬هو تمام الأثر المتقدم في ص 337.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَبْحَثُ} قال: بعَث الله غرابًا حتى حفَر لآخرَ إلى جنبِه ميِّتٍ، وابنُ آدمَ القاتلُ ينظُرُ إليه، ثم بحَث عليه حتى غيَّبه ¬تقدم تخريجه في ص 319.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ}: حتى حفَر الآخرَ ميِّتٍ إلى جَنْبِه، فغَيَّبه وابنُ آدمَ القاتلُ ينظُرُ إليه حيثُ يبحَثُ عليه، حتى غيَّبه، فقال: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} الآية.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ}. قال: بعث اللهُ غرابًا إلى غرابٍ فاقْتَتَلا، فقَتل أحدُهما صاحبَه، فجعَل يَحْثِى عليه الترابَ، فقال: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.
حدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ}. قال: جاء غرابٌ إلى غرابٍ ميِّتٍ، فبَحَث ¬في م، ت 1، ت 2، س: "فحثى"، وفى ت 1: "فيحث".¥ عليه مِن الترابِ حتى واراه، فقال الذي قتَل أخاه: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} الآية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 276 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال: لما قتَله ندِم، فضَمَّه إليه حتى أَرْوَح ¬أَرْوَح: أنْتَنَ. تاج العروس (ر و ح).¥، وعَكَفَتْ عليه الطيرُ والسباعُ تنتظرُ متى يَرْمِي به فتَأْكُلُه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 84 عن عطية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 276 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ} أنه بعثَه اللهُ عزَّ ذكرُه يَبْحَثُ في الأرضِ. ذُكِر لنا أنهما غُرابان اقْتَتَلا، فقتل أحدُهما صاحبَه، وذلك [بعَيْنَي ابن آدمَ] ¬في م، ت 2، ت 3: "يعني ابن آدم ينظر"، وفى ت 1: "يعني ابن آدم".¥، وجعَل الحَيُّ يَحْثِى على الميِّتِ الترابَ، فعندَ ذلك قال ما قال: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} الآية إلى قولِه: {مِنَ النَّادِمِينَ}.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: أما قولُه: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا}. قال: قتَل غرابٌ غرابًا، فجعَل يَحْثو عليه، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه حين رآه: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} ¬تقدم تخريجه في ص 323.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ}. قال: وارَى الغرابُ الغرابَ. قال: كان يَحْمِلُه على عاتِقِه مائةَ سنةٍ، لا يَدْرِى ما يَصْنَعُ به، يَحْمِلُه ويَضَعُه إلى الأرضِ حتى رأى الغرابَ يَدْفِنُ الغرابَ، فقال: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 84 عن ليث به، وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٍ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ}. قال: بعَث اللهُ غرابًا، فجعَل يَبْحَثُ على غرابٍ ميِّتٍ الترابَ. قال: فقال عندَ ذلك: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}.
حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ}: بعَث اللهُ غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميِّتٍ، فجعل الغرابُ الحيُّ يُوارى سَوْأَةَ الغرابِ الميِّتِ، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} الآية.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ فيما يذكُرُ عن بعضِ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأولِ قال: لمَّا قتَله سُقِط في يديه، ولم يدرِ كيف يُواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعُمون - أَوَّلَ قَتيلٍ مِن بنى آدمَ وأَوَّلَ ميِّتٍ؛ [{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ ¬سقطت من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف.¥ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} الآية ¬في تاريخ المصنف: "إلى قوله: {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} ".¥. قال ¬سقط من: النسخ. والمثبت مِن تاريخ المصنف.¥: ويَزْعُمُ أَهلُ التوراة أن قابيلَ حينَ قتَل أخاه هابيلَ قال له جلَّ ثناؤُه: يا قابيلُ، أين أخوك هابيلُ؟ قال: ما أدرى، ما كنتُ عليه رقيبًا. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ له: إن صوتَ دمِ أخيك لَيُناديني ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "لينادي".¥ مِن الأرضِ، الآنَ أنت ملعونٌ مِن الأرضِ التي فَتَحَتْ فاها فتلقَّتْ ¬في م: "فبلعت".¥ فبَلَعَتْ دَمَ أخيك مِن يدِك، فإذا أنتَ عَمِلت في الأرضِ، فإنها لا تَعُودُ تُعْطيك حَرْث
َها حتى تكونَ فزِعًا تائهًا في الأرضِ. قال قابيلُ: عَظُمَتْ خَطِيئَتى مِنْ ¬في م، ت 2، ت 3، س: "عن".¥ أن تغفِرَها، قد أَخْرَجْتَنى اليومَ عن وجهِ الأرضِ، وأَتَوَارَى مِن قُدَّامِك، وأكونُ فرعًا تائهًا في الأرضِ، وكلُّ مَنْ لَقِيَني قتَلني. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ: ليس ذلك كذلك. ولا يكونُ كلُّ [مَنْ قَتَل قَتِيلًا يُجْزَى بواحدٍ سبعةً] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "قتيل قتيلًا يجزى واحدًا"، وفى، م، س: "قاتل قتيلًا يجزى واحدًا". والمثبت من تاريخ المصنف.¥، ولكنْ [مَنْ قَتَل قابيلَ] ¬سقط من: النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف مع تغيير قَيْن إلى قابيل ليتسق مع ما هنا، وينظر ما تقدم في ص 321.¥ يُجْزَى سبعةً. وجعَل اللَّهُ في قابِيلَ آيَةً لِئَلَّا يَقْتُلَه كُلُّ مَن وَجَدَه. وخرَج قابيلُ مِن قُدَّام اللَّهِ عزَّ وجلَّ مِن شَرْقِيِّ عَدْنِ الجَنَّةِ ¬تمام الأثر المتقدم في ص 321، 322.¥.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن خَيْثَمَةَ، قال: لمَّا قتَل ابن آدمَ أخاه نَشِفَتِ ¬نشفت: شربت. الوسيط (ن ش ف).¥ الأرضُ دمَه، فلُعِنَتْ، فلم تَنْشِفِ الأرضُ دمًا بعدُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 275 إلى المصنف.¥.
فتأويلُ الكلامِ: فأثار اللهُ للقاتلِ إذ لم يَدْرِ ما يَصْنَعُ بأخيه المقتول {غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ}. يقولُ: يَحْفِرُ في الأرض فيثيرُ ترابَها {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ}. يقولُ: ليُرِيَه كيف يُوارى جِيفةَ أخيه. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عَنَى بالسَّوْءَةِ الفَرْجَ. غيرَ أن الأغْلَبَ مِن معناه ما ذكَرتُ مِن الجيفةِ، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ. وفى ذلك محذوفٌ تُرِك ذكرُه اسْتِغْناءً بدَلالةِ ما ذُكِر منه، وهو: فَأَرَاه بأن بحَث في الأرضِ لغرابٍ آخرَ ميِّتٍ، فواراه فيها. فقال القاتلُ أخاه حينَئذٍ: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} الذي وَارَى الغُرَابَ الآخَرَ الميِّتَ، {فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي}. فواراه حينَئذٍ، {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}، على ما فرَط منه مِن معصيةِ اللهِ عزَّ ذكرُه في قَتْلِه أخاه.
وكلُّ ما ذكرُ اللهُ عزَّ وجلَّ في هذه الآياتِ مَثَلٌ ضَرَبهِ اللَّهُ لبنى آدمَ، وحَرَّضَ به المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، على استعمالِ العفوِ والصفحِ عن اليهودِ الذين كانوا هَمُّوا بقتلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقَتْلِهِم مِن بنى النَّضِيرِ، إِذ أَتَوْهُم يَسْتَعينونهم في دِيَةِ قَتِيلى عمرِو بن أُميةَ الضَّمْريِّ، وعرَّفَهم جلَّ وعَزَّ رَداءَةَ سَجِيَّةِ أوائِلِهم، وسوءَ استقامتِهم على منهجِ الحقِّ ¬في م: "الحج".¥، مع كثرةِ أياديه وآلائه عندَهم، وضرَب مثلَهم في غَدْرِهم ¬في م، ت 1، ت 2 "عدوهم".¥ ومثلَ المؤمنين في الوفاءِ لهم والعفوِ عنهم، بابْنَيْ آدَمَ المُقَرِّبَيْنِ قرابينَهما اللذَيْن ذَكَرَهما اللهُ في هذه الآياتِ.
ثم ذلك مثَلُ لهم على التَّأسِّى بالفاضلِ منهما دونَ الطالحِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "الصالح".¥. وبذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قلتُ لبكرِ بن عبدِ اللَّهِ: أَمَا بَلَغَك أن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن اللهُ جلَّ وعزَّ ضَرَبَ لكم ابْنَى آدمَ مثَلًا، فخُذوا خيرَهما، ودَعُوا شرَّهما"؟ قال ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "قالوا".¥: بلى ¬عزاه ابن كثير في تفسيره 3/ 85، والسيوطى في الدر المنثور 2/ 275 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إن ابْنَىْ آدمَ ضُرِبا مثلًا لهذه الأمةِ، فخُذوا بالخير منهما" ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 187.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِن اللَّهَ ضَرَب لَكُمُ ابْنَيْ آدمَ مثَلًا، فخُذوا مِن خيرِهم، ودَعُوا الشرَّ" ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 85 عن ابن المبارك به.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6