تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 39

السورة 5 : الآية 39

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

تفسير ابن كثير

{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)}.

أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله فإن اللّه يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بدّ من ردّها إليهم أو بدلها عند الجمهور.

وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها، وقد روى الحافظ أبو الحسن الدارقطني من حديث [محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان] ¬ما بين معقوفين زيادة من سنن الدارقطني (3/ 102)، وفي نسخة (حم) و (مح) بياض، وسقط من الأصل.¥، عن أبي هريرة أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله. قال: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به" فقطع فأتي به فقال: "تب إلى اللّه" فقال: تبت إلى اللّه، فقال: "تاب الله عليك" ¬أخرجه الدارقطني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان (السنن 3/ 102)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (ح 2431).¥. وقد روي من وجه آخر مرسلًا، ورجح إرساله علي بن المديني وابن خزيمة رحمهما اللّه ¬أي بدون ذكر أبي هريرة ونقله الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 74 وسنده ضعيف للإرسال.¥.

وروى ابن ماجه من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه أن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول اللّه، إني سرقت جملًا لبني فلان، فطهرني فأرسل إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا، فأمر به فقطعت يده وهو يقول: الحمد للّه الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار ¬أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الحدود، باب السارق يعترف ح 2588)، وضعفه البوصيري بسبب ابن لهيعة (مصباح الزجاجة 2/ 317)، وكذا الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح 562).¥.

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللّه بن عمرو قال: سرقت امرأة حليًا فجاء الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللّه، سرقتنا هذه المرأة، فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -:"اقطعوا يدها اليمنى" فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك"، قال: فأنزل اللّه عز وجل: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.¥.

وقد رواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يحيى بن عبد اللّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللّه بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، فجاء بها إلى الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقطعوا يدها"، فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: "اقطعوا يدها" فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول اللّه؟ قال: "نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك"، فأنزل اللّه في سورة المائدة {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)} ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 2/ 177)، وحكمه كسابقه.¥.

وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين من رواية الزهري عن [عروة] ¬كذا في (مح) والتخريج، وفي الأصل بياض.¥، عن عائشة أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت، في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلمه فيها أُسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أتشفع في حد من حدود اللّه عز وجل؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللّه، فلما كان العشي، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها"، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لفظ مسلم ¬صحيح البخاري، الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان (ح 6788)، وصحيح مسلم، الحدود، باب قطع السارق الشريف ... (ح 1688).¥. وفي لفظ له عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطع يدها.

وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع يدها، رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وهذا لفظه، وفي لفظ له أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "لتتب هذه المرأة إلى الله وإلى رسوله، وترد ما تأخذ على القوم"، ثم قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها" ¬المسند 2/ 151، وسنن أبي داود، الحدود، باب في القطع في العادية إذا جحدت (ح 4395)، وسنن النسائي، قطع السارق، باب ما يكون حرزًا وما لا يكون 8/ 70، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 3694).¥.

وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، وللّه الحمد والمنة.

تفاسير بلغات أخرى · 6