تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}.
وهذا خطابٌ مِن الله تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، يقولُ تعالى ذكرُه: وأنزَلْنا إليك يا محمدُ {الْكِتَابَ}، وهو القرآنُ الذي أنْزَلَه عليه. ويعنى بقولِه: {بِالْحَقِّ}: بالصدقِ، ولا كذبَ فيه، ولا شكَّ أنه مِن عندِ اللَّهِ. {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ}. يقولُ: أَنْزَلْناه بتَصْديقِ ما قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التي أنْزَلها إلى أنبيائِه. {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. يقولُ: أَنْزَلْنَا الكتابَ الذي أَنْزَلْناه إليك يا محمدُ مُصَدِّقًا للكتبِ قبلَه، وشَهيدًا عليها أنها حقٌّ مِن عندِ اللَّهِ، أمينًا عليها، حافظًا لها.
وأصلُ الهَيْمنةِ الحفظُ والارْتِقابُ، يقالُ إذا رَقَب الرجلُ الشيءَ وحفِظه وشهِده: قد هَيْمَن فلانٌ عليه، فهو يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً، وهو عليهِ مُهَيْمِنٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم اخْتَلَفَت عباراتُهم عنه، فقال بعضُهم: معناه: شَهيدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. يقولُ: شهيدًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1150 (6476) مِن طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: شهيدًا عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1150 عقب الأثر (6476) مِن طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.¥.
حدَّثني بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ}. يقولُ: الكتبُ التي خَلَت قبلَه، {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}: أمينًا وشاهدًا على الكتبِ التي خلَت قبلَه ¬أخرجه وكيع في أخبار القضاة 1/ 43، 44 مِن طريق سنان، عن قتادة مطولًا.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}: مؤتمَنًا على القرآنِ وشاهدًا ومصدِّقًا. قال ابن جُرَيْجٍ: وقال ¬سقط من: م.¥ آخرون: القرآنُ أمينٌ على الكتبِ فيما إذا أَخْبَرَنا أهلُ الكتابِ في كتابِهم بأمرٍ، إن كان في القرآنِ فصدَقوا، وإلا فكذَبوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1151 (6478) مِن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد ببعضه، وينظر تفسير ابن كثير 3/ 119 بنحو أثر ابن جريج.¥.
وقال بعضُهم: معناه: أمينٌ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، جَميعًا عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: مُؤْتَمنًا عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1150 (6472) مِن طريق وكيع به. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (108) من طريق سفيان به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (763 - تفسير) من طريق أبي إسحاق السبيعي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 289 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: مُؤْتَمنًا عليه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سُفيانُ وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه ¬¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن عَطِيةَ، قال: ثنا إسْرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّمِيميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: والمُهَيْمِنُ الأمينُ. قال: القرآنُ أمينٌ على كلِّ كتابٍ قبلَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1150 (6474)، والبيهقى في الأسماء والصفات (109) من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ}: وهو القرآنُ شاهدٌ على التوراةِ والإنْجيلِ، مُصَدِّقًا لهما، {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. يعنى: أمينًا عليه، يَحْكُمُ على ما كان قبلَه مِن الكتبِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 289 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: مُؤْتَمَنًا عليه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زُهيْرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن بنى تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: مُؤْتَمَنًا عليه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا يحيى الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ وإسرائيلَ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: مُؤْتَمَنًا على ما قبلَه مِن الكتبِ ¬ذكرُه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1150 عقب الأثر (6477) معلقًا.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ ¬في م، ت 1: "الحسين".¥ عن قولِه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: مُصَدِّقًا لهذه الكتبِ وأمينًا عليها. وسُئِل عنها عكرمةُ وأنا أَسْمَعُ، فقال: مُؤْتَمَنًا عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1150 (6475) مِن طريق ابن علية به، دون قول عكرمة.¥.
وقال آخَرون: معنى المُهَيْمِنِ المُصَدِّقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: مُصدِّقًا عليه؛ كلُّ شيءٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِن تَوْرَاةٍ أَو إنْجيلٍ أو زَبُورٍ، فالقرآنُ مُصَدِّقٌ على ذلك، وكلُّ شيءٍ ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، فهو مُصَدِّقٌ عليها، وعلى ما حُدِّث عنها أنه حقٌّ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1150 عقب الأثر (6477) معلقًا.¥.
وقال آخَرون: عُنِى بقولِه: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. نبي اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}: محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ ¬تفسير مجاهد ص 310 بلفظ: مؤتمن على الكتاب. ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (110)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1150 (647) من طريق أبي حذيفة به، وفي 4/ 1151 (6478) من طريق ابن أبي نجيح به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 289 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}. قال: محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ.
فتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله مُجاهدٌ: وأنْزَلْنا الكتابَ مُصَدِّقًا الكتبَ قبلَه إليك، مُهَيْمِنًا عليه. فيكونُ قولُه: {مُصَدِّقًا}. حالًا مِن "الكتابِ" وبعضًا منه، ويَكونُ التصديقُ مِن صفةِ "الكتابِ"، و "المهيمنُ" حالًا مِن الكافِ التي في {إِلَيْكَ}، وهي كِنايةٌ عن ذِكْرِ اسمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والهاءُ في قولِه: {عَلَيْهِ} عائدةٌ على "الكتابِ".
وهذا التأويلُ بعيدٌ مِن المفهومِ في كلامِ العربِ، بل هو خطأٌ؛ وذلك أن "المهيمنَ" عطفٌ على "المصدِّقِ"، فلا يَكونُ إلا مِن صفةِ ما كان "المُصَدِّقُ" صفةً له، ولو كان معنى الكلامِ ما رُوِى عن مُجاهِدٍ، لقيلَ: وأَنْزَلْنا إليك الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ ¬بعده في النسخ: "و". والمثبت موافق للسياق قبل هذه العبارة وبعدها، وينظر تعليق الشيخ شاكر.¥ مُهَيمنًا عليه. لأنه [لم يَتَقَدَّمْ] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يتقدم"، وفي م: "متقدم"، والمثبت مستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.¥ مِن صفةِ الكافِ التي في {إِلَيْكَ} ¬بعده في م: "وليس".¥ بعدَها شيءٌ يكونُ {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} عطفًا عليه، وإنما عُطِف به على "المصدِّقِ"؛ لأنه مِن صفةِ "الكتابِ" الذي مِن صفتِه "المصدِّقُ".
فإن ظنَّ ظانٌّ أن "المصدِّقَ" على قول مُجاهِدٍ وتأويلِه هذا مِن صفةِ الكافِ التي في {إِلَيْكَ}، فإن قولَه: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} يُبْطِلُ أَن يَكُونَ تأويلُ ذلك كذلك، وأن يَكونَ "المُصَدِّقُ" مِن صفة الكافِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "ذكر".¥ التي في {إِلَيْكَ}؛ لأن الهاءَ في قولِه: {بَيْنَ يَدَيْهِ} كنايةُ اسمِ غيرِ المُخاطَبِ، وهو النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قولِه: {إِلَيْكَ} ولو كان "المصدِّقُ" مِن صفةِ الكافِ لَكان الكلامُ: وأَنْزَلْنا إليك الكتاب مُصَدَّقًا لما بينَ يديك مِن الكتابِ ومُهَيْمِنًا عليه. فيكون معنى الكلامِ حينَئذٍ يكونُ كذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}.
وهذا أمْرٌ مِن الله تعالى ذكرُه نبيِّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أَن يَحْكُمَ بين المُحْتَكِمين إليه مِن أهلِ الكتابِ وسائرِ أهلِ المللِ بكتابِه الذي أنْزَله إليه، وهو القرآنُ الذي خصَّه بشَريعتِه، يقولُ له تعالى ذكرُه: احْكُمْ يا محمدُ بينَ أهلِ الكتابِ والمشركين بما أُنزِل إليك مِن كتابي وأحكامي، في كلِّ ما احتَكَموا فيه إليك مِن الحدودِ والجُرُوحِ، والقَوَدِ والنفوسِ، فارْجُم الزانيَ المُحْصَنَ، واقْتُل النفسَ القاتلةَ بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا وافْقَأَ العينَ بالعينِ، واجْدَعِ الأنفَ بالأنفِ، فإنى أنْزَلْتُ إِليك القرآنَ مُصَدِّقًا في ذلك ما بينَ يديه مِن الكُتُبِ، ومُهَيْمِنًا عليه، رَقِيبًا يَقْضِى على ما قبلَه مِن سائرِ الكتبِ قبلَه، ولا تَتَّبِعْ أهواءَ هؤلاء اليهودِ الذين يقولون: إن أُوتِيتُم الجلدَ في الزاني المُحْصَنِ دونَ الرجْمِ، وقتلَ الوَضيعِ بالشَّريفِ إذا قتَله، وتركَ قتلِ الشريفِ بالوَضيعِ إذا قتَله فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَؤه فاحْذَروا - عن الذي جاءَك مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ، وهو كتابُ اللَّهِ الذي أَنْزَلَه إليك. يقولُ له: اعْمَلْ بكتابى الذي أَنْزَلْتُه إليك إذا احْتَكَموا إليك فاخْتَر
تَ ¬في م: "فاختر".¥ الحكمَ عليهم، ولا تَتْرُكَنَّ العملَ بذلك اتِّباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحقِّ الذي أنْزَلْتُه إليك في كتابى.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}. يقولُ: بحدودِ اللَّهِ، {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1151 (6480) مِن طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 290 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن مَسْروقٍ أنه كان يُحلِّفُ اليهوديَّ والنصرانيَّ باللَّهِ. ثم قرَأ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}، وأَنْزَل اللَّهُ أَلَّا يُشْرِكُوا به شيئًا ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (10237، 15544) مِن طريق جابر به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (756 - تفسير)، وابن أبي شيبة 6/ 99 من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن مسروق بنحوه.¥.
القولُ في تأويلِ قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}.
يقولُ تعالى ذكرُه: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا شِرْعةً. والشِّرْعةُ هي الشَّرِيعةُ بعينِها، تُجْمَعُ الشِّرعةُ شِراعًا، والشريعةُ شَرائعَ، ولو جُمِعَت الشرعةُ شَرائع كان صَوابًا؛ لأن معناها ومعنى الشريعةُ واحدٌ، فيَرُدُّها عندَ الجمعِ إلى لفظِ نظيرِها. وكلُّ ما شرَعْتَ فيه مِن شيءٍ فهو شَريعةٌ، ومن ذلك قيل لشَريعةِ الماءِ: شَريعةٌ. لأنه يُشْرَعُ منها إلى الماءِ، ومنه سُمِّيَت شَرائعُ الإسلامِ شَرائعَ؛ لشُروعِ أهله فيه، ومنه قيل للقومِ إذا تَساوَوْا في الشيءِ: هم شَرَعٌ سَواءٌ.
وأما المِنْهاجُ، فإن أصلَه الطريقُ البيِّنُ الواضحُ، يقالُ منه: هو طريقٌ نَهْجٌ ومَنْهجٌ. بيِّنٌ، كما قال الراجزُ ¬مجاز القرآن 1/ 168، ومعجم ما استعجم 3/ 1027، واللسان (ر و ى).¥:
مَن يَكُ في شَكٍّ فهذا فَلْجُ
ماءٌ رَوَاءٌ وطَريقٌ نَهْجُ
ثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ شيءٍ كان بيِّنًا واضحًا سهلًا.
فمعنى الكلامِ: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا طريقًا إلى الحقِّ يَؤُمُّه، وسبيلًا واضحًا يَعْمَلُ به.
ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ}؛ فقال بعضُهم: عَنى بذلك أهلَ المللِ المختلفةِ. أيْ أن اللَّهَ جعَل لكلِّ مِلَّةٍ شريعةً ومِنْهاجًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. يقولُ: سبيلًا وسُنَّةً. والسننُ مُخْتلِفةٌ؛ للتوْراةِ شريعةٌ، وللإنْجيلِ شَريعةٌ، وللقرآنِ شريعةٌ، يُحِلُّ اللَّهُ فيها ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ بَلاءً؛ لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُه ممَّن يَعْصِيه، [ولكنَّ الدينَ الواحدَ] ¬في ص، ت 1، ت 2، س: "والدين واحد".¥ الذي لا يُقْبَلُ غيرُه التوحيدُ والإخلاص للَّهِ الذي جاءَت به الرسلُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1152 (6488) مِن طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 290 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ قولَه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. قال: الدينُ واحدٌ والشريعةُ مختلفةٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 192، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1152 (6487) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أَخْبَرَني سيفُ بن عُمَرَ ¬في م: "عمرو".¥، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ، قال: الإيمانُ منذُ بعَثَ اللَّهُ تعالى ذكرُه آدمَ - صلى الله عليه وسلم - شهادةُ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، والإقْرارُ بما جاء مِن عندِ اللَّهِ، لكلِّ قومٍ ما جاءَهم مِن شِرْعةٍ أو مِنْهاجٍ، فلا يَكونُ المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيعٌ.
وقال آخَرون: بل عَنَى بذلك أمَّةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. وقالوا: إنما معنى الكلامِ: قد جعَلْنا الكتابَ الذي أنْزَلْناه إلى نبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أيُّها الناسُ لكلِّكم؛ أي لكلِّ مَن دخَل في الإسلامِ، وأقرَّ بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أنه لى نبيٌّ، شرعةً ومنهاجًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. قال: سُنةً ومِنْهاجًا، السبيلَ لكلِّكم ¬في س: "للحكم".¥، مِن دخَل في دينِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فقد جعَل اللَّهُ له شرعةً ومنهاجًا. يقولُ: القرآنُ هو له شِرْعةٌ ومِنْهاجٌ.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: لكلِّ أهلِ ملةٍ منكم أيُّها الأممُ جعَلْنا شِرعةً ومنهاجًا.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لقولِه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}. ولو كان عَنَى بقولِه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} أمّةَ محمدٍ - وهم أمّةٌ واحدةٌ - لم يكنْ لقولِه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} - وقد فعَل ذلك فجَعَلَهم أمةً واحدةً - معنًى مفهومٌ، ولكنْ معنى ذلك على ما جرَى به الخطابُ مِن اللَّهِ لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكَر ما كتَب على بني إسرائيلَ في التوراةِ، وتقَدَّم إليهم فيها ¬سقط من: م.¥ بالعملِ بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّى بعيسى ابن مريمَ على آثارِ الأنبياءِ قبلَه، وأَنْزَل عليه الإنجيلَ، وأمَر مَن بعَثه إليه بالعملِ بما فيه، ثم ذكَر نبيَّنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وأَخْبَرَه أنه أنْزَل إليه الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ، وأمَرَه بالعملِ بما فيه، والحكمِ بما أنْزَل إليه فيه دونَ ما في سائرِ الكتبِ غيرِه، وأعْلَمَه أنه قد جعَل له ولأمتِه شَريعةً غيرَ شرائعِ الأنبياءِ والأممِ قبلَه الذين قصَّ عليه ¬في م: "عليهم".¥ قَصصَهم، وإن كان دينُه ودينُهم في توحيدِ اللَّهِ، والإقرارِ بما جاءَهم به مِن عندِه، والانتهاءِ إلى أمْ
رِه ونهيِه - واحدًا، فهم مُختلِفو الأحوالِ فيما شُرع لكلِّ واحدٍ منهم ولأمتِه فيما أُحِلَّ لهم وحُرِّم عليهم.
وبنحوِ الذي قلنا في "الشرعةِ" و "المنهاجِ" مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ وإسرائيلَ وأبيه، عن أبي إسحاقَ عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه ¬تفسير سفيان ص 103، وعنه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 192، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1151 (6485)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (65) مِن طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1152 (6482 - ومن طريقه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (64) - مِن طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 190 إلى عبد بن حميد وسعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو يحيى الرازيُّ، عن أبي شَيْبَانَ، عن أبي إسحاقَ، عن يحيى بن وَثَّابٍ، قال: سأَلْتُ ابن عباسٍ عن قولِه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا ابن عطيةَ ¬في النسخ: "علية". وتقدم مرارا، وسيأتي أيضًا.¥، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ عن رجلٍ مِن بني تَميمٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. يعنى: سبيلًا وسنةً ¬أخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (66) من طريق سفيان بن حسين به.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، قال: سمِعْتُ الحسنَ يقولُ: الشرعةُ السنةُ ¬تفسير مجاهد ص 310، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1151، 1152 (6483، 6486).¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مُجاهدٍ، قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. قال: الشِّرعةُ السنةُ، {وَمِنْهَاجًا}. قال: السبيلُ ¬ينظر تفسير ابن كثير 3/ 120.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. يقولُ: سبيلًا وسنةً ¬¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَوْضيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن بني تَميمٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. يقولُ: سبيلًا وسنةً ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1151، 1152 عقب الأثر (6482، 6485) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به. وينظر تفسير ابن كثير 3/ 120.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: السنةُ والسبيلُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. يقولُ: سبيلًا وسنةً ¬جزء من أثر تقدم تخريجه في ص 494.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبرَني عُبيدُ بنُ سليمانَ ¬في م: "سلمان".¥ قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. قال: سبيلًا وسنةً ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1151، 1152 عقب الأثر (6482، 6485) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير 3/ 120.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو شاء ربُّكم لجعَل شَرائعَكم واحدةً، ولم يَجْعَلْ لكلِّ أمةٍ شريعةً ومِنْهَاجًا غيرَ شَرائعِ الأممِ الأُخرِ ومِنْهَاجهم، فكنتم تكونون أمةً واحدةً، لا تَخْتَلِفُ شَرائعُكم ومَناهِجُكم ¬في م: "منهاجكم".¥، ولكنه تعالى ذكرُه يَعْلَمُ ذلك، فخالَف بينَ شَرائعِكم ليَخْتَبِرَكم، فيَعْرِفَ المُطيعَ منكم مِن العاصي، والعاملَ بما أمَرَه في الكتابِ الذي أنْزَله إلى نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - مِن المُخالِفِ.
والابتلاءُ هو الاختِبارُ. وقد بَيَّنْتُ ¬في النسخ: "ثبت"، والمثبت هو الصواب. وينظر ما تقدم في معنى "البلاء" في 1/ 653، 654.¥ ذلك بشَواهدِه فيما مضَى قبلُ.
وقولُه: {مَا آتَاكُمْ}. يعنى: فيما أنزَل عليكم مِن الكتبِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}. قال عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ: لا أَعلَمُه إلا قال: ليَبْلُوَكم فيما آتاكم مِن الكتبِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1153 (6490) من طريق حجاج به.¥.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}؟ ومَن المُخاطَبُ بذلك وقد ذكَرْتَ أن المعنيَّ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} نبيُّنا ¬في م: "لكل نبى".¥ مع الأنبياءِ الذين مضَوْا قبلَه وأممِهم، و ¬سقط من: م.¥ الذين قبلَ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - على حِدَةٍ ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3. وفى م: "والمخاطب النبي وحده". وفى ص: "حده". والمثبت موافق للسياق، ومستفاد من تحقيق الشيخ شاكر.
وسياق الكلام: ومن المخاطب ... وقد عرفت أن الذين قبل نبينا على حدة؟ ¥؟
قيل: إن الخطابَ وإن كان لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد أُرِيد به الخبرُ عن الأنبياءِ قبلَه وأممِهم، ولكنَّ العربَ مِن شأنِها إذا خاطَبَت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبرَ عنه، أن تُغَلِّبَ المُخاطَبَ، فيَخْرُجَ الخبرُ عنهما على وجهِ الخطابِ، فلذلك قال تعالى ذكرُه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: فبادِروا أيُّها الناسُ إلى الصالحاتِ مِن الأعمالِ والقُرَبِ إلى ربِّكم، بإدْمانِ العملِ بما في كتابِكم الذي أنزَله إلى نبيِّكم، فإنه إنما أَنْزَله امْتحانًا لكم وابتلاءً؛ ليَتَبَيَّنَ المُحْسِنُ منكم مِن المُسِئ، فيُجازِىَ جميعَكم على عملِه عندَ مَصيرِكم إليه، فإن إليه مصيرَكم جميعًا، فيُخْبرَ كلَّ فريقٍ منكم بما كان يُخالِفُ فيه الفرقَ الأُخرى، فيَفْصِلَ بينَهم بفصلِ القَضاءِ، ويُبيَن المحقَّ بمجازاتِه ¬في ص، ت 1، ت 2، ت، س: "مجازاته".¥ إياه بجَنّاتِه، مِن المسئِ، بعقابِه إياه بالنارِ، فيَتَبَيَّن حينَئذٍ كلُّ حزبٍ عِيانًا، المُحِقُّ منهم مِن المُبْطِلِ.
فإن قال قائلٌ: أَوَ لم يُنَبِّئْنا ربُّنا في الدنيا قبلَ مَرْجِعِنا إليه ما نحن فيه مُخْتَلِفون؟
فقيل: إنه بيَّن ذلك في الدنيا بالرسلِ والأدلةِ والحُجَجِ، دونَ الثوابِ والعقابِ عِيانًا، فمُصَدِّقٌ بذلك ومُكَذِّبٌ، وأما عند المَرْجِعِ إليه، فإنه يُنَبِّئُهم بذلك بالمُجازاةِ التي لا يشُكُّون معها في معرفةِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ولا يَقْدِرون على إدْخال اللَّبْسِ معها على أنفسِهم، فكذلك خبرُه تعالى ذكرُه أنه يُنبِّئُنا عندَ المرجِعِ إليه بما كنا فيه نَخْتَلِفُ في الدنيا، وإنما معنى ذلك: إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جميعًا، فتَعْرِفون المُحِقَّ حينئذٍ مِن المُبطِلِ منكم.
كما حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن أبي سنانٍ، قال: سَمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا}. قال: أمةُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، البَرُّ والفاجرُ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 581 عن زيد بن الحباب به.¥.