تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)}.
يقولُ تعالى: وظنَّ هؤلاء الإسْرائيليون الذين وصَف تعالى ذكرُه صفتَهم أنه أخَذ ميثاقَهم، وأنه أرْسَل إليهم رسلًا، وأنهم كانوا كلما جاءَهم رسولٌ بما لا تَهْوَى أنفسُهم كذَّبوا فريقًا، وقتَلوا فريقًا، - ألَّا ¬بعده في م: "لا".¥ يَكونَ لهم مِن اللهِ ابْتلاءٌ واخْتِبارٌ بالشَّدائِدِ مِن العُقوباتِ بما كانوا يَفْعَلونَ، {فَعَمُوا وَصَمُّوا}. يقولُ: فعَمُوا عن الحقِّ والوَفاءِ بالميثاقِ الذي أخَذْتُه عليهم من إخلاصِ عبادتي، والانْتِهاءِ إلى أمرى ونَهْيى، والعملِ بطاعتى، بحِسْبانِهم ذلك وظنِّهم، وصَمُّوا عنه، ثم تُبْتُ عليهم، يقولُ: ثم هدَيْتُهم بلُطْفٍ منى لهم - حتى أنابوا ورجَعوا عما كانوا عليه من معاصِيَّ وخلافِ أمْرى، والعملِ بما أكْرَهُه منهم - إلى العملِ بما أُحِبُّه، والانْتهاءِ إلى طاعتى وأمرى، ونهيى، {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ}. يقولُ: ثم عَمُوا أيضًا عن الحقِّ والوفاءِ بميثاقى الذي أخَذتُه عليهم مِن العملِ بطاعتى، والانتهاءِ إلى أمرى، واجتنابِ معاصيَّ، {وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ}. يَقُولُ: عَمِى كثيرٌ من هؤلاء الذين كُنْتُ أخَذتُ ميثاقَهم مِن بنى إسرائيلَ باتباعِ رسلى، والعملِ بما أنزَلتُ إلي
هم مِن كتبى، عن الحقِّ، وصَمُّوا بعدَ توبتى عليهم، واستنقاذي إياهم مِن الهلكةِ، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}. يَقُولُ: بصيرٌ فيرى أعمالَهم خيرَها وشرَّها، فيُجازِيهم يومَ القيامةِ بجميعِها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} الآية. يقولُ: حسِب القومُ ألا يَكُونَ بلاءٌ، {فَعَمُوا وَصَمُّوا}، كلما عرَض ¬بعده في تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: "لهم".¥ بلاءٌ ابْتُلوا به هلَكوا فيه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1178 (6641) من طريق يزيد به مقتصرا على آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 299 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا}. يَقُولُ: حسِبوا ألا يُبْتَلوا، فعَمُوا عن الحقِّ وصمُّوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1178 (6639) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 299 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مباركٍ، عن الحسنِ: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. قال: بلاءٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1177 (6638) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 299 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ}. قال: الشركُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1177 (6637) من طريق أبي صالح به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا}. قال: اليهودُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1178 (6640) من طريق ابن أبي نجيح به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: {فَعَمُوا وَصَمُّوا}. قال: يَهودُ. قال ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: هذه الآيةُ لبنى إسرائيلَ. قال: والفتنةُ البلاءُ والتمحيصُ.