تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 87

السورة 5 : الآية 87

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويل قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم أنه حقٌّ من عندِ اللهِ، {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}. يعني بالطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوسُ وتميلُ إليها القلوبُ، فتمْنَعوها إيَّاها، كالذى فعله القسِّيسون والرهبانُ، فحرَّموا على أنفسهم النساءَ والمطاعم الطيبة، والمشاربَ اللذيدةَ، وحبس في الصوامع بعضُهم أنفسهم، وساح في الأرضِ بعضُهم. يقول تعالى ذكرُه: فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حدَّ الله الذي حَدَّ لكم فيما أحلَّ لكم وفيما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا حدَّه الذي حدَّه ¬سقط من: ص.¥، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحبُّ من اعتدى حدَّه الذي حدَّه لخلقه فيما أحل لهم وحرَّم عليهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو حَصِين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبثرٌ أبو ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "ابن".¥ زبيدٍ، قال: ثنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية. قال: عثمانُ بن مظعونٍ وأناسٌ من المسلمين حرَّموا عليهم النساءَ، وامتنعوا من الطعام الطيِّب، وأراد بعضُهم أن يقطعَ ذَكَرَه، فنزلت هذه الآيةُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (771 - تفسير)، وأبو داود في مراسيله (209) من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 307 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدة، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنى خالدٌ الحذَّاءُ، عن عكرمة، قال: كان أناسٌ من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - همُّوا بالخصاء وترك اللَّحم والنساء، فنزلت هذه الآيةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 307 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وسيأتي موصولًا بذكر ابن عباس ص 614، 615.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن خالدٍ، عن عكرمة، أن رجالًا أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يَخْتَصُوا، فنزلَت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} إلى قوله: {الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ}.
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}. قال: كانوا حرَّموا الطِّيب واللحم، فأنزلَ اللهُ تعالى هذا فيهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 307 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ الثقفيُّ، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرمة، أن أناسًا قالوا: لا نتزوَّجُ، ولا نأكلُ ولا نفعل كذا وكذا. فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 192، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 307 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: أراد أُناسٌ من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن يرفضوا الدنيا ويترُكوا النساء ويترهَّبوا، فقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فغلَّظ فيهم المقالة، ثم قال: "إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع؛ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وحُجُّوا واعتمروا، واستقيموا يَستَقِم لكم". قال: ونزلت فيهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 191، 192.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}. قال: نزلت في أناسٍ من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أرادوا أن يتخلَّوا من اللباس ويترُكوا النساء ويتزهَّدوا؛ منهم عليُّ بنُ أبى طالبٍ وعثمان بنُ مظعونٍ ¬¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفىان، عن زيادِ بن فَيَّاضٍ، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا آمُرُكُم أن تكونوا قسيسين ورُهْبانًا" ¬أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 235 عن وكيع به.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية: ذُكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رفضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يَتَّخِذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس في دينى تركُ النساءِ واللحمِ، ولا اتخاذُ الصوامع". وخُبِّرنا أن ثلاثة نفرٍ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اتَّفَقُوا، فقال أحدُهم: أمَّا أنا فأقومُ الليل لا أنامُ. وقال أحدُهم: أمَّا أنا فأصومُ النهارَ فلا أُفطِرُ. وقال الآخرُ: أمَّا أنا فلا آتى النساءَ. فبعث رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فقال: "ألم أُنَبَّأ أنَّكم اتَّفَقْتُم على كذا وكذا؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللَّهِ، وما أردنا إلا الخير. قال: "لكنى أقومُ وأنامُ، وأصومُ وأُفطِرُ، وأتى النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِى فليس منِّى". وكان في بعض القراءةِ: (مَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتِكَ فليس مِنْ أُمَّتِكَ وقد ضَلَّ ¬بعده في م: "عن".¥ سواءَ السَّبِيلِ) ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور
2/ 308 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥. وذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأُناسٍ أصحابه: "إن من قبلكم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فهؤلاء إخوانُهم في الدُّورِ والصوامع؛ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاةَ، وآتوا الزكاةَ، وصوموا رمضانَ، وحُجُوا، واعتمروا، واستقيموا يَسْتَقِم لكم".
حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}: وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس يومًا فذكَّر الناس، ثم قام ولم يَزِدْهم على التخويف، فقال أُناسٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا عشرةً، منهم عليُّ بن أبى طالبٍ وعثمانُ بن مظعونٍ: ما خِفْنا ¬في ص، س: "حصا" غير منقوطة، وفى م، ت 1، ت:2 "حقنا". ومعنى العبارة: ما خفنا الله حق الخوف إن لم نحدث عملًا يدل على ذلك.¥ إن لم نُحْدِثُ عملًا، فإن النصارى قد حرَّموا على أنفسهم فنحن نُحرِّمُ. فحرَّم بعضُهم أكل اللحم والوَدَكِ ¬في ص، ت 1، ت 2 س: "الورك" والوَدَك: الدسم، أو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. الوسيط (و د ك).¥، وأن يأكل بالنهار، وحرَّم بعضُهم النوم، وحرَّم بعضُهم النساء، فكان عثمانُ بنُ مظعونٍ ممن حرَّم النساء، وكان لا يَدْنو من أهله، ولا يَدْنون منه، فأتت امرأتُه عائشة - وكان يقالُ لها: الحولاءُ - فقالت لها عائشةُ ومَن عندها من نساءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
: ما بالُك يا حولاءُ مُتغيرة اللون لا تَمتَشِطين ولا تطيَّبينَ؟! فقالت: وكيف أتطيَّبُ وأمتَشِطُ وما وقَع عليَّ زوجى، ولا رفع عنى ثوبًا منذ كذا وكذا! فَجَعَلْن يَضْحَكُن من كلامِها، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهنَّ يَضْحَكُنَ، فقال: "ما يُضحِكُكن؟ ". قالت: يا رسولَ اللهِ، الحولاء سأَلْتُها عن أمرِها، فقالت: ما رفع عنى زوجى ثوبًا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال: "ما بالك يا عثمان؟ ". قال: إنى تركته لله لكى أتَخلَّى للعبادة. وقصَّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا رَجَعْتَ فَوَاقَعْتَ أَهْلَكَ". فقال: يا رسول الله، إنى صائمٌ. قال: "أفطِرْ". فأفطر وأتَى أهلَه، فرجعت الحولاءُ إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتَطَيَّبت، فضحِكت عائشةُ، فقالت: ما بالُكِ يا حولاءُ! فقالت: إنه أتاها أمس. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ما بال أقوامٍ حَرَّمُوا النساء والطعام والنوم! ألا إنى أنام وأقومُ، وأُفْطِرُ وأَصُومُ، وأنْكِحُ النِّسَاءَ، فمن رَغِبَ [عَنْ سُنَّتى] ¬في ص: "عنى".¥ فليس منِّى"، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُ
وا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا}. يقولُ لعثمان: "لا تَجُبَّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداءُ". وأمَرَهم أن يكفِّروا أيمانهم، فقال: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} ¬ذكره الزيلعى في تخريج الكشاف 1/ 417 عن المصنف ولم يسق لفظه كله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 308 إلى المصنف.¥ [المائدة: 89].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}. قال: هم رهطٌ من أصحاب النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالوا: نقطعُ مذاكيرنا، ونتركُ شهواتِ الدنيا، ونسيحُ في الأرض، كما يفعلُ الرهبانُ. فبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليهم، فذكر ذلك لهم، فقالوا: نعم. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لكنِّي أصومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأَنْكِحُ النِّساء، فمَن أخَذ بسُنَّتى فهو منِّي، ومن لم يأخُذْ بسُنَّتى فليس منِّى" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1187 (6689) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 307 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}: وذلك أن رجالًا من أصحاب محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، منهم عثمانُ بن مظعونٍ، حرَّموا النِّساء واللحم على أنفسهم، وأخَذوا الشِّفارَ ليقطعوا مذاكيرهم؛ لكى تنْقَطِعَ الشهوةُ، ويتفرَّغوا لعبادة ربِّهم، فأُخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ما أردتُم؟ ". فقالوا: أردنا أن تنقطع ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "نقطع".¥ الشهوةُ عنا، ونتفرغ لعبادة ربِّنا، ونَلْهُوَ عن النساء. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لم أُومَرْ بذلك، ولكنِّى أُمِرْتُ في دينى أن أتزوَّجَ النَّساء". فقالوا: نطيعُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأنزل الله تعالى ذِكرُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} إلى قوله: {الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 308، 309 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أراد رجالٌ، عثمانُ ¬في ص، ت 2، ت 3، س: "عبد الله".¥ بن مظعونٍ وعبد الله بنُ عمرٍو، أن يتبتَّلوا، ويَخْصُوا أنفسهم، ويلبسوا المُسُوح ¬المسوح: جمع مسح، وهو كساء من الشعر وثوب يلبسه الراهب.¥، فنزلت هذه الآيةُ إلى قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} ¬ذكره الزيلعى في تخريج الكشاف 1/ 416، 417 عن المصنف بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 308 إلى المصنف وأبى الشيخ.¥.
قال ابن جُريجٍ، عن عكرمة: إن عثمانَ بن مظعونٍ وعليَّ بن أبى طالبٍ وابن مسعودٍ والمقداد بن الأسود وسالمًا مولى أبى حُذيفة، في أصحابٍ ¬في ص، ت 2، ت 3، س: "أصحابه".¥ تَبَتَّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساءَ، ولبسوا المُسوح، وحرَّموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما أكل وليس أهلُ السياحة من بنى إسرائيل، وهمُّوا بالإخصاء ¬في م: "بالاختصاء".¥، وأجمعوا لقيام الليل وصيامِ النهار، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. يقولُ: لا تستنُّوا ¬في ص: "نسروا"، وفى ت 1، س: "تسيروا".¥ بغير سنةِ المسلمين. يريدُ ما حرَّموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيام الليل، وما همُّوا له من الإخصاء، فلما نزلت فىهم بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إن لأنفسكم حقًّا، وإنَّ لأعْيُنِكم حقًّا، صُومُوا وأَفْطِرُوا، وَصَلُّوا ونامُوا، فليس منَّا من ترك سُنَّتنا". فقالوا: اللَّهمَّ أَسْلَمْنا واتَّبَعْنا ما أنزَلتَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 308 إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.

حدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}. قال: قال أبى: ضاف عبد الله بن رواحة ضيفٌ، فانقلب ابن رواحةً ولم يتعشَّ، فقال لأهله: ما عَشَّيْتِه؟ فقالت: كان الطعام قليلًا، فانتظرتُ أن تأتى. قال: فحبَست ضيفى من أجلى! فطعامك عليَّ حرامٌ إن ذقتُه. فقالت هي: وهو على حرامٌ إن ذقتُه إن لم تذُقه. وقال الضيفُ: هو عليَّ حرامٌ إن ذقتُه إن لم تَذُوقوه. فلما رأى ذلك، قال ابن رواحة: قرِّبى طعامك، كلوا باسمِ الله. وغدا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد أَحْسَنْتَ". فنزلت هذه الآيةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}، وقرأ حتى بلغ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. إذا قلت: والله لا أذوقُه. فذلك العقد ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1187، 1188 (6692) عن يونس، عن ابن وهب، عن هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم نحوه دون ذكر المرفوع.¥.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعدٍ ¬في النسخ: "سعيد". وتقدم على الصواب في 7/ 310، 9/ 92، وسيأتي على الصواب أيضًا.¥، قال: ثنا عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، أن رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنى إذا أصبتُ من اللحم انتشرتُ، وأخذَتْنى شهوتى، فحرَّمتُ اللحمَ. فأنزل الله تعالى ذِكرُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ¬أخرجه الترمذى (3054) عن عمرو بن علي به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1186 (6687)، وابن عدى 5/ 1817 من طريق أبى عاصم به. وأخرجه الطبراني (11981) من طريق عثمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 307 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا خالدٌ الحذّاءُ، عن عكرمة، قال: همَّ أناسٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بترك النساءِ والخصاءِ، فأنزل الله تعالى ذكره: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 307 إلى المصنف.¥.
واختلفوا في معنى "الاعتداء" الذي قال تعالى ذكرُه: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، فقال بعضُهم: الاعتداءُ الذي نهى الله عنه في هذا الموضع هو ما كان عثمانُ بنُ مظعونٍ همَّ به من جَبِّ نفسه، فنُهِيَ عن ذلك، وقيل له: "هذا هو الاعتداء". وممن قال ذلك السُّديُّ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عنه ¬بعده في م: "به". وتقدم تخريج الأثر في ص 612.¥.
وقال آخرون: بل ذلك هو ما كان الجماعةُ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - همُّوا به من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم، فنُهُوا أن يفعلوا ذلك، وأن يستنُّوا بغير سنة نبيِّهم محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -. وممن قال ذلك عكرمةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عنه ¬¥.
وقال بعضُهم: بل ذلك نهى من الله تعالى ذكرُه أن يتجاوز الحلالُ إلى الحرام.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا}. قال: لا تعتدوا إلى ما حُرِّمَ عليكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1188 (6696) من طريق عاصم به.¥.
وقد بيَّنا أن معنى "الاعتداء" تجاوزُ المرءِ ما له إلى ما ليس له في كلِّ شيءٍ، فيما مضَى بما أغنى عن إعادته ¬ينظر ما تقدم في 2/ 32.¥.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد عمَّ بقوله: {وَلَا تَعْتَدُوا}. النهى عن العُدْوانِ كلِّه، كان الواجب أن يكون محكومًا لما عمَّه بالعموم حتى يَخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له، وليس لأحدٍ أن يتعدَّى حدَّ الله تعالى ذكرُه في شيءٍ من الأشياء مما أحلَّ أو حرَّم، فمن تعدَّاه فهو داخلٌ في جملة من قال تعالى ذكره: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}.
وغير مستحيل أن تكونَ الآيةُ نزلت في أمر عثمان بن مظعونٍ والرهط الذين هَمُّوا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما هَمُّوا به من تحريم بعض ما أحلَّ الله لهم على أنفسهم، ويكون مرادًا بحكمها كلُّ من كان في مثل معناهم، ممن حرَّم على نفسه ما أحلَّ الله له، أو أحلَّ ما حرم الله عليه، أو تجاوز حدًّا حدَّه الله له. وذلك أن الذين هَمُّوا بما هَمُّوا به من تحريم بعض ما أحَلَّ لهم على أنفسهم، إنما عُوتبوا على ما هَمُّوا به من تجاوزهم ما سنَّ لهم وحَدَّ، إلى غيره.

تفاسير بلغات أخرى · 6