تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 89

السورة 5 : الآية 89

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ ۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويل قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}.
يقول تعالى ذكرُه للذين كانوا حرَّموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا حرَّموا ذلك بأيمانٍ حلفوا بها، فنهاهم عن تحريمها، وقال لهم: لا يُؤاخذكم ربُّكم باللغو في أيمانكم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}. في القومِ الذين كانوا حرَّموا النساء واللحم على أنفسهم، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف نصنعُ بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} الآية ¬تقدم تخريجه في ص 611.¥.
فهذا يدلُّ على ما قلنا من أن القومَ كانوا حرَّموا ما حرَّموا على أنفسهم بأيمانٍ حلَفوا بها، فنزلت هذه الآيةُ بسببهم.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ وبعضُ البصريين: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} بتشديدِ القافِ ¬وهى قراءة نافع، وحفص عن عاصم، وابن كثير وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 247.¥، بمعنى: وكَّدتم الأيمانَ وردَّدتموها.
[وقرَأه عامةُ] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "وقرأه"، وفى م: "وقراء". والمثبت هو الصواب.¥ الكوفيين: (بِمَا عَقَدْتُمُ الأيمَانَ) بتخفيف القافِ ¬وهى قراءة أبى بكر عن عاصم، وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 247.¥، بمعنى: أوجَبتموها على أنفسِكم، وعزَمت عليها قلوبُكم.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءةُ من قرَأ بتخفيفِ القافِ، وذلك أن العربَ لا تكادُ تستعملُ "فعلت" في الكلامِ إلا فيما يكونُ فيه ترَددٌ مرةً بعدَ مرةٍ، مثلَ قولِهم: شدَّدتُ على فلانٍ في كذا. إذا كرَّر عليه الشِّدةَ مرةً بعد أُخرى، فإذا أرادوا الخبرَ عن فعلِ مرةٍ واحدةٍ، قيل: شدَدْتُ عليه. بالتخفيفِ. وقد أجمَع الجميعُ لا خلافَ بينَهم، أن اليمينَ التي تجبُ بالحنْثِ فيها الكفارةُ، تلزمُ بالحِنْثِ في حَلِفِ مرةٍ واحدةٍ وإن لم يكرِّرْها الحالفُ مرّاتٍ، وكان معلومًا بذلك أن الله مؤاخذٌ الحالفَ العاقدَ قلبَه على حَلِفِه، وإن لم يُكرِّرْه ولم يُردِّدُه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكنْ لتشديدِ القافِ من {عَقَّدْتُمُ} وجهٌ مفهومٌ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: لا يؤاخذُكم اللهُ أيها المؤمنون من أيمانِكم بما لَغَوْتُم فيه، ولكن يُؤاخذكم بما أوجبتُموه على أنفسِكم منها، وعَقَدَت عليه قلوبُكم.
وقد بيَّنَّا اليمينَ التي هي لغوٌ، والتي اللهُ مؤاخذٌ العبدَ بها، والتي فيها الحنْتُ، والتي لا حِنْثَ فيها، فيما مضى من كتابِنا هذا، فكرهنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 4/ 14، وما بعدها.¥.
وأما قولُه: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} فإن هنّادًا حدَّثنا، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. قال: بما تَعَمَّدتم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1191 (6712) من طريق وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (15953)، والبيهقى 10/ 50 من طريق سفيان به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 410 عقب الأثر (2613) معلقًا.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} يقولُ: ما تعمَّدتَ فيه المأثمَ، فعليك فيه الكفارةُ ¬في النسخ: "عدى". وتقدم على الصواب في 1/ 75، 175، 214، 226.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في الهاءِ التي في قولِه: {فَكَفَّارَتُهُ} اعلام هي عائدةٌ، ومن ذكرِ ما؟ فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على "ما" التي في قولِه: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديِّ، عن عوفٍ ¬تقدم تخريجه في 4/ 20.¥، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو أن تحلِفَ على الشيءِ وأنت يُخَيَّلُ إليك أنه كما حلفتَ، وليس كذلك، فلا يؤاخذُكم اللهُ، فلا كفارةَ، ولكنَّ المؤاخذةَ والكفارةَ فيما حلَفتَ عليه على علمٍ ¬¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: اللغوُ ليس فيه كفارةٌ، {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. قال: ما عقَد فيه يمينَه فعليه الكفارةُ ¬ينظر ما تقدم تخريجه في 4/ 17.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: الأيمانُ ثلاثٌ، يمينٌ تُكَفَّرُ، ويمينٌ لا تُكَفَّرُ، ويمينٌ لا يؤاخذُ بها صاحبُها؛ فأما اليمينُ التي تُكفرُ، فالرجلُ يحلِفُ على الأمرِ لا يفعلُه ثم يفعَلُه، فعليه الكفارةُ، وأما اليمينُ التي لا تُكفَّرُ، فالرجلُ يحلِفُ على الأمرِ يتعمَّدُ فيه الكذبَ، فليس فيه كفارةٌ، وأما اليمينُ التي لا يؤاخَذُ بها صاحبُها، فالرجلُ يَحلِفُ على الأمرِ يرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكونُ كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وهو اللغوُ ¬تقدم تخريجه في 4/ 24.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا ابن أبي ليلى، عن عطاءٍ، قال: قالت عائشةُ: لغو اليمينِ ما لم يَعقِدُ عليه الحالفُ قلبَه ¬تقدم تخريجه في 4/ 16.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، قال: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ ¬تقدم تخريجه في 4/ 30.¥.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، أن عروةَ حدَّثه، أن عائشةَ قالت: أيمانُ الكفارةِ؛ كلُّ يمينٍ حلَف فيها الرجلُ على جِدٍّ من الأمورِ في غضبٍ أو غيرِه، ليفعلنَّ، ليترُكنَّ، فذلك عقدُ الأيمانِ التي فرَض اللهُ فيها الكفارةَ، وقال تعالى ذكرُه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} ¬تقدم تخريجه في 4/ 31.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن يحيى بن سعيد ¬في ص، م: "سعد".¥، وعن عليّ بن أبي طلحةَ، قالا: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ ¬تقدم في 4/ 25.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. يقولُ: ما تَعمَّدتَ فيه المأثَمَ فعليك فيه الكفارةُ. قال: وقال قتادةُ: أما اللغوُ فلا كفارةَ فيه.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: لا كفارةَ في لغوِ اليمينِ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزيُّ ¬في م: "العبقرى".¥، عن أسباطَ، عن السديِّ: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ ¬تقدم تخريجه في 4/ 24.¥.
فمعنى الكلامِ على هذا التأويلِ: لا يؤاخذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم، ولكن يؤاخذُكم بما عقدتم الأيمانَ، فكفارةُ ما عقدتم منها إطعامُ عشَرةِ مساكينَ.
وقال آخرون: الهاءُ في قولِه: {فَكَفَّارَتُهُ} عائدةٌ على "اللغو"، وهي كنايةٌ عنه.
قالوا: وإنما معنى الكلامِ: لا يؤاخذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم إذا كفَّرْتُموه، ولكن يُؤاخذُكم إذا عقدتم الأيمانَ فأقمتم على المضيِّ عليه بتركِ الحنثِ والكفارةِ فيه، والإقامةُ على المضيِّ عليه غيرُ جائزةٍ لكم، فكفَّارةُ اللغوِ منها إذا حنَثتم فيه إطعامُ عشَرةِ مساكينَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على أمرٍ ضِرارٍ أن يفعلَه فلا يفعلَه، فيرَى الذي هو خيرٌ منه، فأمَره اللهُ أن يُكفِّرَ عن يمينِه ويأتيَ الذي هو خيرٌ. وقال مرةً أُخرى قولَه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} إلى قولِه: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. قال: واللغوُ من الأيمانِ ¬في م: "اليمين".¥ هي التي تُكَفَّرُ، لا يؤاخِذُ اللهُ بها، ولكن من أقام على تحريمِ ما أحلَّ اللهُ له ولم يتحوَّلْ عنه ولم يكفِّرْ عن يمينِه، فتلك التي يؤاخَذُ بها ¬تقدم تخريجه في 4/ 20، 33.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الذي يحلِفُ على المعصيةِ فلا يَفِى، فيُكفِّرُ ¬تقدم تخريجه في 4/ 27.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخذُه اللهُ تعالى ذِكرُه، يُكفِّرُ عن يمينِه، ويأتى الذي هو خيرٌ، {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}: الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، ثم يقيمُ عليها، فكفارتُه إطعامُ عشَرةِ مساكينَ ¬¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال في لغو اليمينِ: هي اليمينُ في المعصيةِ، فقال: أوَ لا تقرأُ فتفهمَ؟ قال: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}. قال: فلا يُؤاخذُه بالإلغاءِ، ولكن يؤاخذُه بالتمامِ ¬في م: "بالمقام".¥ عليها. قال: وقال: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} ¬تقدم تخريجه 4/ 28.¥ [البقرة: 224].
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخذُه اللهُ بتركِها إن ترَكها. قلتُ: وكيف يصنعُ؟ قال: يكفِّرُ يمينَه ويتركُ المعصيةَ ¬تقدم تخريجه 4/ 22.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: اللغوُ يمينٌ لا يُؤَاخَذُ بها صاحبُها، وفيها كفارةٌ ¬تقدم تخريجه 4/ 33.¥.
حدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. قال: اليمينُ المُكفَّرةُ ¬في م: "وأوخذ بها غير".¥.
والذي هو أولى عندى بالصوابِ في ذلك أن تكونَ الهاءُ في قولِه: {فَكَفَّارَتُهُ} عائدةً على "ما" التي في قولِه: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}؛ لما قدَّمْنا فيما مضَى قبلُ، أن من لزِمْته في يمينِه كفارةٌ [وُوخِذ بها، وغيرُ] ¬¥ جائزٍ أن يقالَ لمن قد أُوخِذ: لا يؤاخذُه اللهُ باللغوِ. وفي قولِه تعالى ذكرُه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. دليلٌ واضحٌ أنه لا يكونُ مؤاخذًا بوجهٍ من الوجوهِ، مَن أخبرنا تعالى ذِكرُه أنه غيرُ مؤاخَذٍ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أنه إنما عنَى تعالى ذِكرُه بقولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}، بالعقوبةِ عليها في الآخرةِ إذا حنَثتم وكفَّرتم، لا أنه لا يؤاخذُهم بها ¬في ص، ت 2، س: "بما".¥ في الدنيا بتكفيرٍ، فإن إخبارَ اللهِ تعالى ذِكرُه وأمره ونهيَه في كتابِه على الظاهرِ العامِّ عندنا - بما قد دلَّلنا على صحةِ القولِ به في غيرِ هذا الموضعِ، فأغنَى عن إعادتِه - دونَ الباطنِ العامِّ الذي لا دلالةَ على خصوصِه في عقلٍ ولا خبرٍ، ولا دلالةَ من عقلٍ ولا خبرٍ أنه عنَى تعالى ذِكرُه بقولِه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} بعضَ معاني المؤاخذةِ دونَ جميعِها.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان مَن لزِمتْه كفارةٌ في يمينٍ حنَث فيها مؤاخَذًا بها بعقوبةٍ في مالِه عاجلةٍ - كان معلومًا أنه غيرُ الذي أخبرنا تعالى ذكرُه أنه لا يؤاخذُه بها.
وإذ كان الصحيحُ من التأويلِ في ذلك ما قلنا بالذي عليه دلَّلنا، فمعنى الكلامِ إذن: لا يؤاخذُكم اللهُ أيها الناسُ بلغوٍ من القولِ والأيمانِ إذا لم تتعمَّدوا بها معصيةَ اللهِ تعالى ذكرُه، ولا خلافَ أمرِه، ولم تَقصِدوا بها إثمًا، ولكن يؤاخذُكم بما تعمَّدتم به الإثمَ، وأوجَبتموه على أنفسِكم، وعزَمت عليه قلوبُكم، ويُكفَّرُ ذلك عنكم، فيُغطِّي على سَيِّئِ ما كان منكم، مِن كَذِبٍ وزُورِ قولٍ، ويمحُوه عنكم فلا يُتْبِعُكم به ربُّكم إطعامَ عشرةِ مساكينَ من أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: من أعدلِه.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ في هذه الآية: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال عطاءٌ: أوسطُه أعدلُه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}؛ فقال بعضُهم: معناه: من أوسط ما يُطْعِمُ من أجناسِ الطعامِ الذي يقتاتُه أهلُ بلدِ المكفِّرِ - أهاليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، عن الأسودِ، قال: سألته عن {أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، قال: الخبزُ، والتمرُ، والزيتُ، والسمنُ، وأفضلُه اللحمُ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ عن ذلك، فقال: الخبزُ والتمرُ. زاد هنادٌ في حديثِه: والزيتُ. قال: وأحسبُه: والخلُّ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16088) عن سفيان به.¥.
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو الأحوصِ، [عن عاصمٍ الأحولِ] ¬ليس في: س.¥، عن ابن سيرينَ، عن ابن عمرَ في قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: من أوسطِ ما يُطْعِمُ أهلَه؛ الخبزُ والتمرُ، والخبزُ والسمنُ، والخبزُ والزيتُ، ومن أفضلِ ما يُطعِمُهم الخبزُ واللحمُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 (6721) من طريق عاصم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 13 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عمرَ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: الخبزُ واللحمُ، والخبزُ والسمنُ، والخبزُ والجبنُ، والخبزُ والخلُّ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ عن {أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: الخبزُ والتمرُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ حَنَش، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ. فذكَر مثلَه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانيِّ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: الخبزُ والسمنُ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سعيدِ بن عبد الرحمنِ، عن ابن سيرينَ، قال: سألتُ عبيدةَ عن ذلك. فذكَر مثلَه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أزهرُ، قال: أخبرنا ابن عونٍ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عبيدةَ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: الخبزُ والسمنُ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن سيرينَ، قال: كانوا يقولون: أفضلُه الخبزُ واللحمُ، وأوسطُه الخبزُ والسمنُ، وأخسُّه ¬في ص: "أحسنه".¥ الخبزُ والتمرُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 313 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ، قال: خبزٌ ولحمٌ، أو خبزٌ وسمنٌ، أو خبرُ ولبنٌ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16079)، وسعيد بن منصور في سننه (794 - تفسير)، وابن أبي شيبة (الجزء الأول من القسم الرابع) ص 10 من طريق يونس عن الحسن.¥.
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن أبي مُصْلِحٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: الخبزُ واللحمُ والمرقةُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن يحيى بن حيَّانَ ¬في ص، م، ت 1، ت 3: "حبان"، وغير منقوطة في ت 2، س.¥ الطائيِّ ¬في ت 1: "الطحاوي".¥، قال: كنتُ عندَ شُرَيحٍ، فأتاه رجلٌ فقال: إنى حلَفتُ على يمينٍ فأثِمتُ. قال شُرَيحٌ: ما حمَلك على ذلك؟ قال: قُدِّرَ عليَّ، فما أوسطُ ما أُطْعِمُ أهلى؟ قال له شُريحٌ: الخبزُ والزيتُ، والخلُّ طيِّبٌ. قال: فأعاد عليه، فقال له شُريحٌ ذلك ثلاثَ مرارٍ، لا يزيدُه شُريحٌ على ذلك. فقال له: أرأيتَ إن أطعمتُ الخبزَ واللحمَ؟ قال: ذاك أرفعُ طعامِ أهلِك وطعامِ الناس.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجّاجٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُغدِّيهم ويُعشِّيهم؛ خبزًا وزيتًا، أو خبزًا وسمنًا، أو خلًّا وزيتًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1192 (6719) من طريق أبي خالد الأحمر به ببعضه. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (795 - تفسير)، وابن أبي حاتم 4/ 1192 (6718) من طريق الحارث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 313 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو أسامةَ ¬بعده في ت 1: "عن زيد".¥، عن زِبْرِقانَ، [عن أبي رَزينٍ] ¬سقط من: ت 1.¥: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: خبزٌ وزيتٌ وخلٌّ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن هشامٍ، عن ¬في النسخ: "ابن". والصواب ما أثبت.¥ محمدٍ، قال: أكلةٌ واحدةٌ؛ خبزٌ ولحمٌ. قال: وهو من أوسطِ ما تطعِمون أهليكم، وإنكم لتأكُلون الخَبِيصَ ¬الخبيص: الحلواء المخبوصة من التمر والسمن. الوسيط (خ ب ص).¥ والفاكهةَ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، وحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُجْزِئُك أن تُطْعِمَ عشرةَ مساكينَ أكلةً واحدةً؛ خبزًا ولحمًا، فإن لم تَجِدْ فخبزًا وسمنًا ولبنًا، فإن لم تجدْ فخبزًا وخلًّا وزيتًا. حتى يَشْبَعوا ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16078) عن هشام بن حسان به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن زِبْرِقانَ، قال: سألتُ أبا رزَينٍ عن كفارةِ اليمينِ ما يُطْعِمُ؟ قال: خبرًا وخلًّا وزيتًا، من أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم، وذلك قدرُ قُوتِهم يومًا واحدًا.
ثم اختلَف قائلو ذلك في مَبْلَغه؛ فقال بعضهُم: مبلغُ ذلك نصفُ صاعٍ من حِنْطَةٍ، أو صاعٌ من سائرِ الحبوبِ غيرِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن مرةَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ، عن عمرَ ¬في ص: "عمرو".¥، قال: إنى أحلفُ على اليمينِ ثم يبدو لي، فإذا رأيتَني قد فعلتُ ذلك، فأطعِمْ عشَرةَ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ مُدّانِ ¬في ص، ت 2: "مد من".¥ من حِنْطةٍ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ ويعلى، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ، عن يسارِ ¬في ص: "بشار". وينظر تهذيب الكمال 32/ 297.¥ بن نُميرٍ، قال: قال عمرُ: إنى أحْلِفُ أَلَّا أُعطِيَ أقوامًا، ثم يبدو لى أن أُعطيَهم، فإذا رأيتَني فعلتُ ذلك، فأَطْعِمْ عني عشَرةَ مساكينَ، بينَ كلِّ مسكينين ¬في ص، ت 1: "مسكين".¥ صاعًا من برٍّ، أو صاعًا من تمرٍ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (787 - تفسير)، والطحاوى في شرح المعاني 3/ 121، والبيهقى 10/ 55، 56 من طريق أبي معاوية، وابن أبي شيبة ص 7 (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق الأعمش به، وأخرجه عبد الرزاق (16075، 16076)، وسعيد بن منصور في سننه (785، 786 - تفسير)، والطحاوى 3/ 121 من طريق شقيق به.¥.
حدَّثنا هنادٌ ومحمدُ بنُ العلاءِ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن ¬بعده في ص: "عباس".¥ أبي ليلى، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سَلِمةَ، عن عليٍّ، قال: كفارةُ اليمينِ إطعامُ عشرةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من حنطةٍ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16077)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 7، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1191 (6715) من طريق وكيع به، وأخرجه الطحاوى 3/ 121 من طريق ابن أبي ليلى به بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 312 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: نصفُ صاعِ برٍّ كلَّ مسكينٍ ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 7 من طريق مغيرة به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن عبدِ الكريمِ الجزريِّ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جبيرٍ: أجمعُهم؟ قال: لا، أعطِهم مدَّينِ من حنطةٍ؛ مدًّا لطعامِه، ومدًّا لإدامِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عبدِ الكريمِ الجزريِّ، قال: قلتُ لسعيدٍ. فذكَر نحوَه ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 8 عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (16081) عن سفيان به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو زبيدٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "زيد".¥، عن حُصَينٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ عن كفارةِ اليمينِ، فقال: مَكُّوكين ¬المكوك: اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد. النهاية 4/ 350.¥؛ مَكُّوكًا لطعامِه، ومكوكًا لإدامِه ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 8 من طريق حصين به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لكلِّ مسكينٍ مُدَّينِ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لكلِّ مسكينٍ مُدَّينِ من بُرٍّ، في كفارةِ اليمينِ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: مُدَّانِ من طعامٍ لكلِّ مسكينٍ ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من القسم الرابع) ص 8 عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16082) عن سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (793 - تفسير) من طريق خصيف عن مجاهد.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا سعيدُ ¬في م: "سعد".¥ بنُ يزيدَ أبو مسْلمةَ ¬في م: "سلمة".¥، قال: سألتُ جابرَ بنَ زيدٍ عن إطعامِ المساكينِ في كفارةِ اليمينِ، فقال: أَكْلةٌ. قلتُ: فإن الحسنَ يقولُ: مَكُّوكُ بُرٍّ ومكوكُ تمرٍ. فما ترَى في مكوكِ برٍّ؟ فقال: إن مكوكَ بُرٍّ لا، أو مكوكَ تمرٍ ¬في ص، ت 1، ت 3: "بر". ومفهوم كلام جابر بن زيد أنه لا يجزئ مكوك تمر وحده، أو مكوك بر وحده. وهذا ما استحسنه أبو مسلمة إشارة بيده.¥ لا. قال يعقوبُ: قال ابن عُليَّةَ: وقال أبو مَسْلمةَ (3) بيدِه. كأنه يراه حسنًا، وقلَّب أبو بشرٍ ¬في م: "سلمة". وأبو بشر كنية ابن علية.¥ يدَه ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 9 عن ابن علية به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ أنه كان يقولُ في كفارةِ اليمينِ، فيما وجَب فيه الطعامُ: مَكُّوكُ تمرٍ ومكوكُ برٍّ لكلِّ مسكينٍ ¬أخرجه عبد الرزاق في المصنف (16078) عن هشام بنحوه.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسنِ، قال: إن جمعَهم أشبَعهم إشباعةً واحدةً، وإن أعطاهم أعطاهم مكُّوكًا مكُّوكًا.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: وَجْبَةٌ ¬سقط من: س، م، وفى ص، ت:2: "وحسبه"، وفى ت 1، ت 3: "وحسنه" والمثبت من مصدر التخريج وهو الصواب.¥، فإن أعطاهم في أيديهم فمكوكُ برٍّ ومكوكُ تمرٍ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (797 - (تفسير) عن ابن علية به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16079)، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 10 من طريق يونس به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ في كفَّارةِ اليمينِ: نصفُ صاعٍ لكلِّ مسكينٍ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1191 عقب الأثر (6715) معلقًا.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبيه، عن الحكمِ في قولِه: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: إطعامُ نصفِ صاعٍ لكلِّ مسكينٍ ¬تقدم تخريجه في ص 629.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: {أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: نصفُ صاعٍ ¬¥.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، عن قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}. قال: الطعامُ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من تمرٍ أو بُرٍّ ¬¥.
وقال آخرون: بل مَبْلَغُ ذلك من كلِّ شيءٍ من الحبوبِ مدٌّ واحدٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامٍ الدَّستُوائيِّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن زيدِ بن ثابتٍ أنه قال في كفارةِ اليمين: مدٌّ من حنطةٍ لكلِّ مسكينٍ ¬أخرجه ابن أبي شيبة ص 9 (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 9 عن وكيع به، وأخرجه البيهقى 10/ 55 من طريق هشام به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16068) من طريق يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن زيد بن ثابت بلفظ: "مدين". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 312 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال في كفَّارةِ اليمينِ: مدٌّ من حنطةٍ، لكلِّ مسكينٍ ربعُه إدامُه ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 8، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1192 (6716)، والبيهقى 10/ 55 من طريق داود به.¥.
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ نحوَه.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ابن عجلانَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}: لكلِّ مسكينٍ مدٌّ.
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا العمريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: مدٌّ من حنطةٍ لكلِّ مسكينٍ ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 9 من طريق عبيد الله العمرى به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ أنه كان يُكفِّرُ اليمينَ بعشرةِ أمدادٍ، بالمدِّ الأصغرِ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16074) عن يحيى به، وأخرجه مالك 2/ 479، وعبد الرزاق (16073، 16086)، والبيهقى 10/ 55، من طريق نافع به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبيدِ اللهِ، عن القاسمِ وسالمٍ في كفَّارةِ اليمينِ، ما يُطْعِمُ؟ قالا: مدٌّ لكلِّ مسكينٍ ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 9 عن ابن مهدى به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن يحيى بن أبو الأحوصِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمانَ بن يسارٍ، قال: كان الناسُ إذا كفَّر أحدُهم، كفَّر بعشرةِ أمدادٍ، بالمدِّ الأصغرِ ¬أخرجه مالك 2/ 479، وسعيد بن منصور في سننه (789 - تفسير)، والبيهقى 10/ 55 من طريق به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}. قال: عشرةُ أمدادٍ لعشرةِ مساكينَ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16085) عن ابن جريج به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: كان يقالُ: البرُّ والتمرُ؛ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ من تمرٍ، ومدٌّ من برٍّ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16080)، والبيهقى 10/ 55 من طريق قتادة به.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن عطاءٍ، قال: مدٌّ لكلِّ مسكينٍ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: من أوسطِ ما تَعُولونهم. قال: وكان المسلمون رأَوْا أَوْسَط ذلك مُدًّا بمدِّ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن حِنْطةٍ. قال ابن ¬في م: "أبو".¥ زيدٍ: هو الوسطُ مما يَقُوتُ به أهلَه، ليس بأدناه ولا بأرفعِه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بن سالمٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: مُدٌّ ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 7، والبيهقى 10/ 55 من طريق قتادة عن سعيد.¥.
وقال آخرون: بل ذلك غداءٌ وعَشاءٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُغَدِّيهم ويُعَشِّيهم ¬تقدم بتمامه في ص 627.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عمرُ ¬في ت 1: "عمرو".¥ بنُ هارونَ، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بن كعب القُرَظيِّ في كفارةِ اليمينِ، قال: غَداءٌ وعشاءٌ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: يُغَدِّيهم ويُعَشِّيهم ¬أخرجه عبد الرزاق في المصنف (16079) عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 10 من طريق يونس به بلفظ "أو" عند عبد الرزاق، وبلفظ مرة واحدة عند ابن أبي شيبة.¥.
وقال آخَرون: إنما عنَى بقولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: مِن أوسطِ ما يُطْعِمُ المُكفِّرُ أهلَه. قال: إن كان ممَّن يُشْبِعُ أهلَه، أشْبَع المساكينَ العشَرةَ، وإن كان ممَّن لا يُشْبِعُهم لعجزِه عن ذلك، أطْعَم المساكينَ على قدرِ ما يَفْعَلُ مِن ذلك بأهلِه، في عُسْرِه ويُسْرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: إن كنتَ تُشْبِعُ أَهْلَك، فأشْبِعِ المساكينَ، وإلا فعلى ما تُطْعِمُ أَهْلَك بِقَدَرِه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: وهو أن تُطْعِمَ كلَّ مسكينٍ مِن نحوِ ما تُطْعِمُ أهلَك مِن الشِّبَعِ، أو نصفَ صاعٍ مِن بُرٍّ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبي و ¬في النسخ: "عن". والمثبت مما سيأتي في ص 659.¥ إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: من عُسْرِهم ويُسْرِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 (6724) من طريق وكيع، عن إسرائيل به.¥.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: مِن عُسْرهم ويُسْرِهم.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: قُوتُهم.
حدَّثنا هنادٌ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن سليمانَ العَبْسيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: قُوتُهم ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 192 عن الثورى به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (798 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 (6723)، من طريق سليمان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 313 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا أبو حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: ثنا عَنْبَسَةُ، عن سليمانَ بن عُبيدٍ العَبْسيِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: كانوا يُفَضِّلون الحرِّ على العبدِ، والكبيرَ على الصغيرِ، فنزَلَت: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن سالم ¬بعده في ت 1: "وابن".¥ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانوا يُطْعِمون الكبيرَ ما لا يُطْعِمون الصغيرَ، ويُطْعِمون الحرَّ ما لا يُطْعِمون العبدَ، فقال: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: إن كنتَ تُشْبِع أهلَك فأشْبِعْهم، وإن كنتَ لا تُشْبِعهم، فعلى ¬في م، ت 1، ت 2: "فكل".¥ قدرِ ذلك.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَيْبانُ النَّحْويُّ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن ابن عباسٍ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. قال: مِن عُسْرِهم ويُسْرِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 (6724) من طريق جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 313 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: كان الرجلُ يَقُوتُ بعضَ أهلِه قوتًا دونًا، وبعضَهم قوتًا فيه سَعَةٌ، فقال اللهُ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْنَ}: الخبزُ والزيتُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 (6722) عن يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 312 إلى عبد بن حميد.¥.
وأولى الأقْوالِ في تأويلِ قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. عندَنا،
قولُ مَن قال: مِن أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم في القلةِ والكثرةِ، وذلك أن أحكامَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الكفارات كلِّها بذلك ورَدَت، وذلك كحكمِه - صلى الله عليه وسلم - في كفارةِ الحَلْقِ من الأذَى بفَرَقٍ ¬الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهى اثنا عشر مدا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. النهاية 3/ 437.¥ مِن طعامٍ بينَ ستةِ مَساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وكحُكْمِه في كفارةِ الوطْءِ في شهرِ رمضانَ بخمسةَ عشَرَ صاعًا بينَ ستين مسكينًا، لكلِّ مسكينٍ رُبُع صاعٍ ¬أخرجه أحمد 11/ 532 (6944)، والدارقطني 2/ 190، والبيهقى 4/ 226 من حديث أبي هريرة.¥، ولا يُعْرَفُ له - صلى الله عليه وسلم - شيءٌ مِن الكفاراتِ أمَر بإطعامِ خبزٍ وإدامٍ، ولا بغَداءٍ وعَشاءٍ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكانت كفارةُ اليمينِ إحدى الكفاراتِ التي تَلْزَمُ مَن لَزِمَتُه، كان سبيلُها سبيلَ ما تولَّى الحكمَ فيه - صلى الله عليه وسلم -، من أن الواجبَ على مكفِّرِها من الطعامِ، مُقدَّرًا ¬في م: "مقدار".¥ للمساكينِ العشرةِ، محدودًا ¬في م: "محدود".¥ بكيلٍ، دونَ جمعِهم على غَدَاءٍ أو عَشَاءٍ مَخْبوزٍ مَأْدومٍ؛ إذ كانت سنتُه - صلى الله عليه وسلم - في سائرِ الكفاراتِ كذلك.
فإذ كان صحيحًا ما قلنا، مما به اسْتَشْهَدْنا، فبيِّنٌ أن تأويلَ الكلامِ: ولكن يُؤَاخِذُكم بما عقدْتُم الأيمانَ، فكفارتُه إطعامٌ عشرةِ مَساكينَ من أعدلِ إطعامِكم أهليكم. وأن "ما" التي في قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. بمعنى المصدرِ، لا بمعنى الأسماءِ.
وإذا كان ذلك كذلك، فأعْدَلُ أقواتِ الموسِعِ على أهلِه مُدَّان، وذلك نصفُ صاعٍ، في رُبُعِه إدامُه، وذلك أعلى ما حكَم به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في كفارةٍ في إطعامِ مَساكينَ. وأعدلُ أقواتِ المُقترِ على أهلِه مُدٌّ، وذلك ربعُ صاعٍ، وهو أدنى ما حكَم به في كفارةٍ في إطعامِ مساكينَ.
وأما الذين رأَوْا إطعامَ المساكينِ في كفارةِ اليمينِ الخبزَ واللحمَ، وما ذكَرْنا عنهم قبلُ، والذين رأوا أن يُغَدَّوْا أو يُعَشَّوْا، والذين رأَوْا أَن يُغَدَّوْا وَيُعَشَّوْا، فإنهم ذهَبوا إلى تأويلِ قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: من أوسطِ الطعامِ الذي تُطْعِمونه أهليكم. فجعَلوا "ما" التي في قولِه: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} اسمًا لا مصدرًا، فأَوْجَبوا على المكفِّرِ إطعامَ المساكينِ مِن أعدلِ ما يُطْعِمُ أَهْلَه مِن الأغذيةِ، وذلك مذهبٌ، لولا ما ذكَرْنا من سننِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الكفاراتِ غيرِها، التي يَجِبُ إلحاقُ أشكالِها بها، وأن كفارةَ اليمينِ لها نظيرةٌ وشَبيهةٌ - يَجِبُ إلحاقُها بها.
القولُ في تأويلِ قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: فكفارةُ ما عقدْتُم من الأيمانِ إطعامُ عشَرةِ مساكينَ {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. يقول: إما أن تُطْعِموهم أو تكْسُوهم، والخيارُ في ذلك إلى المكفِّرِ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "الكسوةِ" التي عنَى اللهُ بقولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك كسوةَ ثوبٍ واحدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في كسوةِ المساكينِ، في كفارةِ اليمينِ: أدناه ثوبٌ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أدناه ثوبٌ، وأعلاه ما شِئْتَ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16098) عن الثورى به.¥.
حدَّثنا هنادٌ وأبو كُريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن الربيعِ، عن الحسنِ، قال في كفارةِ اليمينِ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}: ثوبٌ لكلِّ مسكينٍ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 عقب الأثر (6727) معلقًا، وينظر مصنف عبد الرزاق (16091، 16092).¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابْنُ مَهْدَيٍّ، عن وُهَيْبٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: ثوبٌ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16100) من طريق ابن طاوس به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبيدةُ، وحدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، جميعًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: ثوبٌ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: ثوبٌ ثوبٌ. قال منصورٌ: القميصُ، أو الرِّداءُ، أو الإزارُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: كسوةُ الشتاءِ والصيفِ؛ ثوبٌ ثوبٌ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: ثوبٌ ثوبٌ لكلِّ مسكينٍ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16085)، عن ابن جريج به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمان ¬في م: "سلمان".¥، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن أبي معْشَرٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: إذا كَساهم ثوبًا ثوبًا أَجْزَأ عنه ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16097) من طريق مغيرة، عن إبراهيم.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ الرازيُّ، عن ابن سِنانٍ، عن حَمَّادٍ، قال: ثوبٌ أو ثَوبان، وثوبٌ لا بدَّ منه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: ثوبٌ ثوبٌ لكلِّ إنسانٍ، وقد كانت العباءةُ تَقْضِى يومَئذٍ من الكِسوةِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 313 إلى المصنف وأبي عبيد وابن المنذر.¥.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: الكِسوةُ عَباءةٌ لكلِّ مسكينٍ أو ¬سقط من ص، ت 1.¥ شَمْلةٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 (6727) من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: ثوبٌ، أو قميصٌ، أو رِداءٌ، أو إزارٌ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إن اخْتارَ صاحبُ اليمينِ الكِسوةَ، كَسَا عشَرةَ أَناسِيَّ؛ كلَّ إنسانٍ عَباءةً.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيحٍ، قال: سَمِعْتُ عطاءً يقولُ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}: الكِسْوةُ ثوبٌ ثوبٌ.
وقال بعضُهم: عنَى بذلك الكِسوةَ ثوبَين ثوبَين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبيدةُ، وحدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، جميعًا عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: عَباءةٌ وعِمامةٌ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (801 - تفسير) من طريق داود به.¥.
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: عِمامَةٌ يَلُفُّ بها رأسَه، وعباءةٌ يَلْتَحِفُ بها ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16095) عن سفيان به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأَنصاريُّ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ وابنِ سيرينَ، قالا: ثَوبين ثَوبين ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16091) من طريق هشام، عن الحسن، وفي (16093) من طريق أيوب، عن ابن سيرين.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: ثَوبَين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريب وهنادٌ، قالا: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن يونُسَ بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ، قال: ثَوبان ثَوبان لكلِّ مِسْكينٍ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن ابن سِيرينَ، عن أبي موسى، أنه حلَف على يمينٍ، فكسا ثوبين مِن مُعَقَّدةِ ¬المُعَقَّد: ضرب من برود هجر. اللسان (ع ق د).¥ البَحْرَيْنِ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16094) من طريق عاصم به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (799 - تفسير) - ومن طريقه البيهقى 10/ 56 - من طريق سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16093) من طريق أيوب، عن ابن سيرين.¥.
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن سِيرينَ، أن أبا موسى كسَا ثوبين مِن مُعَقَّدَةِ البَحْرَيْنِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1194 (6728) من طريق يزيد بن إبراهيم به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ ¬بعده في م، ت 1، ت 3: "بن عبد الأعلى".¥، أن أبا موسى الأشعريَّ حلَف على يمينٍ فرأَى أن يُكَفِّرَ ففعَل، وكَسَا عشَرةً ثوبين ثوبين ¬أخرجه عبد الرزاق في المصنف (16101) عن هشام به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن هشامٍ، عن محمدٍ، أن أبا موسى حلَف على يمينٍ فكفَّر، فكَسَا عشَرَةَ مَساكينَ ثوبين ثوبين.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: عبَاءةٌ وعِمامةٌ لكلِّ مسكينٍ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (800 - تفسير) عن هشيم.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَه ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 عقب الأثر (6727) معلقًا.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، قال: قال رجلٌ عندَ سعيدِ بن المسيبِ: (أو كَأُسْوَتِهِمْ) ¬قراءة شاذة، قرأ بها سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع اليماني. ينظر تفسير القرطبي 6/ 279، والبحر المحيط 4/ 11.¥. فقال سعيدٌ: لا، إنما هي {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: فقلتُ: يا أبا محمدٍ، ما كسوتُهم؟ قال: لكلِّ مسكينٍ عباءةٌ وعِمامةٌ؛ عَباءةٌ يَلْتَحِفُ بها، وعِمامةٌ يَشُدُّ بها رأسَه ¬في ص، ت 1، س: "سلمان".¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ¬في س: "المفضل".¥، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: الكسوةُ لكلِّ مسكينٍ رداءٌ وإزارٌ، كنحوِ ما يَجِدُ مِن المَيْسَرةِ والفاقةِ.
وقال آخَرون: بل عنَى بذلك: {كِسْوَتُهُمْ}: ثوبٌ جامعٌ؛ كالمِلْحَفةِ والكِساءِ، والشيءِ الذي يَصْلُحُ للُّبْسِ والنومِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن مُغِيرةَ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ، قال: الكسوةُ ثوبٌ جامِعٌ.
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابن فُضَيلٍ ¬¥، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: ثوبٌ جامعٌ. قال: وقال مُغِيرةُ: والثوبُ الجامعُ المِلْحفةُ أو الكِساءُ أو نحوُه، ولا نَرَى الدِّرْعَ والقميصَ والخِمارَ ونحوَه جامعًا.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ثوبٌ جامعٌ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16097) عن سفيان، عن مغيرة به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ثوبٌ جامعٌ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: ثوبٌ جامعٌ لكلِّ مسكينٍ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ وشعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}. قال: ثوبٌ جامعٌ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (802 - تفسير) عن هشيم به.¥.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ مثلَه.
وقال آخَرون: عنَى بذلك كِسوةَ إزارٍ ورداءٍ أو قميصٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، عن بُرْدٍ ¬في النسخ: "بردة"، وتقدم على الصواب في 6/ 610، وينظر تهذيب الكمال 4/ 43.¥، عن نافعٍ ¬في ص، ت 1، س: "رافع".¥، عن ابن عمرَ، قال في الكسوةِ في الكفَّارة: إزارٌ، ورداءٌ، وقميصٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1193 (6726) من طريق برد به.¥.
وقال آخرون: كلُّ ما كَسَا فيُجْزِئُ، والآيةُ على عمومِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: يُجْزِئُ في كفَّارةِ اليمينِ كلُّ شيءٍ إلا التُّبَّانَ ¬التبان: سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين. اللسان (ت ب ن).¥.
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن الحسنِ، قال: يُجزِئُ عِمامةٌ في كفَّارةِ اليمينِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أُوَيْسٍ الصَّيْرَفيِّ، عن أبي الهيثمِ، قال: قال سلمانُ: نِعْمَ الثوبُ التُّبَّانُ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشَّيْبانيِّ، عن الحَكَمِ، قال: عمامةٌ يَلُفُّ بها رأسَه.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصحةِ وأشبهُها بتأويلِ القرآنِ قولُ من قال: عنى بقولِه: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}: ما وقَع عليه اسمُ كِسوةٍ، مما يَكُونُ ثوبًا فصاعدًا؛ لأن ما دونَ الثوبِ لا خلافَ بينَ جميعِ الحُجَّةِ أنه ليس مما دخَل في حكمِ الآيةِ، فكان ما دونَ قدرِ ذلك خارجًا مِن أن يَكُونَ اللهُ تعالى ذكرُه عناه بالنقل المُسْتفِيضِ، والثوبُ وما فوقَه داخلٌ في حكمِ الآيةِ، إذ لم يَأْتِ مِن اللهِ تعالى وحيٌ، ولا مِن رسولِه - صلى الله عليه وسلم - خبرٌ، ولم يَكُنْ مِن الأمةِ إجماعٌ بأنه غيرُ داخلٍ في حكمِها، وغيرُ جائزٍ إخراجُ ما كان ظاهرُ الآيةِ مُحْتَمِلَه من حكمِ الآيةِ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ بذلكَ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: أو فكُّ عبدٍ مِن أسْرِ العُبُودةِ وذُلِّها.
وأصلُ التحريرِ الفكُّ من الأسْرِ، ومنه قولُ الفرزدقِ بن غالبٍ ¬ديوانه ص 726.¥:
أبَنِي غُدَانَةَ إِنَّنِي حَرَّرْتُكُم ... فَوَهَبْتُكُمْ لعَطِيَّةَ بن جِعَالِ
يعنى بقوله: حرَّرتُكم: فَكَكْتُ رِقابَكم مِن ذلِّ الهِجاءِ ولُزُومِ العارِ.
وقيل: {تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. والمحرَّرُ ذو الرقبةِ؛ لأن العربَ كان مِن شأنِها إذا أسَرَت أسيرًا أن تَجْمَعَ يَدَيه إلى عنقِه بقِدٍّ ¬في م: "بقيد". والقد السير يُقَدُّ من الجلد لخصف النعال أو نحو ذلك. الوسيط (ق د د).¥ أو حبلٍ أو غيرِ ذلك، وإذا أطْلَقَتْه مِن الأسرِ أطْلَقَت يَدَيْه وحلَّتهما مما كانتا به مشدودَتَين إلى الرقبةِ. فجرَى الكلامُ عندَ إطلاقِهم الأسيرَ، بالخبرِ عن فكِّ يديه من رقبتِه، وهم يُريدون الخبرَ عن إطلاقِه من أسرِه، كما يُقالُ: قبَض فلانٌ يدَه عن فلانٍ. إذا أمسَك يدَه عن نَوالِه، و: بسَط فيه لسانَه. إذا قال فيه سوءًا. فيُضافُ الفعلُ إلى الجارحةِ التي يَكُونُ بها ذلك الفعلُ دونَ فاعلِه؛ لاستعمالِ الناسِ ذلك بينَهم، وعلمِهم بمعنى ذلك.
فكذلك ذلك في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. أُضيف التحريرُ إلى الرقبةِ وإن لم يَكُنْ هنالك غُلٌّ في رقبتِه، ولا شَدُّ يَدٍ إليها، وكان المرادُ بالتحريرِ نفسَ العبدِ، بما وصَفنا من جَرَّا ¬أي من جراء، بمعنى من أجل، وهما لغتان.¥ استعمالِ الناسِ ذلك بينهم، لمعرفتِهم بمعناه.
فإن قال قائلٌ: أفكلُّ الرقابِ معنيٌّ بذلك أو بعضُها؟
قيل: بل معنيٌّ بذلك كلُّ رقبةٍ كانت سليمةَ من الإقعادِ والعَمَى والخَرَسِ، وقطعِ اليدين أو شَلَلِهما، والجنونِ المطبِقِ، ونظائرِ ذلك، فإن مَن كان به ذلك أو شيءٌ منه من الرقابِ، فلا خلافَ بينَ الجميعِ مِن الحجةِ أنه لا يُجْزِئُ في كفَّارِةِ اليمينِ، فكان معلومًا بذلك أن الله تعالى ذكرُه لم يَعْنِه بالتحريرِ في هذه الآيةِ. فأما الصغيرُ والكبيرُ والمسلمُ والكافرُ، فإنهم مَعْنِيُّون به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: [ثنا هشيمٌ، عن] ¬سقط من: النسخ، والمثبت هو الصواب.¥ مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كان يقولُ: مَن كانت عليه رقبةٌ واجبةٌ، فاشْتَرَى نَسَمةً، قال: إذا أنقَذها مِن عملٍ أجزَأَته، ولا يَجوزُ عتقُ مَن لا يَعْمَلُ، فأما الذي يَعْمَلُ؛ كالأعورِ ونحوِه، وأما الذي لا يَعْمَلُ فَلا يُجْزِئُ؛ كالأعمى والمُقْعَدِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 12، 13 عن هشيم به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: كان يُكْرَهُ عتقُ المُخَبَّلِ ¬المخبل: المجنون. التاج (خ ب ل).¥ في شيءٍ مِن الكفاراتِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة ص 13 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن هشيم به.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كان لا يَرَى عتقَ المغلوبِ على عقلِه يُجْزِئُ في شيءٍ مِن الكفاراتِ.
وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُ في الكفَّارةِ مِن الرقابِ إلا صحيحٌ، ويُجْزِئُ الصغيرُ فيها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: لا يُجْزِئُ في الرقبةِ إلا صحيحٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 313 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: يُجْزِئُ المولودُ في الإسلامِ مِن رقبةٍ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان في القرآنِ من "رقبةٍ مؤمنةٍ"، فلا يُجْزِئُ إلا ما صام وصلَّى، وما كان ليس بمؤمنةٍ فالصبيُّ يُجْزِئُ.
وقال بعضُهم: لا يُقالُ للمولودِ: رقبةٌ. إلا بعد مدةٍ تَأْتِى عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ يزيدَ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا بن أبى زائدةَ، عن محمدِ بن شُعَيْبِ بن شَابُورَ، عن النعمانِ بن المنذرِ، عن سليمانَ، قال: إذا وُلِد الصىيُّ فهو نَسَمةٌ، وإذا انْقَلَب ظهرًا لبطنٍ فهو رقبةٌ، وإذا صلَّى فهو مؤمنةٌ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن الله تعالى عمَّ بذكرِ الرقبةِ كلَّ رقبةٍ، فأيَّ رقبةٍ حرَّرها المكفِّرُ يمينَه في كفارتِه، فقد أدَّى ما كُلِّف، إلا ما ذكَرْنا أن الحجةَ مُجْمِعةٌ على أن الله تعالى لم يَعْنِه بالتحريرِ، فذلك خارجٌ مِن حكمِ الآيةِ، وما عدا ذلك فجائزٌ تحريرُه في الكفارةِ بظاهرِ التنزيلِ.
والمكفَّرُ مُخيَّرٌ في تكفيرِ يمينهِ التي حنِث فيها، بإحدى هذه الحالاتِ الثلاثِ التي سمَّاها اللهُ في كتابِه؛ وذلك إطعامُ عشَرةِ مَساكينَ مِن أوسطِ ما يُطْعِمُ أهلَه، أو كسوتُهم، أو تحريرُ رقبةٍ، بإجماعٍ مِن الجميعِ، لا خلافَ بينَهم في ذلك.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ما قلنا مِن أن ذلك إجماعٌ مِن الجميع ليس كما قلنا؛ لِمَا حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك بن أبى الشَّوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ، قال: ثنا أبو الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: جاء مَعْقِلُ ¬في م: "نعمان".¥ بنُ مُقَرِّنٍ إلى عبدِ اللهِ، فقال: إنى آلَيْتُ مِن النساءِ والفِراشِ. فقرَأ عبدُ اللهِ هذه الآيةَ: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87]. قال: فقال مَعْقِلٌ ¬في م: "نعمان".¥: إنما سألْتك أن ¬في م: "الكوني".¥ أَتَيْتُ على هذه الآيةِ الليلةَ؟ فقال عبدُ اللَّهِ: ائْتِ النساءَ ونَمْ، وأَعْتِقْ رقبةً، فإنك مُوسِرٌ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (772 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1187 (6690)، والطبراني في الكبير (8907، 8908)، والحاكم 2/ 313، من طريق أبى الضحى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 309 إلى ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثني جَريرُ بنُ حازمٍ، أن سليمانَ الأعمشَ حدَّثه عن إبراهيمَ بن يزيدَ النَّخَعيِّ، عن همامِ بن الحارثِ [عن عمرِو بن شرحبيلَ، أن مَعْقِلَ] ¬في النسخ: "أن نعمان". والمثبت مما تقدم في 6/ 609.¥ بنَ مُقَرِّنٍ سأَل عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ، فقال: إني حلَفْتُ أَلَّا أنامَ على فِراشي سنةً؟ فقال ابن مسعودٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}. كفِّرْ عن يمينِك، ونَمْ على فراشِك. قال: بم أُكَفِّرُ عن يميني؟ قال: أَعْتِقْ رقبةً فإنك مُوسِرٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1187 (6690) من طريق الأعمش به، وهو تتمة الأثر تقدم تخريجه 6/ 609.¥.
ونحوُ هذا مِن الأخبارِ التي رُوِيَت عن ابن مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهما، فإن ذلك منهم كان على وجهِ الاسْتِحبابِ لمن أمَروه بالتكفيرِ بما أمَروه به بالتكفيرِ مِن الرقابِ، لا على أنه كان لا يُجْزِئُ عندَهم التكفيرُ للمُوسِرِ إلا بالرقبةِ؛ لأنه لم يَنْقُلْ أحدٌ عن أحدٍ منهم أنه قال: لا يُجْزِئُ المُوسِرَ التكفيرُ إلا بالرقبةِ.
والجميعُ من علماءِ الأمصارِ قديمِهم وحديثِهم مُجْمِعون على أن التكفيَر بغيرِ الرقابِ جائزٌ للمُوسِر، ففى ذلك مُكْتَفًى عن الاسْتِشهادِ على صحةِ ما قلنا في ذلك بغيرِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: فمن لم يَجِدْ لكفارةِ يمينِه التي لزِمه تكفيُرها مِن الطعامِ والكِسوِة والرقابِ ما يُكَفِّرُها به، على ما فرَضْنا عليه، وأَوْجَبْناه في كتابِنا، وعلى لسانِ رسولِنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}. يقولُ: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ.
ثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في معنى قولِه: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ}. ومتى يَسْتَحِقُّ الحانثُ في يمينِه الذي قد لزِمَته الكفارةُ اسمَ غيرِ واجدٍ، حتى يَكونَ ممَّن له الصيامُ في ذلك؟ فقال بعضُهم: إذا لم يَكُنْ للحانثِ في وقتِ تكفيرِه عن يمينِه إلا قدرُ قوتِه وقوتِ عِيالِه يومَه وليلتَه، فإنَّ له أن يُكَفِّرَ، بالصيامِ، فإن كان عندَه في ذلك الوقتِ قوتُه وقوتُ عيالِه يومَه وليلتَه، ومِن الفضلِ ما يُطْعِمُ عشَرةَ مَساكينَ أو ما يَكْسُوهم، لزِمه التكفيرُ بالإطعامِ أو الكسوةِ، ولم يُجْزِه الصيامُ حينَئذٍ. ومَّمن قال ذلك الشافعيُّ، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ.
وهذا القولُ قصَد إن شاء اللَّهُ مَن ¬في م، ت 2، ت 3: "ممن".¥ أَوْجَب الطعامَ على مَن كان عندَه درهمان، ومَن ¬في م، ت 2، ت 3: "لعمر".¥ أوْجَبه على مَن عندَه ثلاثةُ دَراهمَ.
وبنحوِ ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: إذا لم يَكُنْ له إلا ثلاثةُ دراهمَ أطْعَم. قال: يعني في الكفارةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: قلت لمعمرِ ¬سقط من: ص، ت 1.¥ بن راشدٍ: الرجلُ ¬¥ يَحْلِفُ، ولا يَكونُ عندَه مِن الطعامٍ إلا بقدرِ ما يُكَفِّرُ. قال: كان قتادةُ يقولُ: يَصومُ ثلاثةَ أيامٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا يونُسُ بن عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: إذا كان عندَه درهمان.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُعْتَمرُ، عن حمادٍ، عن عبدِ الكريمِ بن ¬سقط من: ص.¥ أبى أميةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ثلاثةُ دراهمَ.
وقال آخَرون: جائزٌ لمن لم يَكُنْ عندَه مِائَتا درهمٍ أن يصومَ، وهو ممَّن لا يَجِدُ.
وقال آخَرون: جائزٌ لمن لم يَكُنْ عندَه فضلٌ عن رأسِ مالِه يَتَصَرَّفُ به لمَعاشِه ما يُكَفِّرُ به بالإطعام، أن يَصومَ، إلا أن يَكونَ له كِفايةٌ مِن المالِ ما يَتَصَرُّفُ به لمَعاشِه، ومِن الفضلِ عن ذلك ما يُكَفِّرُ به عن يمينِه. وهذا قولٌ كان يقولُه بعضُ مُتأَخِّرى المتفقِّهةِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن مَن لم يكنْ عندَه في حالِ حِنْثِه في يمينِه إلا قدرُ قوتِ وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، لا فضلَ له عن ذلك، يصومُ ثلاثةَ أيامٍ، وهو ممَّن دخَل في جملةِ مَن لا يَجِدُ ما يُطْعِمُ أو يَكْسُو أو يُعْتِقُ. وإن كان عندَه في ذلك الوقتِ مِن الفضلِ عن قوتِه وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، ما يُطْعِمُ، أو يَكْسُو عشَرةَ مَساكينَ، أو يُعْتِقُ رقبةً، فلا يُجزئُه حينَئذٍ الصومُ؛ لأن إحدى الحالاتِ الثلاثِ حينَئذٍ - مِن إطعامٍ أو كسوةٍ أو عتقٍ - حقُّ قد أَوْجَبه اللهُ تعالى في مالِه وجوبَ الدَّيْنِ، وقد قامَت الحجةُ بأن المُفْلِسَ إذا فرَّق مالَه بينَ غُرمائِه، أنه لا يَتْرُكُ ذلك اليومَ إلا ما لا بدَّ له مِن قوتِه وقوتِ عيالِه يومَه وليلتَه، فكذلك حكمُ المُعْدَمِ بالدَّيْنِ، الذي أَوْجَبه اللهُ تعالى في مالِه، بسببِ الكفارةِ التي لزِمت مالَه.
واختلف أهلُ العلمِ في صفةِ الصومِ الذي أوجبه اللهُ في كفارةِ اليمينِ؛ فقال بعضُهم: صفته أن يكونَ مُواصِلًا بينَ الأيامِ الثلاثةِ غيرَ مُفَرِّقها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلّ صومٍ في القرآنِ فهو مُتتابِعٌ إلا قضاءَ رمضانَ ¬بعده في م: "فإنه عدة من أيام أخر".
والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16105) عن سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 30 من طريق ليث به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (16104) عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: كان أبيُّ بنُ كعبٍ يقرأُ: (فصيامُ ثلاثةٍ أيامٍ متُتابعاتٍ).
حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بن موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ أنه كان يقرأُ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) ¬أخرجه البيهقى 10/ 60 من طريق عبيد الله بن موسى به، وأخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 30 من طريق أبى جعفر به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن قَزَعَةَ، عَنْ ¬ف م، ت 2: "بن". وينظر تهذيب الكمال 23/ 593.¥ سُوَيْدٍ، عَن سَيفِ بن سليمانَ، عن مجاهدٍ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: (فَصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن عونِ، عن إبراهيمَ، قال: في قراءتِنا: (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعاتٍ) ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (804 - تفسير)، والبيهقى 10/ 60 من طريق ابن عون به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ابن عونٍ، عن إبراهيمَ مثلَه ¬أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 30 عن ابن علية به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: في قراءةِ أصحابِ عبدِ اللهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ).
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ: قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ، عن معمرٍ، عن أبي ¬في النسخ: "ابن".¥ إسحاقَ: في قراءة عبدِ اللَّهِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11603) عن معمر به.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حميدٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، قال: كان أصحابُ عبدِ اللَّهِ يقرَءون: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ) ¬¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: سمِعت سفيانَ يقولُ: إذا فرَّق صيامَ ثلاثةِ أيامٍ لم يُجْزِه. قال: وسمِعته يقولُ في رجلٍ صام في كفارةِ يمينٍ ثم أفطَر: قال: يَسْتَقْبِلُ الصومَ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ}. قال: إذا لم يَجِدْ طعامًا، وكان في بعضِ القراءةِ: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتتابعاتٍ). وبه كان يَأْخُذُ قتادةُ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هو بالخيارِ في هؤلاء الثلاثةِ، الأوَّلَ فالأوّلَ، فإن لم يَجِدْ من ذلك شيئًا، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ ¬أخرجه البيهقى 10/ 59، 60 من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
وقال آخرون: جائزٌ لمن صامهن أن يَصُومهن كيف شاء، مُجتمِعاتٍ ومُفْترِقاتٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا أَشْهَبُ، قال: قال مالكٌ: كلُّ ما ذكَر اللهُ في القرآنِ مِن الصيامِ، فأن يُصامَ تباعًا أَعْجَبُ، فإن فرَّقها رَجَوْتُ أَن تُجْزِئَ عنه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى أوجَب على من لَزِمَتْه كفارةٌ في يمينٍ إذا لم يجِدْ إلى تكفيرِها بالإطعامِ أو الكِسْوةِ أو العتقِ سبيلًا، أن يُكَفِّرَها بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ، ولم يَشْرِطْ في ذلك مُتتابعةً، فكيفما صامهن المُكَفِّرُ، مفرّقةً ومُتتابِعةً، أجْزأه؛ لأن الله تعالى إنما أوجب عليه صيامَ ثلاثةِ أيامٍ، فكيفما أتَى بصومِهن أجْزَأ.
فأما ما رُوِيَ عن أُبيٍّ وابنِ مسعودٍ من قراءتِهما: (فصِيامُ ثلاثةِ أيامٍ مُتَتابِعاتٍ) أفذلك خلافُ ما في مصاحفِنا، وغيرُ جائزٍ لنا أن نَشْهدَ بشيءٍ ليس في مصاحفِنا مِن الكلامِ أنه مِن كتابِ اللهِ، غيرَ أنِّى أختارُ للصائمِ في كفَّارِةِ اليمينِ أن يُتابعَ بينَ الأيامِ الثلاثةِ ولا يُفَرِّقَ؛ لأنه لا خلافَ بينَ الجميعِ أنه إذا فعَل ذلك فقد أجزَأ ذلك عنه مِن كفَّارتِه، وهم في غيرِ ذلك مُخْتلِفون، ففِعْلُ ما لا يُخْتَلَفُ في جوازِه أحبُّ إليَّ، وإن كان الآخرُ جائزًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {ذَلِكَ}: هذا الذي ذكرتُ لكم أنه كَفَّارةُ أيمانِكم مِن إطعامِ العَشَرةِ المساكينِ، أو كِسْوَتِهم، أو تحريرِ الرقبةِ، وصيامِ الثلاثةِ الأيامِ إذا لم تجِدوا من ذلك شيئًا - هو كفارةُ أيمانِكم التي عقدتموها إذا حلَفتُم، {وَاحْفَظُوا} أيها الذين آمنوا {أَيْمَانَكُمْ} أن تَحْنِثوا فيها، ثم تُضَيِّعوا الكفارةَ فيها، بما وَصَفْتُه لكم، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ}. كما بَيَّنَ لكم كفارةَ أيمانِكم، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ} جميع {آيَاتِهِ}، يعنى: أعلامَ دينِه، فيوضِّحُها لكم؛ لئلا يقولَ المُضيِّعُ المُفَرِّطُ فيما ألزمه اللهُ: لم أعْلَمْ حُكْمَ اللهِ في ذلك. و {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقولُ: لتشكروا اللَّهَ على هدايتِه إياكم، وتوفيقِه لكم.

تفاسير بلغات أخرى · 8