تفسير هذه الآية

السورة 6 : الآية 100

السورة 6 : الآية 100

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: وجعَل هؤلاء العادِلون بربِّهم الآلهةَ والأندادَ للهِ شركاءَ الجنَّ. كما قال جل ثناؤُه: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158].
وفي {الْجِنَّ} وجهان مِن النصبِ؛ أحدُهما: أن يكونَ تفسيرًا للشركاءِ ¬التفسير هنا هو البدل.¥.
والآخرُ: أن يكونَ معنى الكلامِ: وجعَلوا للهِ الجنَّ شركاءَ وهو خالقُهم.
واخْتَلَفوا في قراءةِ قولِه: {وَخَلَقَهُمْ}، فقرَأَته قرأَةُ الأمصارِ: {وَخَلَقَهُمْ}. على معنى أن اللهَ خَلَقَهم مُنْفَرِدًا بخلقِه إياهم.
وذُكِر عن يحيى بنِ يَعْمَرَ ما حدَّثني به أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن هارونَ، عن واصلٍ مولى أبى عُيَيْنةَ، عن يحيى بنِ عَقيلٍ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه قال: (شُرَكَاءَ الجنَّ وخَلْقَهم). بجزمِ اللامِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 37 إلى أبي الشيخ. وذكر هذه القراءة عنه ابن خالويه في مختصر الشواذ ص 45، وهي كذلك في مصحف عبد الله. البحر المحيط 4/ 194.¥.
بمعنى أنهم قالوا: إن الجنَّ شركاءُ للهِ في خلقِه إيانا.
وأولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: {وَخَلَقَهُمْ}؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها.
وأما قولُه: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. فإنه يعني بقولِه: {خَرَقُوا}: اخْتَلَقوا، يقالُ: اخْتَلَق فلانٌ على فلانٍ كذبًا واخْتَرَقه، إذا افْتَعَله وافْتَراه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ}: واللهُ خَلَقَهم، {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ} يعني: أَنهم تَخَرَّصوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1360 (7716، 7718) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 36 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قال: جَعَلوا له بنينَ وبناتٍ ¬بعده في م، س: "بغير علم".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1360 (7719) عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قال: كَذَبوا ¬تفسير مجاهد ص 326، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1360 (7721) وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 37 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ}: كَذَبوا، {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}: عما يَكْذِبون، أما العربُ فجعَلوا له البناتِ، ولهم ما يَشْتَهون مِن الغِلْمَانِ، وأما اليهودُ فجعَلوا بينَه وبينَ الجِنَّةِ نسبًا، ولقد علِمَت الجِنَّةُ إنهم لَمُحْضَرون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1361، 1362 (7723، 7729) من طريق خالد بن قيس عن قتادة بلفظ آخر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 37 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قال: خرَصوا له بنينَ وبناتٍ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 215.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. يقولُ: قطَعوا له بنينَ وبناتٍ، قالت العربُ: الملائكةُ بناتُ اللهِ. وقالت اليهودُ والنصارى: المسيحُ وعُزَيْرٌ ابنا اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1360، 1361، (7720، 7724) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قال: {خَرَقُوا}: كذَبوا. لم يَكُنْ للهِ بنون ولا بناتٌ، قالت النصارى: المسيحُ ابْنُ اللهِ. وقال المشركون: الملائكةُ بناتُ اللهِ. فكلٌّ خرَقوا الكذبَ، {وَخَرَقُوا}: اخْتَرَقوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1361 (7725) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ}. قال: قولُ الزَّنادقةِ. {وَخَرَقُوا لَهُ}. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: {وَخَرَقُوا}: كذَبوا.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ}. قال: وصَفوا له ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1361 (7722) من طريق أبي أسامة به.¥.
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن أبي عمرٍو ¬في م: "عمر".¥: {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ}. قال: تفسيرُها: وكذَبوا.
فتأويلُ الكلامِ إذن: وجعَلوا للهِ الجنَّ شركاءَ في عبادتِهم إياه، وهو المنفردُ بخلقِهم بغيرِ شريكٍ ولا مُعينٍ ولا ظَهيرٍ، {وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ}. يقولُ: وتخَرَّصوا لله كذبًا، فافْتَعَلوا له بنين وبناتٍ، بغيرِ علمٍ منهم بحقيقةِ ما يقولون، ولكن جهلًا باللهِ وبعظمتِه، وأنه لا يَنْبَغِي لمَن كان إلهًا أن يكونَ له بنون وبناتٌ ولا صاحبةٌ، ولا أن يَشْرَكَه في خلقِه شَريكٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: تنَزَّه اللهُ وعلا، فارْتَفَع عن الذي يَصِفُه به هؤلاء الجَهَلَةُ مِن خلقِه، في ادِّعائِهم له شركاءَ مِن الجنِّ، واخْتراقِهم له بنينَ وبناتٍ، وذلك لا يَنْبَغي أن يَكونَ مِن صفتِه؛ لأن ذلك مِن صفةِ خلقِه الذين يَكونُ منهم الجِماعُ الذي يَحْدُثُ عنه الأولادُ، والذين تَضْطَرُّهم لضعفِهم الشهواتُ إلى اتخاذِ الصاحبةِ لقضاءِ اللذاتِ، وليس اللهُ تعالى ذكرُه بالعاجزِ، فيَضْطَرَّه شيءٌ إلى شيءٍ، ولا بالضعيفِ المحتاجِ فتَدْعُوَه حاجتُه إلى النساءِ إلى اتخاذِ صاحبةٍ لقضاءِ لذةٍ.
وقولُه: {وَتَعَالَى}: تَفاعَل، من العلوِّ والارتفاعِ.
ورُوِي عن قتادةَ في تأويلِ قولِه: {عَمَّا يَصِفُونَ}. أنه: يَكْذِبون.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ}: عما يَكْذِبون ¬جزء من الأثر المتقدم تخريجه في ص 455.¥.
وأَحْسَبُ أن قتادةَ عنى بتأويلِه ذلك كذلك أنهم يَكْذِبون في وصفِهم اللهَ بما كانوا يَصِفونه به ¬سقط من: م.¥، مِن ادِّعائِهم له بنين وبناتٍ، لا أنه وجَّه تأويلَ الوصفِ إلى الكذبِ.

تفاسير بلغات أخرى · 5