تفسير هذه الآية

السورة 6 : الآية 103

السورة 6 : الآية 103

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ

تفسير ابن كثير

{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)}.

وقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} فيه أقوال للأئمة من السلف:

(أحدها) لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من غير ما طريق ثابت، في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدًا أبصر ربه فقد كذب، وفي رواية على الله، فإن الله تعالى قال: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} رواه ابن أبي حاتم: من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش به، وسنده حسن.¥، ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه ¬صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم "أمين. . ." (ح 3234).¥.

وخالفها ابن عباس، فعنه: إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله.

وقال ابن أبي حاتم: ذَكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحيى بن معين، قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} قال هذا في الدنيا ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥.

وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله، أنه قال نحو ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه وسنده حسن.¥.

وقال آخرون: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} أي: جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة.

وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من هذه الآية، أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل، بما دلّ عليه كتاب الله وسنّة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة] وقال تعالى عن الكافرين: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)} [المطففين].

قال الإمام الشافعي: فدلّ هذا، على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. أما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال وغير واحد من الصحابة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العرصات وفي روضات الجنّات ¬أخرج الإمام مسلم عدة أحاديث بنحوه من حديث عبد الله بن قيس وصهيب الرومي وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة (الصحيح، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى ح 180 - 181)، وباب معرفة طريق الرؤية (ح 182 - 183).¥، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.

وقيل: المراد بقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} أي: العقول، رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي حصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة، أنه قال ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥، وهذا غريب جدًا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله أعلم.

وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟

فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلّا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى.

وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] وفي صحيح مسلم: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" ¬صحيح مسلم، الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (ح 486).¥ ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا.

قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.¥.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: فكلها ترى؟ ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥.

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في الآية: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} وهو أعظم من أن تدركه الأبصار ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به.¥.

وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة] قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به، من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو عرفجة وهو عمير بن عرفجة الكوفي، سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.¥.

وورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم ههنا، فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث السهمي، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفًا واحدًا، ما أحاطوا بالله أبدًا" ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.¥. غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.

وقال آخرون في قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب السنة له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه أيضًا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه تبارك وتعالى، فقلت: أليس الله يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} الآية، فقال لي: لا أم لك، ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي رواية لا يقوم له شيء ¬أخرجه الترمذي (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة النجم (ح 3279)، وابن أبي عاصم (السنة ح 437)، وابن أبي حاتم والحاكم (المستدرك 2/ 306)، وفي سنده الحكم بن أبان صدوق له أوهام كما في (التقريب ص 174)، وله شاهد من حديث أُبي أخرجه مسلم (الصحيح، الإيمان، باب قوله - عليه السلام - نور أنى أراه ح 178)، ويشهد له أيضًا الحديث التالي.¥، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفي معنى هذا الأمر، ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - مرفوعًا: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور - أو النار - لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ¬أخرجه مسلم، الإيمان، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لا ينام" (ح 179).¥.

وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، أي: تدعثر.

وقال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه، تعالى وتقدس وتنزه، فلا تدركه الأبصار.

ولهذا كانت أُم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، تثبت الرؤية في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} ¬تقدم حديثها في بداية تفسير هذه الآية.¥ فالذي نفته الإدراك، الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال، على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة، ولا لشيء.

وقوله: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه، لأنه خلقها كما قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك] وقد يكون عبر بالإبصار عن المبصرين، كما قال السدي: في قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.

وقال أبو العالية في قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} قال: اللطيف لاستخراجها، الخبير بمكانها ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربغ بن أنس عن أبي العالية.¥، والله أعلم، وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن لقمان فيما وعظ به ابنه {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)} [لقمان].

تفاسير بلغات أخرى · 6