تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وحلَف باللهِ هؤلاء العادِلون باللهِ جَهْدَ حَلِفِهم - وذلك أوكدُ ما قدَروا عليه من الأيمانِ وأصعبُها وأشدُّها- {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ}، يقولُ: قالوا: نُقْسِمُ باللهِ لئن جاءَتْنا آيةٌ تُصَدِّقُ ما تَقولُ يا محمدُ، مثلُ الذي جاء مَن قبلَنا من الأممِ، {لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا}. يقولُ: قالوا: لَنُصَدِّقَنَّ بمجيئِها بك، وأنك للهِ رسولٌ مُرْسَلٌ، وأن ما جئْتَنا به حقٌّ مِن عندِ اللهِ.
وقيل: {لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا}. فَأَخْرَج الخبرَ عن الآيةِ، والمعنى لمجيءِ الآيةِ.
يقولُ لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ}. وهو القادرُ على إتيانِكم بها دونَ كلِّ أحدٍ من خلقِه، {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}. يقولُ: وما يُدْرِيكم، {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}؟
وذُكِر أن الذين سأَلوه الآيةَ مِن قومِه هم الذين آيَس اللهُ نبيَّه مِن إيمانِهم مِن مشركي قومِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا}. إلى قولِه: {يَجْهَلُونَ}: سأَلت قريشٌ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يَأْتِيَهم بآيةٍ، واسْتَحْلَفَهم لَيُؤْمِنُنَّ بها ¬تفسير مجاهد ص 326، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1368 (7767). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 39 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف.¥: {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا}. ثم ذكَر مثلَه.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بكيرٍ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيِّ، قال: كلَّم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيشًا ¬في م: "قريش".¥، فقالوا: يا محمدُ، تُخْبِرُنا أن موسى كان معه عصًا يَضْرِبُ بها الحجرَ فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، وتُخْبِرُنا أن عيسى كان يُحْيِي الموتى، وتُخْبِرُنا أن ثَمُودَ كانت لهم ناقةٌ، فأْتِنا ¬بعده في م: "بشيء".¥ مِن الآياتِ حتى نُصَدِّقَك.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّ شيءٍ تُحِبُّون أن آتِيَكم به؟ ". قالوا: تَجْعَلُ لنا الصَّفَا ذهبًا. فقال لهم: "فإن فعَلْتُ تُصَدِّقوني؟ ". قالوا: نعم واللهِ، لئن فعَلْتَ [لَنَتَّبِعنَّكَ أجمعين] ¬في م: "لنتبعك أجمعون".¥. فقام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدْعُو، فجاءه جبريلُ عليه السلامُ فقال له ¬بعده في م: "لك".¥: ما شئتَ؛ إن شئتَ أصْبَح ذهبًا، ولئن أرْسل آيةً فلم يُصَدِّقوا عندَ ذلك لَنُعَذِّبَنَّهم، وإن شئتَ فأتْرُكُهم ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، ف: "فاىرحهم" غير منقوطة، وفي س: "فاترحهم". وأثبتها الشيخ شاكر: فأندحهم. وقال: وهو عندي من قولهم: ندحت الشيء ندحا: إذا أوسعته وأفسحته ... أي: أفسح لهم وأجعل لهم مندوحة في هذا الأمر حتى يتوب تائبهم.¥ حتى يَتوبَ تائبُهم. فقال: "بل يَتُوبُ تائِبُهم".
فأنْزَل اللهُ تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ} إلى قولِه {يَجْهَلُونَ} ¬ذكره ابن كثير في التفسير 3/ 309 عن المصنف، ثم قال: وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 39 إلى المصنف.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المخاطَبِين بقولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}؛ فقال بعضُهم: خُوطِب بقولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}. المشركون المُقْسِمون باللهِ؛ لئن جاءَتهم آيةٌ ليُؤْمِنُنَّ. وانتهى الخبرُ عندَ قولِه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}. ثم اسْتُؤْنِف الحكمُ عليهم بأنهم لا يُؤْمنون عندَ مجيئِها استئنافًا مبتدَأً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}. قال: ما يُدْرِيكم. قال: ثم أخْبَر عنهم أنهم لا يُؤْمِنون ¬من تمام الأثر المتقدم تخريجه في الصفحة السابقة. وأخرج هذا الجزء ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1368 (7768، 7769) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}: وما يُدْرِيكم، (إنها إذا جاءت). قال: أوْجَب عليهم أنها إذا جاءت لا يُؤْمِنون.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ ¬في م: "زيد".¥ يقولُ: {إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ}. ثم يَسْتَأْنِفُ فيقولُ: (إنها إذا جاءَت لا يُؤْمنون).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ}: وما يُدْرِيكم أنكم تُؤْمِنون إذا جاءت، ثم اسْتَقْبل يُخْبِرُ عنهم فقال: {إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1368 (7770) من طريق حجاج به عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 39 إلى أبي الشيخ.¥.
وعلى هذا التأويلِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك بكسرِ ألفِ: (إنها)، على أن قولَه: (إنَّها إذا جاءت لا يُؤْمِنون). خبرٌ مبتدَأٌ منقَطِعٌ عن الأولِ.
وممَّن قرَأ ذلك كذلك بعضُ قرأةِ المكيين والبصريين ¬وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وعن أبي بكر الوجهان. الكشف عن وجوه القراءات 1/ 444.¥.
وقال آخَرون منهم ¬ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 350.¥: بل ذلك خطابٌ مِن اللهِ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه. قالوا: وذلك أن الذين سأَلوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَأْتِيَ بآيةٍ، المؤمنون به. قالوا: وإنما كان سببَ مسألتِهم إياه ذلك أن المشركين حَلَفوا أن الآيةَ إذا جاءت آمَنوا واتَّبَعوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: سَلْ يا رسولَ اللهِ ربَّك ذلك. فسأَل، فأَنْزَلَ اللهُ فيهم وفي مسألتِهم إياه ذلك، {قُلْ} للمؤمنين بك يا محمدُ: {إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ} أيُّها المؤمنون بأن ¬في ص، ت 1، س، ف: "بأنه أن".¥ الآياتِ إذا جاءَت هؤلاء المشركين باللهِ أنهم لا يُؤْمِنون به. ففتَحوا الألفَ مِن "أن".
وممَّن قرَأ ذلك كذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ ¬هي قراءة نافع وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 265.¥، وقالوا: أُدْخِلَت {لَا} في قولِه: {لَا يُؤْمِنُونَ}. صلةً ¬ينظر تعريف الصلة في 1/ 191.¥، كما أُدْخِلَت في قولِه: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12]. وفي قولِه: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95]. وإنما المعنى: وحَرامٌ عليهم أن يَرْجِعوا، وما منَعَك أن تَسْجُدَ.
وقد تأوَّل قومٌ قرَءوا ذلك بفتحِ الألفِ من: {أَنَّهَا}. بمعنى: لعلَّها. وذكَروا أن ذلك كذلك في قراءةِ أبيِّ بنِ كعبٍ ¬ذكرها الفراء في الموضع السابق، وانظرها أيضا في البحر المحيط 4/ 202، وهي شاذة.¥.
وقد ذُكِر عن العربِ سماعًا منها: اذْهَبْ إلى السوقِ أنك تَشْتَرِي لي شيئًا. بمعنى: لعلك تَشْتَرِي.
وقد قيل: إن قولَ عديِّ بنِ زيدٍ العباديِّ ¬جمهرة أشعار العرب 2/ 509، الشعر والشعراء 1/ 226، معاهد التنصيص 1/ 316.¥:
أَعاذِلَ ما يُدْرِيكَ أَنَّ مَنِيَّتي ... إلى ساعةٍ في اليومِ أو في ضُحَى الغَدِ
بمعنى: لعل منيَّتي. وقد [أنشَدوا في] ¬في م: "أنشدوني".¥ بيتِ دُرَيْدِ بن الصِّمَّةِ ¬الأصمعيات ص 113 وروايته هكذا:
ذريني أطوف في البلاد لعلني ... ألاقي بإثْرٍ ثُلَّة من محارب
وينظر ما تقدم في 2/ 569.¥:
ذَرِيني أُطَوِّفُ في البلادِ لأنني ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَو بَخيلًا مُخَلَّدَا
بمعنى: لعلَّني. والذي أنْشَدني أصحابُنا عن الفَرَّاءِ:
* لعلَّني أَرَى مَا تَرَيْن *
وقد أُنشِد أيضًا بيتُ تَوْبَةَ بنِ الحُمَيِّرِ ¬الكتاب 2/ 200، والنوادر لأبي زيد. زيد ص 72.¥:
لعلَّك يا تَيْسًا نَزَا في مَرِيرةٍ ¬المريرة: الحبل الشديد الفتل. اللسان (م ر ر).¥ ... مُعَذِّبُ لَيْلَى أن تَرَانِي أَزُورُها
لهَنَّك يا تَيْسًا، بمعنى: لأنّك. التي في معنى: لعلَّك. وأُنْشِد بيتُ أَبي النَّجْمِ العِجْليِّ:
قلتُ لشَيْبانَ ادْنُ مِن لقائِهْ ... أنا نُعَدِّي القومَ مِن شِوائِهْ ¬الكتاب 3/ 116، والمعاني الكبير 1/ 363، وفيهما: كما نغدي.¥
بمعنى: لعلَّنا نُعَدِّي القومَ.
وأولى التأويلاتِ في ذلك بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ذلك خطابٌ مِن اللهِ للمؤمنين به من أصحابِ رسولِه، أعْني قولَه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ}. وأن قولَه: {أَنَّهَا}. بمعنى: لعلَّها.
وإنما كان ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ؛ لاستفاضةِ القراءةِ في قرأةِ الأمصارِ بالياءِ مِن قولِه: {لَا يُؤْمِنُونَ}.
ولو كان قولُه: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ}. خطابًا للمشركين، لكانت القراءةُ في قولِه: {لَا يُؤْمِنُونَ}. بالتاءِ، وذلك وإن كان قد قرَأه بعضُ قرأةِ المكيين كذلك، فقراءةٌ خارجةٌ عما عليه قرأةُ الأمصارِ، وكفَى بخلافِ جميعِهم لها دليلًا على ذَهابِها وشُذوذِها ¬القراءة بالتاء ليست شاذة، بل هي متواترة، وقد قرأ بها ابن عامر وحمزة وهما من السبعة؛ وقد خرج أبو حيان هذه القراءة في البحر المحيط 4/ 202 تخريجا جيدا من حيث المعنى فراجعه.¥.
وإنما معنى الكلامِ: وما يُدْرِيكم أيُّها المؤمنون، لعلَّ الآياتِ إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يُؤْمِنون، فيُعاجَلوا بالنِّقْمةِ والعذابِ عندَ ذلك، ولا يُؤَخَّروا به.